انسحاب الإمارات من أوبك يغير خريطة النفط العربية
انسحبت الإمارات من أوبك، مما يثير تساؤلات حول الدوافع الاقتصادية والسياسية وراء هذه الخطوة. هل تسعى أبوظبي لتعزيز قوتها في مواجهة السعودية؟ اكتشف كيف يمكن أن يؤثر هذا القرار على أسواق النفط والعلاقات الإقليمية.

انسحبت الإمارات العربية المتحدة رسمياً من منظمة أوبك (OPEC) التي تضمّ 12 عضواً وتأسّست منذ ستة عقود، وجاء الإعلان يوم الثلاثاء وسط تساؤلات جدية حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الخطوة. فسّر بعض المحللين القرار بوصفه خطوةً اقتصادية بحتة، وهو تفسيرٌ لا يخلو من منطق في ظاهره: فالإمارات طالما أرادت التحرّر من قيود الإنتاج التي تفرضها المنظمة، للاستفادة من طاقتها الإنتاجية الضخمة. يُضاف إلى ذلك أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أوجدت اضطراباً اقتصادياً في منطقة الخليج، فضلاً عن أن الخروج من أوبك قد يُحقّق لأبوظبي مكاسب اقتصادية على المدى البعيد.
غير أن السياق والتوقيت يكشفان أن الدوافع السياسية لا تقلّ أهمية عن الاقتصادية، إن لم تكن تتقدّم عليها.
ضربةٌ موجّهة إلى الرياض
على عكس المملكة العربية السعودية التي تعتمد اعتماداً كبيراً على ارتفاع أسعار النفط لتحقيق التوازن في ميزانيتها، استثمرت الإمارات بكثافة في توسيع طاقتها الإنتاجية، وتُفضّل استراتيجية تصدير قائمة على الحجم الكبير حتى لو أفضت إلى انخفاض سعر البرميل.
قبل كل شيء، ينبغي قراءة هذه الخطوة بوصفها محاولةً من القيادة الإماراتية لضرب المملكة العربية السعودية أكبر أعضاء أوبك وأكثرهم تأثيراً في موضع الألم. فحتى لو لم تتحقّق عائدات نفطية أعلى، قد يظلّ الخروج من أوبك مفيداً لأبوظبي إذا منحها أفضلية في تنافسها المتصاعد مع الرياض.
بالتخلّي عن حصص الإنتاج، ستُقوّض الإمارات نهج المملكة في إدارة أسعار النفط، القائم على تقييد الإنتاج عبر المجموعة. فالمملكة بوصفها القائد الفعلي للمنظمة، طالما فرضت سياسة تحديد الإنتاج للإبقاء على الأسعار مرتفعة. وخروج الإمارات يُضعف أوبك فوراً، إذ ستفقد المنظمة قدراً من سيطرتها على الإنتاج وتأثيرها في الأسواق العالمية.
وإن رفعت الإمارات إنتاجها بصورة ملموسة مع مرور الوقت، فقد تدفع الأسعار نحو الانخفاض، وهو ما يُهدّد مباشرةً النموذج الاقتصادي السعودي. بل إن انسحاب الإمارات قد يُفضي إلى تأثير الدومينو ويدفع أعضاء آخرين إلى المغادرة، مما قد يعني في نهاية المطاف تفكّك الكارتل برمّته.
أبعادٌ تتخطّى الاقتصاد
منذ تطبيع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل عام 2020، باتت أبوظبي تقترب أكثر فأكثر من تل أبيب وواشنطن. ومن المرجّح أن إسرائيل والرئيس الأمريكي Donald Trump يرحّبان بهذا القرار بحفاوة بالغة؛ فـTrump طالما انتقد أوبك بوصفها تنهب العالم، وسيرى في هذا التطوّر انتصاراً سياسياً لا لكونه قد يُخفّض أسعار النفط فحسب، بل لأن السوق الأمريكية ستجني منه فائدة مباشرة. أما إسرائيل التي تسعى إلى تفتيت المنطقة العربية وإضعافها، فستأمل في أن يُسهم قرار الإمارات في تحقيق هذين الهدفين.
الأهم من ذلك أن الإمارات والمملكة العربية السعودية، بعد سنوات من التنسيق والتعاون عقب الربيع العربي، انفرطت بينهما عُرى الاتفاق في ملفّات إقليمية عدة، من بينها اليمن والسودان والصومال والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وقد عارضت الرياض تودّد أبوظبي لإسرائيل، وشنّ مؤثّرون سعوديون حملةً تنتقد الإمارات بسبب ما وصفوه بكونها «عميلة » لإسرائيل في المنطقة.
كذلك تعارض المملكة الدعم الإماراتي للميليشيات الانفصالية في اليمن والسودان والصومال، في حين تقف الرياض إلى جانب الحكومات المركزية في مواجهة الفاعلين من غير الدول. وفي أواخر 2025 ومطلع 2026، استهدفت المملكة العربية السعودية مباشرةً المجلس الانتقالي الجنوبي (STC) المدعوم إماراتياً في اليمن، في تصعيدٍ نادر بين حليفَين تاريخيَّين. كما عارضت الرياض الدعم الإماراتي لسلطات أرض الصومال وقوات الدعم السريع (RSF) في السودان.
وفي الأسابيع الأخيرة، أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أفادت تقارير بأن الإمارات تلقّت مساعداتٍ عسكرية إسرائيلية، بينما كانت تضغط على إسرائيل والولايات المتحدة لمواصلة حملتهما ضد إيران. في المقابل، عملت المملكة بهدوء عبر القنوات الدبلوماسية لوضع حدٍّ للحرب.
ولا يمكن إغفال توقيت الإعلان الإماراتي عن الانسحاب من أوبك؛ إذ جاء في اللحظة التي كان فيها قادة الخليج يجتمعون في جدة في قمة رفيعة المستوى هدفها إبراز موقف خليجي موحد إزاء الحرب على إيران. وفي اجتماعٍ حضره رؤساء دول قطر والمملكة العربية السعودية والبحرين، اختارت الإمارات ألّا ترسل رئيسها محمد بن زايد، واكتفت بإيفاد وزير خارجيتها. يجمع هذا التوقيت مع التمثيل المنخفض المستوى ما يوحي بأنه قرارٌ مقصود لتقويض هدف القمة.
تداعياتٌ إقليمية بعيدة المدى
ستكون تداعيات قرار الإمارات بمغادرة أوبك واسعة النطاق. فبعيداً عن إضعاف المنظمة وانعكاساته على الاقتصادَين الإماراتي والسعودي، ستواصل الإمارات اقترابها السياسي والاقتصادي من إسرائيل التي أقامت معها بالفعل روابط قوية في مجالات الأعمال والدفاع والسياحة. وقد يُفرز المحور الإسرائيلي الإماراتي الناشئ تحدياتٍ جسيمة لا للمصالح السعودية وحدها، بل لقضايا حقوق الإنسان في فلسطين والسودان وغيرهما.
أما المملكة العربية السعودية، فستسير في الاتجاه المعاكس على الأرجح، مبتعدةً عن إسرائيل. فقد كان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في سبتمبر 2023 على أعتاب صفقة تطبيع مع إسرائيل، إلا أن الإبادة الجماعية في غزة غيّرت الحسابات السعودية وجعلت مثل هذه الصفقة أمراً بعيد المنال في المدى المنظور. وخروج الإمارات من أوبك، مقروناً بتوثيق ارتباطها بإسرائيل والشرخ السعودي الإماراتي المتعمّق، يجعل التطبيع مع إسرائيل خياراً مستبعداً بالنسبة لابن سلمان.
وسيضطر الانقسام المتصاعد بين الإمارات والمملكة دولَ المنطقة إلى اختيار موقفها. وقد تجد مصر والأردن اللتان تعتمدان اعتماداً كبيراً على الدعم المالي الخليجي نفسيهما في موقفٍ بالغ الحرج. فمنذ عام 2013، تلقّت مصر دعماً سخياً من أبوظبي والرياض معاً؛ إذ ضخّت الإمارات استثماراتٍ ضخمة في البنية التحتية والتنمية، بينما قدّمت المملكة دعماً مالياً حيوياً ومساعداتٍ في مجال الطاقة. وإن تعمّق الشرخ، سيغدو الموازنة بين هذه العلاقات أمراً عسيراً، وسيجد الأردن المعتمد هو الآخر على المساعدات الخليجية نفسه في المأزق ذاته.
وعلى نطاقٍ أوسع، ستشعر أطرافٌ إقليمية أخرى بثقل هذا التحوّل؛ فتركيا التي أدارت علاقاتها مع القوتَين الخليجيتَين بحنكة قد تسعى إلى استثمار هذا الانقسام، في حين قد تجد باكستان التي توطّد روابطها الدفاعية مع المملكة نفسها تنجرف أكثر نحو الفلك السعودي.
بشأن احتمال انسحاب الإمارات العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي. وحتى لو لم تتحقّق هذه الانسحابات فوراً، فإن مجرّد التلويح بها كفيلٌ بتعكير العلاقات بين الدول العربية والخليجية والإسلامية.
ما كان يبدو محوراً سعودياً إماراتياً متماسكاً نسبياً، تحوّل إلى تنافسٍ علني وعدائية مكشوفة. وفي منطقةٍ تعصف بها الحروب والاضطرابات أصلاً، قد يكون لهذه الديناميكية الجديدة من التداعيات ما يفوق بكثير أي تغيير في مستويات إنتاج النفط.
