وورلد برس عربي logo

الطبيب الفلسطيني المعتقل بين حياة الأمل وخطر الموت

الدكتور حسام أبو صفية طبيب أطفال فلسطيني معتقل في سجن إسرائيلي وسط ظروف صحية خطيرة بعد سنوات من الاعتداءات على مستشفيات غزة. نداء عاجل لإنقاذ حياته وسط صمت دولي مستمر وورلد برس عربي يروي قصته المؤثرة.

الدكتور حسام أبو صفية، طبيب أطفال فلسطيني، يظهر مكبلاً باليدين والقدمين في فيديو من داخل سجن إسرائيلي، ضمن تقرير عن اعتقاله وظروف احتجازه.
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفيّة، الذي اعتقلته القوات الإسرائيلية في غزة أواخر عام 2024 وما زال محتجزًا، يظهر عبر رابط فيديو في جلسة المحكمة العليا الإسرائيلية في القدس بتاريخ 10 يونيو 2026 (رويترز)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في الأول من مايو 2024، التقيتُ بالطبيب الفلسطيني المتخصّص في طب الأطفال والمدير السابق لمستشفى كمال عدوان، الدكتور حسام أبو صفية، في غزة.

بعد عامَين، يواجه خطر الموت وشيكاً داخل سجن نيتسان الإسرائيلي سيّئ السمعة، بعد أن قضى أكثر من 550 يوماً رهن الاحتجاز.

في ذلك اليوم من مايو 2024، انضمّ طاقم سيارة الإسعاف الذي أعمل معه إلى قافلة أممية صغيرة للتوجّه نحو شمال غزة. كنّا قد حصلنا على نافذة زمنية قصيرة لإيصال فريق طبي نرويجي إلى مستشفى العودة، ثم نقل مرضى من مستشفى كمال عدوان إلى جنوب غزة تمهيداً لإجلائهم.

في مستشفى العودة، رأينا آثار الاستهداف الإسرائيلي المتكرّر للمنشأة الصحية؛ جدرانٌ مثقوبة بطلقات عيار كبير، وفجوةٌ واسعة تفتح بين الطابقَين الثالث والرابع، خلّفها قصفٌ إسرائيلي ضرب المستشفى في نوفمبر 2023 و أدى إلى استشهاد ثلاثة أطباء ومرافق لأحد المرضى.

وصلنا إلى مستشفى كمال عدوان بعد منتصف النهار بوقتٍ طويل، إذ أوقفنا جنودٌ إسرائيليون عند حاجز نتساريم قرابة ثلاث ساعات، ما أبقى أمامنا وقتاً شحيحاً لتحديد المرضى الذين ينبغي نقلهم بأمان.

استقبلنا الدكتور أبو صفية في مكتبه، وكان في المكان أيضاً ممثّلون عن منظمة الصحة العالمية (WHO) وأطباء بلا حدود (MSF). دعانا للجلوس، وأخذ يشرح هو وزملاؤه جملةً من التحدّيات التي يواجهها المستشفى في شمال غزة.

كان طنين الطائرات المسيّرة الإسرائيلية لا يتوقّف. وعلى الرغم من التهديد الدائم بالقصف وشُحّ الغذاء المفروض قسراً، قُدِّمت لنا المياه والبسكويت، كما هو شأن الكرم الفلسطيني الأصيل.

إساءةٌ سافرة

أخذنا الدكتور أبو صفية في جولة داخل المستشفى؛ كانت الباحات والأدراج تعجّ بالناس، والأجنحة ممتلئة عن آخرها.

زرنا جناح الأطفال لنرى من يرعاهم بأيديه عشراتٌ من الأطفال في حالاتٍ حرجة، بعضهم يعاني سوء تغذية واضحاً، وبعضهم الآخر في حاجةٍ ماسّة إلى أدوية حالت إسرائيل دون وصولها إلى مستشفيات غزة.

نقلنا في ذلك اليوم أربعة أطفال إلى جنوب غزة؛ ثلاثةٌ منهم أصيبوا بجروحٍ بالغة جرّاء ضربةٍ إسرائيلية، فيما كان الرابع بحاجةٍ ماسّة إلى الإجلاء لإجراء عملية زرع. كان الدكتور أبو صفية وفريق التمريض والأطباء في كمال عدوان قد اعتنوا بهم جميعاً بعنايةٍ فائقة، بما أتاحته لهم الموارد الشحيحة.

المرة التالية التي رأيتُ فيها الدكتور أبو صفية كانت في مقاطع فيديو بعد ثمانية أشهر، حين انتشرت مشاهد تُظهره يسير باتجاه مركبتَين مدرّعتَين إسرائيليتَين متوقّفتَين في شارعٍ مجاور للمستشفى.

كان واقفاً منتصب القامة، شامخ النظر، يرتدي معطفه الأبيض. في الأسابيع التي سبقت ذلك، تعرّض المستشفى لهجماتٍ متكرّرة واقتحاماتٍ وحصار. استشهد عشراتٌ المرضى والكوادر الطبية داخل المستشفى، و ارتقى آخرون كثيرون في محيطه المباشر.

ثم اختفى الدكتور أبو صفية قسراً. ظلّ مصيره مجهولاً، وبقيت حياته في موضع شكّ، حتى تمكّن محامٍ من مؤسسة الميزان من زيارته في فبراير 2025.

"ربّما تكون هذه الصرخة الأخيرة."

أطلق نجل الدكتور حسام أبو صفية نداءً مؤثّراً يطالب فيه الحكومات والمنظمات الدولية وشعوب العالم بالتحرّك العاجل لإنقاذ حياة والده، محذّراً من أن حالته الصحية بالغة الخطورة .

بحلول ذلك الوقت، كان قد تعرّض للتعذيب فعلاً جُرِّد من ملابسه، وضُرب مراراً، واحتُجز في عزلٍ انفرادي مطوّل.

وبعد أسبوعَين، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية مقاطع مصوّرة تُظهر الدكتور أبو صفية مكبّل اليدَين والقدمَين، محاطاً بحرّاس السجن الإسرائيليين الذين غطّوا وجوههم بالطبع يعرف حرّاس السجون والجنود الإسرائيليون أن المساءلة نادراً ما تطالهم، لكنّهم مع ذلك لا يخاطرون.

ولا يزال الدكتور أبو صفية رهن الاحتجاز حتى اليوم، دون توجيه اتهامٍ أو صدور إدانة، استناداً إلى ما يُعرف بـ"قانون المقاتلين غير الشرعيين" الإسرائيلي المثير للجدل، فيما تتواصل في حقّه أعمال التعذيب والإساءة السافرة.

عنفٌ ممنهج

لم يُقدَّم أيّ دليلٍ يُسوّغ احتجاز الدكتور أبو صفية، ولن يكون ثمّة دليلٌ يُبرّر أبداً العنف الوحشي الذي يتعرّض له.

ما ذنبه؟ أنه أصرّ على البقاء مع مرضاه. أنه رفض المغادرة، خلافاً لموظّفي الوكالات الأممية والمنظمات غير الحكومية الدولية، ورفضه هذا أفقد المحاولات الإسرائيلية المتكرّرة للتطهير العرقي أيّ غطاءٍ من الشرعية.

إنّ الأيدي التي تُداوي وتقاوم المحو بإنقاذ الأرواح ستظلّ دائماً تهديداً في نظر من يسعون إلى الإبادة.

وهكذا تعامل إسرائيل مع الدكتور أبو صفية. خلال آخر زيارة أجراها محاميه في 2 يوليو، كان قد تعرّض لضربٍ شديد كاد يُغيّر ملامحه. كان يعاني صعوبةً في التنفّس، وبدا عليه الوهن الشديد وهو على حافة فقدان الوعي، في حالةٍ نفسية بالغة الهشاشة.

قال الدكتور أبو صفية لمحاميه: "هذه آخر مرة تراني فيها... أحضروني إلى هنا سجن نيتسان لقتلي."

حياته في خطرٍ داهم. ولا مجال للشكّ في جدّية هذا الخطر؛ فقد استشهد ستة عمّال صحيّين فلسطينيين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023.

لا بدّ من التحرّك

اختار أصحاب القدرة على التحرّك أن يتفرّجوا بينما تمارس إسرائيل القتل والتدمير في أرجاء فلسطين وفي دولٍ أخرى بالمنطقة.

احتجاز الفلسطينيين وتعذيبهم وقتلهم داخل المنظومة الاحتجازية الإسرائيلية ليس شذوذاً عارضاً، ولا فعل حرّاسٍ خارجَين عن السيطرة؛ إنه تجلٍّ من أشدّ تجلّيات الحاجة الإسرائيلية البنيوية إلى تجريد الشعب الفلسطيني من إنسانيته وإخضاعه.

يجب الإفراج عن الدكتور حسام أبو صفية فوراً. كما يجب الإفراج عن سائر المعتقلين الفلسطينيين، بمن فيهم 83 عاملاً صحياً آخر لا يزالون في السجون الإسرائيلية حتى أبريل الماضي 23 منهم عملوا في مستشفى كمال عدوان.

غير أنّ التزاماتنا لا تتوقّف عند هذا الحدّ. لا وجود لاستعمارٍ استيطاني يحترم حقوق الإنسان، ولا لفصلٍ عنصري كريم، ولا لاحتلالٍ إنساني.

إنّ استمرارية إسرائيل بوصفها مشروعاً استعمارياً استيطانياً مرهونةٌ باستمرار احتجاز الفلسطينيين وتعذيبهم؛ ومن ثَمّ، لن يكون ثمّة أملٌ في وضع حدٍّ لهذا الانحطاط ما دام الاستعمار الاستيطاني مسموحاً له بالتمدّد.

أخبار ذات صلة

Loading...
رجال يحملون جثمان الصحفي الفلسطيني أحمد وشاح مرتدياً سترة الصحافة وسط حزن في جنازة بغزة بعد اغتياله بغارة إسرائيلية.

الصحفيون الفلسطينيون بين الواقع والحياد: هل يبقى الصمت خياراً؟

في ظل تصاعد العنف في غزة، يستمر استهداف الصحفيين الفلسطينيين، حيث استشهد على يد إسرائيل أكثر من 220 صحفياً خلال أقل من عامين. اكتشف تفاصيل هذه المأساة الإنسانية وتأثيرها على حرية الصحافة. اقرأ المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
امرأة فلسطينية ترتدي عباءة تقف على شرفة منزل محاصر في قصرة مع طفلين، تعكس معاناة الحصار ونقص الغذاء في الضفة الغربية.

الفلسطينيون المحاصرون بالمستوطنين: «نحن نموت جوعاً»

في ظل حصار خانق على منازل فلسطينية في قصرة، يعاني السكان نقصاً حاداً في الغذاء وسط تضييقات الجيش والمستوطنين. اكتشف تفاصيل الحصار وتأثيره على العائلات الفلسطينية واستمر في القراءة لمعرفة المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
وزير الخارجية البريطاني يتحدث في اجتماع رسمي وسط حضور نسائي، في سياق إدانة تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي عن العنف في غزة.

الحكومة البريطانية تدين تصريحات بن غفير "المشينة" حول قتل الفلسطينيين

تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي Itamar Ben Gvir التي تدعو إلى قتل فلسطينيين في غزة أثارت ردود فعل غاضبة من الحكومة البريطانية التي وصفتها بالبشعة والمُهينة للإنسانية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على السلام في المنطقة.
الشرق الأوسط
Loading...
علم تركيا وعلم إسرائيل يرفرفان فوق دبابة في سياق التوترات العسكرية بين البلدين حول قاعدة أبو الظهور في سوريا.

إسرائيل توجّه تحذيراً مبطّناً لتركيا عقب غارات على قواعد عسكرية بسوريا

تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا بعد الغارات على قاعدة أبو الظهور في سوريا، وسط اتهامات متبادلة وتصريحات حادة. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره الإقليمي الآن.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية