صوت الذاكرة الصامت في وجه القمع السياسي
في ظل حظر ذكرى ميدان تيانانمن في هونغ كونغ، يواصل Tang Ngok-kwan إحياء الذكرى بصمت رغم الاعتقالات وإدانة رفاقه. قصة نضال وأمل في مواجهة قمع متزايد للحريات في المدينة. وورلد برس عربي.





في أحد أركان حديقة Victoria Park بهونغ كونغ، حيث كانت عشرات الآلاف تجتمع سنوياً لإحياء ذكرى أحداث ميدان تيانانمن عام 1989، وقف Tang Ngok-kwan يُحني رأسه بهدوء، ويتلو بصوتٍ خافت أسماء الضحايا. لا أحد يُرافقه، ولا لافتات تُعلن موقفه مجرّد رجلٍ في الثامنة والخمسين من عمره يُؤدّي فعلاً شخصياً وصامتاً، في مكانٍ باتت فيه الذاكرة الجماعية محظورة.
لا يزال Tang يتردّد أحياناً على المواقع التي كانت هونغ كونغ تُحيي فيها علناً ذكرى القمع الذي نفّذته بكين في ميدان تيانانمن. رفاقه في النضال يقبعون خلف القضبان بتهمة التحريض على الإطاحة بالسلطة، والتجمّع السنوي لإضاءة الشموع الذي كانوا يُنظّمونه اختفى من المشهد، لكنّه يُواصل بشكلٍ شخصي وبعيداً عن الأضواء إحياء ذكرى حدثٍ يُعدّ من أشدّ المحظورات السياسية حساسيةً في الصين القارية.
في حديقة Victoria Park، التي كانت تستقطب عشرات الآلاف للمشاركة في الإحياء العلني الوحيد لهذه الذكرى على الأراضي الصينية، انحنى Tang عشيّة الذكرى وتلا أسماء الضحايا بصوتٍ خافت. وأحياناً يعود إلى حرمَي جامعتين كانت تتزيّن بمنحوتاتٍ تذكارية، رغم أنّ معظم آثار وجودها قد مُحيت.
إدانة رفيقَين بعد عقودٍ من النضال
أُدين اثنان من رفاق Tang السابقين يوم الجمعة بموجب قانون الأمن القومي الذي فرضته بكين، وقد يواجهان السجن عشر سنوات كحدٍّ أقصى. كما صدر حكمٌ بإدانة المجموعة التي كانت تُنظّم التجمّع السنوي. وخلص القضاة المعيَّنون من قِبَل الحكومة إلى أنّ الاثنين حرّضا الآخرين على الإطاحة بقيادة الحزب الشيوعي الصيني بوسائل غير مشروعة.
يرى كثيرٌ من المراقبين أنّ هذه الإدانات تمثّل فصلاً جديداً في مسلسل تراجع الحريات في هذه المستعمرة البريطانية السابقة التي عادت إلى السيادة الصينية عام 1997.
قال Tang إنّ الحجج الواردة في حكم الإدانة لم تُقنعه، وإنّه يشعر بالظلم نيابةً عمّن صدرت بحقّهم الأحكام.
وأضاف: «بعد إدانة التحالف، أشعر أنّه كلّما أشار أحدٌ إلى التحالف، سيُخيّم عليه شعورٌ من الحذر والتوجّس».
عقودٌ في خدمة الذاكرة
كان Tang شاباً عادياً حين انضمّ إلى موجة المتظاهرين الذين سارت في هونغ كونغ دعماً للاحتجاجات الطلابية المطالِبة بالديمقراطية في بكين في مايو 1989.
حين دخلت الدبابات قلبَ بكين في ليلة 3-4 يونيو لإخماد الاحتجاجات، لم يُغمض Tang جفناً. وقد راح ضحيّة ذلك القمع مئاتٌ، وربّما آلاف الأشخاص.
بُعيد تلك الأحداث الدامية، تحرّك عددٌ من أعضاء تحالف هونغ كونغ لدعم الحركات الديمقراطية الوطنية في الصين، إلى جانب متعاطفين آخرين، لمساعدة المطلوبين من السلطات على الوصول إلى بَرٍّ آمن. كما أشرف التحالف على تنظيم التجمّع السنوي الضخم لإضاءة الشموع الذي استقطب عشرات الآلاف طوال ثلاثة عقود.
يقول Tang إنّه يحمل عبئاً أخلاقياً ثقيلاً، إذ يرى أنّ دعم هونغ كونغ ربّما أوقع الطلاب في موقفٍ لم يكن لهم منه مخرجٌ سهل عام 1989. وهذا ما دفعه إلى الانتقال من متطوّعٍ إلى عضوٍ محوري في التحالف، يعمل خلف الكواليس لسنواتٍ طويلة.
من حظر التجمّع إلى أقفاص الاتّهام
حظرت السلطات التجمّع السنوي عام 2020 بحجّة مخاطر الصحة العامة في خضمّ جائحة COVID-19. وبعد أسابيع قليلة، فرضت بكين قانون الأمن القومي، مُبرِّرةً ذلك بضرورة استعادة الاستقرار في المدينة إثر احتجاجاتٍ واسعة شهدتها عام 2019.
بات مصير التحالف موضع تساؤلٍ عام 2021، حين انتقد مسؤولٌ صيني من البرّ الرئيسي الهتافات المطالِبة بـ«إنهاء ديكتاتورية الحزب الواحد»، دون أن يُسمّي التحالف صراحةً. وطالبت الشرطة بالاطّلاع على تفاصيل عملياته وتمويله بدواعي صلاتٍ مزعومة بمجموعاتٍ ديمقراطية في الخارج، متّهمةً إيّاه بالعمل عميلاً لجهاتٍ أجنبية.
غير أنّ التحالف رفض التعاون، وأعلن في سبتمبر 2021 أنّ الطلب يُمثّل «تجاوزاً صريحاً للصلاحيات». كان Tang يعلم في قرارة نفسه أنّ السجن بات مصيره لا محالة جرّاء رفضه تسليم المعلومات. وتذكّر أنّه أُصيب بالهلع حين رأى حشداً كبيراً من الصحفيين في مكان الحدث.
وقال: «كان الأمر يشبه فعلاً أن يُراقب الجميع كيف تموت، ثم يأتون لتوديعك في طريقك».
بعد أيامٍ قليلة، اعتُقل Tang بسبب رفضه، إلى جانب عددٍ من الأعضاء المحوريين الآخرين. ووُجّهت إلى رئيس التحالف ونائبَيه Lee Cheuk-yan وChow Hang-tung وAlbert Ho تهمٌ بموجب قانون الأمن. وسرعان ما صوّت التحالف على حلّ نفسه، فيما أُزيلت تمثالان تذكاريّان ولوحةٌ بارزة من حرم جامعيَّين في أواخر عام 2021.
صدر بحقّ Tang وChow وعضوٍ محوري آخر حكمٌ بالسجن أربعة أشهرٍ ونصف لكلٍّ منهم عام 2023، بسبب رفضهم تزويد السلطات بالمعلومات المطلوبة. وتزامنت فترة سجن Tang مع الذكرى الخامسة والثلاثين للقمع، فاختار إحياءها بطريقته الخاصة: جرى 35 دورةً حافياً.
أُلغيت إدانات الثلاثة عام 2025 من قِبَل أعلى محكمة في هونغ كونغ، وإن كانوا قد أتمّوا محكومياتهم فعلياً.
ذاكرةٌ تقاوم بالتفاصيل الصغيرة
لم تنتهِ المعركة القانونية عند هذا الحدّ. انطلقت محاكمة Lee وChow في يناير، وكان Tang حاضراً بانتظامٍ في مقاعد الجمهور بقاعة المحكمة. أمّا Ho فقد أقرّ بالذنب، وهو ما يُفضي عادةً إلى تخفيف الحكم.
قبل انطلاق المحاكمة، كان إحياء ذكرى القمع علناً قد بات محفوفاً بالمخاطر السياسية. فقد احتجزت الشرطة بعض من حاولوا ذلك قرب الموقع السابق للتجمّع في ذكرى الأحداث. وبعد رفع قيود الجائحة، باتت حديقة Victoria Park تحتضن سنوياً في الذكرى مهرجاناً شعبياً بدلاً من التجمّع التأبيني.
يوم الجمعة، أبلغت الشرطة Tang بأنّها لن تسمح له بدخول المحكمة إن أصرّ على إحضار مواد «حسّاسة»، من بينها إشاراتٌ مطبوعة عليها عبارة «إعادة الاعتبار لأحداث الرابع من يونيو».
وقال Tang إنّه مشى مراراً بين محطة المترو وقاعة المحاكمة إحياءً لسنوات احتجاز Lee وChow في انتظار المحاكمة، مُشيراً إلى أنّ عدد درجات السلّم الصاعدة من مخرج المحطة يبلغ 64 درجةً رقمٌ يحمل دلالةً مباشرة على ذكرى الرابع من يونيو.
Tang صاحب عينٍ لا تُفوّت تفاصيل كهذه. مازح محدّثيه بأنّ هذا «مرضٌ نفسي».
وختم بالقول: «حين لا يكون بيدك شيءٌ ملموسٌ تفعله، الخيار الوحيد — وبصراحة تامة ما هو إلا طريقةٌ أخرى لتوازن النفس».
أخبار ذات صلة

قاضٍ فيدرالي يلغي سياسة ترامب لوقف معالجة تأشيرات الهجرة من 75 دولة

حالة أنس التكريتي تثير تساؤلات حول التحالف البريطاني الإماراتي

إيران تتوعّد بمواجهة تدخّل الأعداء الأجانب مع تهديدات ترامب بعقوباتٍ جديدة
