وورلد برس عربي logo

اغتيال الصحفيين الفلسطينيين بين صمت العالم وظلم الاحتلال

في ظل استهداف الجيش الإسرائيلي المتكرر للصحفيين في غزة، يكشف المقال قصة استشهاد مراسلي قناة الجزيرة وشهادات من داخل خيمة الصحفيين التي كانت ملاذاً وسط الحرب. تعرف على الواقع المرير لحرية الصحافة في مناطق النزاع مع وورلد برس عربي.

رجال يحملون جثمان الصحفي الفلسطيني أحمد وشاح مرتدياً سترة الصحافة وسط حزن في جنازة بغزة بعد اغتياله بغارة إسرائيلية.
يتجمع المشيعون حول جثمان مصور الجزيرة المباشر أحمد ويشة، وقد وُضع صدرية الصحافة الخاصة به على الكفن، في مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح في وسط قطاع غزة، بتاريخ 21 يونيو 2026 (رويترز/محمود عيسى)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في 20 يونيو 2026، اغتال الجيش الإسرائيلي المصوّر الصحفي أحمد وشاح، مراسل قناة الجزيرة مباشر، في غارةٍ بطائرةٍ مسيّرة، وذلك بعد أقلّ من شهرين ونصف على اغتيال أخيه المراسل محمد وشاح، الذي استهدفه الجيش ذاته في 8 أبريل.

بعد استشهاد محمد، ظهر أحمد على الشاشة متوسّلاً: «ليكن محمد آخر صحفي يستشهد على يد إسرائيل. لا نريد المزيد من الصحفيين المستهدفين. رسالتي إلى العالم: أوقفوا الاحتلال عن قتل الصحفيين».

لم يُجِب العالم على نداءه، وبعد وقتٍ قصير، استشهد على يد الجيش الإسرائيلي.

في دراسةٍ نشرها مشروع «تكاليف الحرب» (Costs of War Project) التابع لجامعة Brown في 1 أبريل 2025، خلص الباحثون إلى أنّ الحرب على غزة أدت إلى ارتقاء صحفيين أكثر منذ أكتوبر 2023 ممّا أودت به الحرب الأهلية الأمريكية، والحربان العالميتان الأولى والثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام بما فيها النزاعات في كمبوديا ولاوس، وحروب يوغوسلافيا في التسعينيات والألفية الجديدة، وحرب أفغانستان ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، مجتمعةً.

فضلاً عن ذلك، خلصت منظمة مراسلون بلا حدود (RSF) في تقريرها السنوي الصادر في ديسمبر 2025، إلى أنّ إسرائيل مسؤولة عن ما يقارب نصف حالات استهداف الصحفيين المسجّلة في العالم خلال ذلك العام، ممّا جعل فلسطين المحتلّة أخطر بقعةٍ في العالم للعمل الصحفي.

وكانت المنظمة قد وثّقت بحلول أغسطس من العام ذاته نحو 220 صحفياً استشهدوا قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة في أقلّ من 23 شهراً.

لماذا تستهدف إسرائيل الصحفيين الفلسطينيين؟ كما تستهدف الأطفال والمدنيين، وتقصف المستشفيات، وتدمّر البنية التحتية، لا تشعر بأيّ التزامٍ بتقديم مبرّراتٍ مقنعة، لأنّها تعتقد أنّها بمنأى عن المساءلة.

خيمة الصحفيين

في نوفمبر 2023، خرجت من مستشفى ناصر في جنوب غزة بعد تلقّي العلاج من إصاباتٍ لحقت بي جرّاء غارةٍ جوية إسرائيلية استهدفت منزلي أدى إلى استشهاد سبعةٍ من أفراد عائلتي، من بينهم ابني عبدالله.

اضطررت إلى مغادرة سريري في المستشفى لإفساح المجال لجريحٍ آخر، في ظلّ تدفّق الآلاف من الضحايا.

لم يكن لديّ أيّ مكانٍ آخر أذهب إليه. بيتنا دُمِّر، وعائلتي نزحت، وكنت لا أزال بحاجةٍ إلى وقتٍ للتعافي.

استقبلني مجموعةٌ من الصحفيين. كانوا قد نصبوا خيمةً في فناء المستشفى لأغراض عملهم، فعرضوا عليّ الإقامة معهم.

أووني إليهم، وشاركوني طعامهم، وأعطوني مكاناً للنوم. مكثت معهم شهراً كاملاً، حتى أُجبرنا على الإخلاء حين اجتاح الجيش الإسرائيلي خان يونس وتقدّمت دباباته نحو المستشفى.

كان نحو ثمانية صحفيين ينامون في تلك الخيمة ليلاً، وفي النهار كانت تتحوّل إلى غرفة أخبارٍ صاخبة يرتادها نحو 20 شخصاً.

حين أستعيد تلك الأيام، أستطيع أن أحصي على الأقلّ أربعةً من الصحفيين الذين عشت معهم في تلك الخيمة، استهدف الجيش الإسرائيلي لاحقاً: حسن إسليّه، ومحمد البردويل (%D9%85%D8%AF)، ومصطفى ثروة، ومحمد أبو سعدة

وآخر منهم، إسماعيل أبو عمر، نجا من ضربةٍ مباشرة بطائرةٍ مسيّرة إسرائيلية لكنّه فقد إحدى ساقيه.

لا أعرف ما آل إليه مصير الآخرين. انقطعت الاتصالات، وبات متابعة أخبار غزة أمراً بالغ الصعوبة في خضمّ حجم الأحداث المتراكمة.

كان إسليّه، أحد أبرز الصحفيين المحليين في غزة، أوّل ما استهدفه الجيش الإسرائيلي وهو في خيمته، فأُصيب لكنّه نجا.

ثم استُهدف مرّةً ثانية وهو مضطجعٌ جريحاً في سريره بمستشفى ناصر في خان يونس، حيث استشهد في 13 مايو 2025.

في بيانها بشأن اغتياله، ادعى الجيش الإسرائيلي دون أيّ دليلٍ أنّه عضوٌ في حركة حماس، ومن بين ما ساقه مبرّراً توثيقُه لهجمات السابع من أكتوبر 2023 على جنوب إسرائيل.

غير أنّ توثيق تلك المشاهد ليس سوى عملٍ مهني بامتياز. حصل إسليّه على تلك اللقطات الحصرية لأنّه كان يقطن قرب السياج الشرقي في خان يونس، ممّا أتاح له الوصول السريع وتوثيق الحدث بكاميرته.

وأيّ صحفيٍّ من أيّ جنسيةٍ كان موجوداً في المكان ذاته في تلك اللحظة كان على الأرجح سيفعل الشيء نفسه.

قتل الشاهد

في 10 أغسطس 2025، استهدفت إسرائيل ستة صحفيين كانوا نائمين في خيمةٍ قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة، من بينهم مراسل الجزيرة أنس الشريف.

بُعيد الضربة مباشرةً، نشر الجيش الإسرائيلي بياناً يزعم فيه أنّ الشريف «كان يقود خليةً إرهابية تابعة لـحماس وكان يُشرف على إطلاق الصواريخ على المدنيين الإسرائيليين وقوات الجيش».

ثمّة طريقةٌ سهلة لصرف الانتقادات بعد استهداف الصحفيين: الادّعاء بأنّهم قُتلوا بالخطأ، أو أنّهم لم يكونوا مدنيين لانتمائهم إلى حماس.

بيد أنّ الجيش لم يُقدّم أيّ تفسيرٍ لمقتل الصحفيين الخمسة الآخرين الذين لقوا حتفهم في الهجوم ذاته، رغم علمه التامّ بوجودهم داخل الخيمة معه.

تمتلك إسرائيل قدراتٍ متقدّمة في المراقبة والاستخبارات تُمكّنها من رصد الأهداف المحتملة قبل تنفيذ الضربات.

وكما تُظهر حالتا الشريف وإسليّه، فإنّ الادّعاء الأكثر شيوعاً الذي يلجأ إليه الجيش الإسرائيلي هو الزعم بأنّ الصحفيين الذين يستهدفهم مرتبطون بحماس.

لكنّ إسرائيل لا تُحدّد ما تعنيه بهذا الارتباط. والادّعاء يصعب التحقّق منه بصورةٍ موضوعية، في حين قُتل كثيرٌ من الصحفيين وهم يؤدّون مهامهم الصحفية على الأرض بشكلٍ واضح.

كما استدلّ محمد شهادة في تحليلٍ نشره في المجلة الإسرائيلية المستقلّة +972، فإنّ قتل إسرائيل للصحفيين الفلسطينيين بأرقامٍ قياسية يخدم هدفاً أبعد مدىً: تدمير شهادات الشهود المباشرين وطمس أدلّة جرائم الحرب.

كتب شهادة: «الصحفيون في غزة كثيراً ما يكونون أوّل من يصل إلى مواقع الفظائع، يرسمون خرائط الهجمات ويصلون إلى الضحايا والشهود. إسكاتهم يُزيل كمّياتٍ هائلة من المعلومات المُدينة».

في 11 مايو 2022، استشهدت على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة خلال تغطيتها في مخيم جنين في الضفة الغربية المحتلّة.

كانت فلسطينيةً مسيحية لا ترتدي الحجاب، تحمل الجنسية الأمريكية وتقيم في القدس، وهو ما يجعل أيّ ادّعاءٍ بانتمائها إلى حماس أمراً لا يصمد حتى وفق معايير إسرائيل ذاتها.

قتلها الجيش نفسه الذي قتل إسليّه والشريف وأكثر من 200 صحفيٍّ في غزة. الهدف دائماً واحد: قتل الشاهد الذي يوثّق الجريمة.

في إحدى المحاضرات، سُئلت عمّا إذا كان غياب الصحفيين الدوليين عن غزة تفسيراً وجيهاً لضعف التغطية الإعلامية.

أجبت بأنّ الجهة التي تمنع دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة بشكلٍ قاطع هي الجيش الإسرائيلي، وهذا الحظر في حدّ ذاته إدانةٌ مباشرة له، ودليلٌ صريح على نيّة مجرمي الحرب الإسرائيليين في إخفاء الحقيقة.

غير أنّنا ينبغي أن نتحلّى بالحذر إزاء مصطلح «الصحفيين الدوليين»، حتى لا يوحي بأنّ من يعملون داخل قطاع غزة أقلّ كفاءةً.

لا عرقٌ ولا ثقافةٌ تمنح صحفياً لقب «الدولي» دون سواه. الصحفيون الدوليون ينتمون إلى دولٍ شتّى، والصحفيون الفلسطينيون صحفيون دوليون هم أيضاً.

إنّهم موجودون أصلاً في غزة، شهودٌ مباشرون على جرائم إسرائيل، ووثّقوا تلك الجرائم في مئات الآلاف من مقاطع الفيديو والصور والتقارير. يعملون مع كبرى المؤسسات الإعلامية الدولية والمنظمات الدولية، وتعتمد الأمم المتحدة على عملهم.

فإن كانت إسرائيل ستتّهم صحفيي غزة بانعدام المصداقية، فلماذا لا تفتح الأبواب للصحفيين القادمين من الخارج ليوثّقوا الواقع بأنفسهم؟

وهم الحياد

أيّ محاولةٍ لتبرير استهداف أكثر من 200 صحفيٍّ هي محاولةٌ واهية. لا حجّة مقنعة لدى إسرائيل في مواجهة غالبيتهم، ولا انتماءٌ لأيّ فصيلٍ يمكن أن يبرّر .

حتى لو ثبت أنّ بعض الصحفيين الفلسطينيين كانوا منتمين إلى تيّاراتٍ سياسية فلسطينية، فلماذا يُفترض من حيث المبدأ أن يُبرّر ذلك قتلهم؟

أيّ صحفيٍّ في أيّ مكانٍ من العالم ينشأ في سياقٍ وطني وثقافي يُشكّل هويّته واتجاهه في الحياة، ومن العبث افتراض إمكانية فصل الصحفي عن السياق الذي نشأ فيه.

ناضل الشعب الفلسطيني ضدّ الاستعمار طوال قرنٍ من الزمن، وشكّل المطالبة بالحقوق الوطنية وعي أجيالٍ متعاقبة.

إنّ تجريد الصحفيين الفلسطينيين من انتمائهم الوطني الطبيعي لا يقلّ استحالةً عن إدانة صحفيٍّ هولندي لتأييده المقاومة الوطنية ضدّ الاحتلال النازي في أربعينيات القرن الماضي.

خلال مقابلاتٍ إعلامية وكلماتٍ ألقيتها في هولندا، سُئلت عن الحياد في العمل الصحفي. وأبدى أحد الصحفيين دهشته من جمعي بين دور الصحفي والناشط، متساءلاً هل يمكن أن يتعايش الدوران.

جوابي أنّ الحياد وهمٌ. حين يشهد صحفيٌّ جندياً يقتل طفلاً، كيف يكون محايداً؟

لا وجود للحياد، ثمّة فقط التوثيق الموضوعي للوقائع. جرائم إسرائيل الفظيعة في غزة لا تحتاج إلى أكثر من توثيقها.

حين يموت الناس جوعاً في غزة، يستحيل تجنّب الإشارة إلى أنّ إسرائيل تمنع شاحنات الغذاء من الوصول إلى المدنيين. وحين ينزح مئات الآلاف من المدنيين من بيوتهم، يستحيل تجنّب الإشارة إلى أوامر التهجير القسري الصادرة عن الجيش الإسرائيلي.

لا يمكن تمييع هذه الحقائق تحت ذريعة الحياد. الحياد في هذا السياق هو انحيازٌ للمعتدي ومشاركةٌ في الجريمة.

سؤالٌ آخر طُرح عليّ: هل الصحفي القريب من الأحداث أكثر عرضةً للانجراف العاطفي، فيما يكون الصحفي البعيد أكثر موضوعية؟

أردّ بسؤالٍ مضادّ: هل الانخراط العاطفي مع الحدث مصدر قوّةٍ أم ضعفٍ للصحفي؟ وهل الانفصال العاطفي شرطٌ حقيقيٌّ للصحافة الجيّدة؟

الانخراط العاطفي يبثّ الحياة في الصحافة، في حين تُقدّم التغطية من بُعدٍ في الغالب إحصاءاتٍ وأرقاماً بلا روحٍ إنسانية. الجمهور لا يتابع الأخبار ليستوعب أرقاماً فحسب؛ بل يبحث عن قصّةٍ حيّة تخاطبه على المستوى الإنساني.

تأمّل الفارق بين صحفيٍّ يعمل من مكتبٍ خارج غزة يكتب تقريراً مدعوماً بالإحصاءات عن معاناة الناس في الخيام تحت وطأة الحرّ القاسي، وصحفيٍّ يعيش في خيمةٍ ويكتب قصّةً نابعةً من تجربته الشخصية.

أيّ القصّتين أقرب إلى الحياة؟

وقارن أيضاً بين صحفيٍّ بعيدٍ يُعدّ تقريراً عن أعداد الضحايا، وصحفيٍّ فقد أخاه أو أمّه ويكتب عن تلك الخسارة مع التزامه بالمعايير المهنية للحرفة.

لا تشترط الصحافة على الصحفيين الانفصال العاطفي. تشترط الدقّة والموضوعية، وهما ما أثبت صحفيو غزة امتلاكهم إيّاه بمهنيّةٍ واقتدار.

في نهاية المطاف، أفضل من يروي قصّةً هم في الغالب أولئك الذين عاشوها.

أخبار ذات صلة

Loading...
امرأة فلسطينية ترتدي عباءة تقف على شرفة منزل محاصر في قصرة مع طفلين، تعكس معاناة الحصار ونقص الغذاء في الضفة الغربية.

الفلسطينيون المحاصرون بالمستوطنين: «نحن نموت جوعاً»

في ظل حصار خانق على منازل فلسطينية في قصرة، يعاني السكان نقصاً حاداً في الغذاء وسط تضييقات الجيش والمستوطنين. اكتشف تفاصيل الحصار وتأثيره على العائلات الفلسطينية واستمر في القراءة لمعرفة المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
وزير الخارجية البريطاني يتحدث في اجتماع رسمي وسط حضور نسائي، في سياق إدانة تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي عن العنف في غزة.

الحكومة البريطانية تدين تصريحات بن غفير "المشينة" حول قتل الفلسطينيين

تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي Itamar Ben Gvir التي تدعو إلى قتل فلسطينيين في غزة أثارت ردود فعل غاضبة من الحكومة البريطانية التي وصفتها بالبشعة والمُهينة للإنسانية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على السلام في المنطقة.
الشرق الأوسط
Loading...
علم تركيا وعلم إسرائيل يرفرفان فوق دبابة في سياق التوترات العسكرية بين البلدين حول قاعدة أبو الظهور في سوريا.

إسرائيل توجّه تحذيراً مبطّناً لتركيا عقب غارات على قواعد عسكرية بسوريا

تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا بعد الغارات على قاعدة أبو الظهور في سوريا، وسط اتهامات متبادلة وتصريحات حادة. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره الإقليمي الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
امرأة فلسطينية تبكي وهي تحيط بجثمان ملفوف، تعبير عن الألم والخسائر في غزة وسط استمرار الإبادة الجماعية والهجمات الإسرائيلية.

مجموعات فلسطينية تدعو لمسيرة لندن ضد "تواطؤ" بريطانيا في الإبادة بغزة

تتصاعد الدعوات في بريطانيا لمسيرة وطنية في لندن لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية في غزة ومطالبة الحكومة بوقف الدعم العسكري لإسرائيل وضمان وصول المساعدات الإنسانية. انضم للحركة وكن صوت العدالة!
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية