كندا تواجه أمريكا في معركة الرسوم الجمركية الحاسمة
كندا تواجه ضغوطاً اقتصادية أمريكية غير مسبوقة وتختار المواجهة رغم التكلفة العالية على اقتصادها ومواطنيها في اختبار حقيقي للسيادة والاستقلال وسط تصاعد النزاعات التجارية العالمية وورلد برس عربي يكشف التفاصيل.





ما كان تحذيراً فكرياً أطلقه Mark Carney أمام منتدى دافوس الاقتصادي في يناير الماضي، بات اليوم امتحاناً ميدانياً بامتياز: هل تستطيع القوى المتوسّطة أن تصمد في وجه الضغط الاقتصادي الأمريكي؟ وهل يكفي الاستقلال السياسي حين تكون ثلاثة أرباع صادراتك مرتبطةً بسوق واحدة؟
الرسوم الجمركية تشتعل وكندا تختار المواجهة
تصاعدت حدّة التوتّرات في نهاية الأسبوع الماضي حين انسحبت كندا من مفاوضات التجارة مع واشنطن، بعد أن خلص Carney إلى أنّ المطالب الأمريكية تجاوزت الحدّ المقبول. وفي اليوم التالي، فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 50% على ما يقارب 20 مليار دولار من البضائع الكندية، فردّ Carney بإعلان تدابير انتقامية بالمثل تبدأ في 8 سبتمبر.
«سنردّ بالمثل»، قال Carney بلا مراوغة.
ما يفعله رئيس الوزراء الكندي يختلف عمّا آثره معظم حلفاء واشنطن حتى الآن؛ إذ يختار تحمّل الكلفة الاقتصادية بدلاً من الرضوخ لضغط الرسوم الجمركية. وهذا الموقف ليس مجرّد ردّ فعل آني، بل هو ترجمةٌ عملية لرؤية أعلنها Carney صراحةً: على القوى المتوسّطة أن تقف في وجه الضغط الاقتصادي الذي تمارسه القوى الكبرى كالولايات المتحدة والصين، حتى حين يكون لذلك ثمنٌ باهظ.
والنزاع التجاري هذا تحوّل كذلك إلى اختبار للسيادة الوطنية. فقد كشف Carney أنّ واشنطن أدخلت في الساعات الأخيرة من التفاوض شروطاً كانت ستُقيّد قدرة كندا على إبرام اتفاقيات تجارية مع دول أخرى، واصفاً تلك الشروط بأنّها «غير مقبولة» وأنّها «مسألة سيادة». وذهب رئيس وزراء مقاطعة British Columbia David Eby إلى أنّ القبول بمثل هذا الشرط كان سيُحوّل كندا إلى ما يعادل اقتصادياً «الولاية الحادية والخمسين» وهو تعبيرٌ يردّده Trump كثيراً.
دافوس إلى الواقع: كندا تُجسّد التحذير
حين وقف Carney في يناير الماضي أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، كانت أوروبا تترقّب تهديدات Trump بشأن غرينلاند وموجة رسوم جمركية جديدة. قال Carney آنذاك إنّ النظام الدولي يمرّ بـ«انكسار، لا انتقال»، وأنّ السيادة باتت مرهونةً بقدرة الدولة على «تحمّل الضغط»، محذّراً من أنّ القوى المتوسّطة حين تتفاوض منفردةً مع القوى الكبرى، إنّما تفعل ذلك من موقع ضعف.
ردّ Trump في اليوم التالي بتذكير Carney بحجم اعتماد كندا على الولايات المتحدة: «كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة. تذكّر ذلك يا Mark في المرّة القادمة».
وبعد سبعة أشهر من دافوس، تحوّلت كندا إلى نموذج حيّ للعالم الذي حذّر منه Carney. وقال رئيس الوزراء السبت: «حكومتنا أدركت، قبل كثيرين، أنّ أمريكا ستُعيد تشكيل كلّ علاقاتها التجارية». واتّهم واشنطن باستخدام «التكامل الاقتصادي سلاحاً»، مشيراً إلى أنّ توقيعها «كان بالقلم الرصاص».
وعاد Trump الأحد إلى موضوعه المفضّل، كاتباً على Truth Social: «كندا تريد مزايا الولاية دون أن تكون ولاية!!!»، متّهماً كندا بفرض رسوم جمركية باهظة على المزارعين الأمريكيين لسنوات.
ثمن المقاومة: من يدفع الفاتورة؟
المؤرّخ Robert Bothwell يضع الأمور في سياقها بصراحة: «لا توجد دولة أكثر انكشافاً من كندا» أمام الضغط الأمريكي. ويُضيف أنّ الدول الأخرى تخشى «سوء تصرّف أمريكا»، لكنّ لا أحد يخشاه بالقدر الذي تخشاه كندا.
والأرقام تؤكّد ذلك: ما يقارب ثلاثة أرباع الصادرات الكندية تتّجه نحو الولايات المتحدة، التي يفوق حجم اقتصادها الاقتصاد الكندي بنحو عشر مرّات. وبإمكان كندا توقيع اتفاقيات تجارية جديدة، لكنّ إيجاد بدائل لعملاء وسلاسل إمداد بُنيت على مدى عقود حول السوق الأمريكية الضخمة أمرٌ بالغ الصعوبة.
وهنا يكمن جوهر السؤال الذي يشغلني كمتابع لأسواق العمل: من يتحمّل فاتورة هذه المواجهة؟ Carney نفسه أقرّ بأنّ الإجراءات الانتقامية ستُرفع الأسعار وتُقلّص خيارات المستهلكين الكنديين. وهذا يعني عملياً ضغطاً إضافياً على القوة الشرائية للعمّال والأسر ذات الدخل المحدود قبل غيرها.
في المقابل، رفض ممثّل التجارة الأمريكية Jamieson Greer رواية كندا للانهيار التفاوضي، مؤكّداً أنّ أوتاوا هي من أدخلت مطالب جديدة وتراجعت عن التزاماتها، حتى بعد أن عرضت واشنطن تخفيض الرسوم على الصلب والسيارات والأخشاب وسواها. وأشار إلى أنّ الولايات المتحدة ستتّخذ تدابير إضافية رداً على الإجراءات الكندية، ممّا يُلوّح بمزيد من التصعيد.
Nelson Wiseman، أستاذ العلوم السياسية الفخري في جامعة Toronto، يرى أنّ كندا تُجري الآن أكبر اختبار حقيقي لاستراتيجية Carney: هل يمكن لمقاومة قوّة متوسّطة واحدة أن تُغيّر حسابات الآخرين؟ «هل ستكون هناك تداعيات متسلسلة؟ سنرى»، يقول Wiseman.
الغضب الكندي يتصاعد والمواجهة قد تطول
Ian Bremmer، رئيس مجموعة Eurasia Group، يلفت إلى ما يبدو أنّ واشنطن تُقلّل من شأنه: حجم الغضب الكندي من إدارة Trump. ويقول في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «اتّخاذ موقف متشدّد رداً على سياسة أمريكية يُنظر إليها باعتبارها افتراساً حتى مع الكلفة الاقتصادية الكبيرة على كندا يحظى بتأييد معظم الكنديين».
رئيس وزراء مقاطعة Manitoba Wab Kinew يدعو الكنديين إلى الاستعداد لمواجهة مطوّلة، مراهناً على أن يخرج Trump أضعف بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. «لديه عامان آخران في السلطة. يجب أن نكون مستعدّين لخوض المعركة سنتَين، ثم نأمل أن يعود الصواب»، يقول Kinew.
أمّا Carney فيُؤطّر المواجهة بوضوح: «في الربيع الماضي، حذّرت من أنّ أمريكا تحاول كسرنا كي تمتلكنا. ووعدت: لن يحدث ذلك أبداً. ونحن نفي بهذا الوعد».
ما يجري بين كندا والولايات المتحدة ليس مجرّد نزاع تجاري بين جارَين؛ إنّه امتحانٌ لمعادلة جديدة في النظام الدولي: هل يكفي الإرادة السياسية حين تكون الروابط الاقتصادية بهذا العمق والتشابك؟ الإجابة ستحدّد ليس فقط مستقبل العلاقة الكندية الأمريكية، بل ربّما نهج دولٍ أخرى كثيرة تراقب هذا الملفّ بعينٍ حذرة.
أخبار ذات صلة

البرازيل تصبح ملاذ الدول الغربية للمعادن النادرة

الدين الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار

ميناء بنما: تكتّل هونغ كونغي يطالب بـ 1.5 مليار دولار تعويضات
