اندماج باراماونت ووارنر يغير قواعد صناعة الترفيه
اندماج Paramount Skydance مع Warner Bros يثير قلق الولايات الأمريكية من تقليل المنافسة ورفع الأسعار وسط ديون ضخمة وتمويل خليجي وتسوية قضائية مثيرة للجدل تهدد مستقبل صناعة الترفيه والمحتوى في السوق الأمريكي وورلد برس عربي

تُختصر حكاية اندماج Paramount Skydance مع Warner Bros. Discovery بصفقةٍ تُقدَّر بـ111 مليار دولار، لكنّ الرقم الكبير يُخفي سؤالاً أدقّ يهمّ كلّ من يعمل في صناعة المحتوى والصحافة الأمريكيّتَين: من سيبقى في السوق ليتفاوض مع الكتّاب والممثّلين والصحافيّين إذا اندمج اثنان من أكبر استوديوهات هوليوود تحت سقفٍ واحد؟ هذا السؤال، لا الأرقام وحدها، هو ما دفع اثنتَي عشرة ولايةً أمريكية بقيادة كاليفورنيا إلى رفع دعوى قضائية في يوليو الماضي لوقف الصفقة، وهو ما يُبقيه اليوم مفتوحاً رغم التسوية التي يُتوقّع الإعلان عنها لاحقاً اليوم.
كيف انهارت جبهة الولايات المعارِضة؟
نقلت وكالة Bloomberg أنّ محادثات التسوية بين Paramount وكاليفورنيا وولاياتٍ أخرى تسارعت خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعدما تراجعت أربع ولايات ماساتشوستس ونيويورك وكونيتيكت ومينيسوتا كانت قد اعترضت في البداية على شروط الاتّفاق الذي حدّدته كاليفورنيا. وبحسب الوكالة، "توصّلت محادثات التسوية إلى نتيجةٍ خلال عطلة نهاية الأسبوع بعد أن تراجعت أربع ولايات كانت قد عارضت شروط الاتّفاق الذي حدّدته كاليفورنيا". السبب الذي ساقته هذه الولايات، بحسب المصادر، هو أنّ الاستمرار في المعركة القضائية من دون أن تقودها كاليفورنيا كان سيكون مكلفاً أكثر ممّا تحتمل موازناتها القانونية.
أكّدت صحيفتا The New York Times وThe Wall Street Journal التوصّل إلى تسوية، استناداً إلى ما ذكرته النيويورك تايمز عن "أربعة أشخاص مطّلعين على المفاوضات". وتفيد التفاصيل بأنّ التسوية تتضمّن مجلسَين تحريريَّين مستقلَّين لكلٍّ من CBS وCNN، إضافةً إلى غرامةٍ ماليةٍ تُفرض على Paramount إذا أخفقت في توزيع 30 فيلماً سينمائياً سنوياً في دور العرض وهو بندٌ يبدو أنّه استجابة مباشرة لمخاوف أُثيرت خلال الدعوى بشأن مستقبل صالات السينما.
من يتحمّل فاتورة الدَّين؟
الاندماج، إذا اكتمل، سيجمع خدمتَي البث Paramount+ وHBO Max تحت مظلّةٍ واحدة، ويمنح Paramount ملكية CNN وقنواتٍ تلفزيونية أخرى، فضلاً عن توحيد اثنين من أكبر استوديوهات الأفلام في العالم. لكنّ الكيان الناتج لن يخرج من هذه الصفقة خفيف الحمل: بحسب صحيفة The Wall Street Journal، "من المتوقّع أن تخرج الشركة المندمجة بديونٍ تقارب 80 مليار دولار وهو عبءٌ كبير يُتوقّع أصلاً أن يُثقل استثماراتها في العمل". هذا الرقم وحده يستحقّ وقفة: شركةٌ إعلامية بهذا الحجم من الدَّين ستكون مضطرّة، عاجلاً أو آجلاً، إلى ضغط التكاليف وغالباً ما يبدأ ضغط التكاليف في هذه الصناعة بتقليص عدد العاملين المستقلّين وموظّفي الإنتاج قبل أن يصل إلى القمّة.
جزءٌ من تمويل الصفقة يأتي من خارج الحدود الأمريكية: الأسبوع الماضي، أجازت لجنة الاتصالات الفدرالية (FCC) هيكل التمويل، الذي يشمل بيع حصص أسهم كبيرة لصناديق سيادية في السعودية والإمارات وقطر. بهذا المعنى، لا تقتصر تبعات الصفقة على سوق العمل الأمريكي فحسب، بل تُدخل رأس مال خليجي في قلب واحدة من أكبر شبكات الأخبار في العالم.
مسارٌ سياسي موازٍ للمسار القضائي
لم تكن العدالة وحدها من مهّد الطريق أمام هذا الاندماج. وزارة العدل في إدارة ترامب وافقت على الصفقة في يونيو، بعدما كانت Netflix قد وافقت في وقتٍ سابق على شراء Warner Bros. ثمّ انسحبت من الصفقة بعدما اتّضح ميل إدارة ترامب إلى تفضيل Paramount. وفي هذا السياق، تكرّرت تقارير عن أنّ الرئيس التنفيذي لـParamount، David Ellison، سعى إلى استمالة مسؤولين في إدارة ترامب، ووعد بإجراء تغييرات كبرى في CNN المملوكة لـ Warner.
لكن الدعوى القضائية التي رفعتها الولايات الاثنتا عشرة في يوليو لم تكن شكليّة: أصدر قاضٍ فدرالي حكماً رأى فيه أنّ الاندماج "من المرجّح أن يقلّص المنافسة بشكلٍ جوهري" وينتهك قوانين مكافحة الاحتكار، ما أخّر إتمام الصفقة أشهراً. المدّعي العام لكاليفورنيا، Rob Bonta، الذي رفع الدعوى، وصف الصفقة بعبارةٍ لافتة: "الاندماج غير القانوني بين هذَين العملاقَين في صناعة الترفيه سيؤدّي إلى أسعارٍ أعلى وجودة أدنى ومحتوى أقلّ للأفلام والتلفزيون، ما يضرّ بصالات السينما وموزّعي الكابل الأساسي، وفي النهاية، بالجمهور على كلّ أريكةٍ وكلّ مقعدٍ سينمائي في الولايات المتحدة". دعوى Bonta شملت أيضاً اتّهاماً بأنّ الصفقة سترفع الأسعار وتُضعف الجودة والمحتوى المعروض على الجمهور الأمريكي عموماً.
لماذا يرى منتقدون أنّ "الضمانات" غير كافية؟
بمجرّد تسريب أنباء التسوية، بدأت الانتقادات تنهال من جهاتٍ متعدّدة. لينا خان (Lina Khan)، التي ترأّست لجنة التجارة الفدرالية في عهد إدارة بايدن، كتبت أنّ "اندماج Paramount وWarner Brothers يبدو غير قانوني ظاهرياً، ودعوى المدّعين العامّين للولايات التي تتحدّاه قوية جداً". وأضافت محذّرةً من مسار التسوية: "من المقلق سماع أنّ الولايات قد تكتفي الآن بحلولٍ سلوكية، بما يسمح للصفقة بالمرور مقابل وعودٍ متنوّعة من الشركات. الحلول السلوكية تفشل عادةً، والمخاطر هنا مرتفعة بشكلٍ خاص، لأنّ الديمقراطية القويّة تتطلّب أسواقاً مفتوحة للصحافة السليمة والتعبير الإبداعي".
من جهتها، اتّهمت Jessica J. González، الرئيسة التنفيذية المشاركة لمنظّمة Free Press، المدّعي العام Bonta بالتراجع عن التزاماته: "نشعر بخيبة أمل لأنّ المدّعي العام Bonta تراجع عن وعده بإنفاذ القانون وحماية المستهلكين والعمّال". وأضافت أنّ "مئات آلاف الأشخاص طالبوا مدّعينا العامّين في الولايات بالوقوف في وجه عائلة Ellison، التي انخرطت في حملةٍ من الفساد والابتزاز لتمهيد الطريق أمام هذا الاندماج غير القانوني". كما شكّكت González في جدوى لجنة الرقابة المزمعة على CNN، قائلة إنّ "لجنة رقابة ثنائية الحزبية مزيّفة لن تُنقذ CNN. لدينا كلّ الأدلّة التي نحتاجها من تدمير عائلة Ellison لـCBS بشأن ما يفعلونه لتشويه الصحافة بطلبٍ من دونالد ترامب. وهذا الاستسلام الأخير يأتي فيما منعت إدارة ترامب مراسلي CNN وغيرهم ممّن يجرؤون على طرح أسئلةٍ صعبة من حضور المجموعة الصحافية في البيت الأبيض".
أمّا John Bergmayer، المدير القانوني في منظّمة Public Knowledge، فركّز على البُعد الأكثر التصاقاً بسوق العمل: "لا تُعالج هذه التسوية المشكلة المركزية في هذا الاندماج: فقدان المنافسة. هذا الاندماج يُبقي عدداً أقلّ من الاستوديوهات المتنافسة على السيناريوهات والمواهب، ويمنح شركةً واحدة قدرةً أكبر على فرض الشروط على الموزّعين، ويقلّص خيارات البث. سيواجه المستهلكون أسعاراً أعلى، بينما سيجد الكتّاب وغيرهم من العاملين في الإبداع عدداً أقلّ من أصحاب العمل المتنافسين على أعمالهم". هذه العبارة الأخيرة تلخّص بدقّة ما يُقلق النقابات الإبداعية في هوليوود: اندماجٌ بهذا الحجم لا يعني فقط شركةً أكبر، بل يعني كاتب سيناريو أو مصمّم إنتاجٍ يجد نفسه أمام جهةٍ واحدة تُحدّد له سقف الأجر بدل جهتَين أو ثلاث. وبشأن المجالس التحريرية التي حصلت عليها الولايات، اعتبر Bergmayer أنّها "قد تكون أفضل من لا شيء"، لكنّه استدرك بأنّها "أقلّ بكثير من الاستقلالية الفعلية"، مضيفاً أنّ "الولايات كانت محقّة في تحدّي هذا الاندماج بعد أن أخفق المنظّمون الفدراليّون في التحرّك. عليها أن تصرّ على تسويةٍ تحافظ على المنافسة أو أن تنتظر يومها في المحكمة".
اعتراضاتٌ من الكونغرس لم تُغيّر المسار
على الجانب السياسي، سعى نوّابٌ ديمقراطيّون إلى إبقاء الضغط على كاليفورنيا حتى اللحظات الأخيرة. النائب Ro Khanna (ديمقراطي عن كاليفورنيا) كتب يوم السبت مطالباً الولاية بعدم التراجع: "لا ينبغي لشركة Paramount التي تديرها عائلة Ellison أن تملك كلّاً من CBS وCNN معاً. على كاليفورنيا ألّا تنهار وتقبل صفقةً تُبقي الشبكتَين تحت مالكٍ واحد". أمّا النائب Jamie Raskin (ديمقراطي عن ماريلاند)، فدعا الولايات إلى "الصمود"، وحذّر من أنّه "في زمنٍ يشهد تركّزاً اقتصادياً هائلاً، وتسارعاً في نموّ الاحتكار، وسيطرةً سياسية متنامية لتيار MAGA على مؤسّسات الإعلام الأمريكية، نحتاج إلى أن يدافع المدّعون العامّون للولايات بقوّة عن مبادئ مكافحة الاحتكار وحرّية التعبير".
رغم كلّ هذه الأصوات، يبدو أنّ التسوية ستُعلَن لاحقاً اليوم، لتضع حدّاً لمعركةٍ قضائية بدأت في يوليو بدعوى قادتها كاليفورنيا ضدّ ما وصفه Bonta بأنّه صفقة "غير قانونية" بين "عملاقَين". السؤال الذي سيبقى مفتوحاً بعد التوقيع ليس ما إذا كان الاندماج سيمرّ، بل ما إذا كانت المجالس التحريرية "المستقلّة" ستصمد فعلاً أمام ضغوط شركةٍ مثقلة بديونٍ تقارب 80 مليار دولار، وأمام كاتب سيناريو أو صحافي سيجد نفسه، غداً، أمام سوق عملٍ أضيق ممّا كانت عليه قبل هذه الصفقة بمئة وأحد عشر مليار دولار.
أخبار ذات صلة

غاري فاينرتشوك يراهن على "VeeFriends": "قد تكون أكبر إمبراطورية أبنيها"

صناع المحتوى في Mipcom يواجهون تحوّلاً هيكلياً: «الصناعة تتحرّك تحتنا»

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية
