الطاقة الجوفية المعززة مستقبل مراكز البيانات النظيفة
شركة Fervo Energy تطلق محطة طاقة حرارية جوفية معززة في يوتا لتغذية مراكز بيانات ضخمة بتقنية مبتكرة تقلل التكاليف وتنافس الغاز الطبيعي. تعاون مع Google يدعم توسع الطاقة النظيفة ومستقبل مستدام للطاقة وورلد برس عربي

-في أواخر سبتمبر، بدأت المرحلة الأولى من محطة Cape Station في جنوب غرب يوتا ببيع الكهرباء فعلياً. الرقم بحدّ ذاته متواضع، لكنّ ما خلفه أكبر بكثير: شركة Fervo Energy تراهن على أنّ هذه المحطة ستكون النموذج الذي يثبت أنّ الطاقة الحرارية الجوفية المعزَّزة (Enhanced Geothermal) يمكن أن تتحوّل من تجربةٍ محدودة النطاق إلى مصدرٍ قادرٍ على منافسة الغاز الطبيعي في تغذية مراكز البيانات المتعطّشة للطاقة.
كيف تعمل التقنية، ولماذا تهمّ الآن؟
الطاقة الحرارية الجوفية التقليدية تحتاج شرطاً جيولوجياً محدّداً: مياهاً ساخنة قادرة على التحرّك عبر صخورٍ جوفية مسامية لنقل الحرارة إلى السطح. هذا الشرط يحصر الموارد في مواقع قليلة حول العالم. ما تحاول Fervo، الشركة التي تأسّست عام 2017 ومقرّها هيوستن بولاية تكساس، فعله هو كسر هذا القيد الجغرافي عبر دمج تقنيتين مستعارتين من صناعة النفط والغاز: الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، لخلق مسارات جوفية اصطناعية تحمل الحرارة حيث لا توجد طبيعياً. أثبتت الشركة هذا المبدأ في مشروع Project Red بولاية نيفادا عام 2023، قبل أن تنتقل إلى اختبارٍ أكبر حجماً في يوتا.
هذا التوقيت ليس عشوائياً. الطلب المتصاعد على الكهرباء من مراكز البيانات المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي خلق فجوةً حقيقية في العرض، وشركات التكنولوجيا تبحث عن مصادر طاقة مستقرة وخالية من الانبعاثات لا تعتمد على تقلّبات الشبكة أو أسعار الغاز. وهنا بالتحديد يدخل Google على الخط.
اتفاقٌ بسقف 3 غيغاواط... من يقرّر؟
وسّعت Fervo علاقتها الممتدة منذ سنوات مع Google خلال هذا العام. بموجب اتفاقٍ وُقِّع في مارس، يمكن للطرفين السعي لتطوير ما يصل إلى 3 غيغاواط من مشاريع الطاقة الحرارية الجوفية المعزَّزة حتى عام 2033 وهو رقمٌ يعادل تقريباً ثلاثة أرباع إجمالي القدرة التشغيلية الحالية لقطاع الطاقة الحرارية الجوفية في الولايات المتحدة بأكملها. بنود الاتفاق تحدّد آلية عمل واضحة: تلتزم Fervo باقتراح مشاريع بقدرة لا تقلّ عن 1 غيغاواط خلال عامين، فيما يحتفظ Google بحقّ الاختيار النهائي بشأن أيّ من هذه المشاريع سيشتري الكهرباء منها.
وفي سبتمبر، تُرجم هذا الإطار إلى صفقةٍ ملموسة: وافق Google على شراء ما لا يقلّ عن 396 ميغاواط من محطة Cape Station، لتغذية مركز بياناتٍ محتمل في يوتا، وفق اتفاق الشراء الموقّع بين الشركتين. هذه الصفقة ليست مجرّد عقد كهرباء عادي؛ إنها اختبار ميداني لقدرة النموذج على التوسّع من مشروعٍ تجريبي إلى محفظة مشاريع بمليارات الدولارات.
معادلة التكلفة: من 7000 دولار إلى 3000 دولار للكيلوواط
الإشارة الأضعف في هذه القصة، والتي قد لا تظهر بوضوح في العناوين، هي استراتيجية خفض التكلفة التي تتبنّاها Fervo عبر تصميمٍ موحّد يُعاد تكراره وتحسينه من مشروعٍ لآخر. تسمّي الشركة هذا التصميم «GeoBlock»، وهو وحدة توليد بقدرة نحو 50 ميغاواط يمكن دمج عدّة وحداتٍ منها لإنتاج مشاريع بحجم مئات الميغاواطات.
الأرقام هنا دالّة: تستهدف Fervo تكلفة تركيب تبلغ نحو 7000 دولار لكلّ كيلوواط بالنسبة إلى أوّل 100 ميغاواط من Cape Station، تنخفض إلى 5500 دولار للكيلوواط في المرحلة التالية البالغة 400 ميغاواط، والتي يجري بناؤها حالياً إلى جانب المرحلة الأولى في يوتا. الهدف طويل المدى هو الوصول إلى 3000 دولار للكيلوواط وهو المستوى الذي تقول الشركة إنه سيضاهي، ثم يتفوّق على تكلفة محطة غازٍ طبيعي جديدة، لكن دون الحاجة إلى مشتريات غازٍ مستمرّة طوال عمر المحطة. هذا الفارق البنيوي هو ما يحوّل التكنولوجيا من حلٍّ مدعوم بيئياً إلى منافسٍ اقتصادي مباشر.
تمويل هذا التوسّع جاء جزئياً من طرح Fervo العام في مايو، الذي جمعت خلاله الشركة نحو 2.2 مليار دولار، في ما يُوصف بأنه أحد أكبر الطروحات العامة الأولية في قطاع الطاقة النظيفة على الإطلاق. الشركة تخطّط لضخّ هذه الموارد في تسريع خطّ أنابيب مشاريعها الجيوحرارية الأكبر حجماً.
النجاح في يوتا لا يعني النجاح في كلّ مكان
هنا يكمن التحذير الأهمّ في هذه القصة، وهو ما يضع سقفاً واقعياً على الحماس المحيط بالنموذج. يشير شوفاجيت بهاتاشاريا، الباحث المشارك في جامعة تكساس في أوستن، إلى أنّ النجاح في توسيع نطاق التشغيل عند Cape Station لا يُثبت أنّ التكنولوجيا قابلة للنقل بسهولة إلى مواقع أخرى. الظروف الجيولوجية تحت السطح تختلف من منطقةٍ لأخرى، وهذا الاختلاف يؤثّر مباشرةً على اقتصاديات الحفر والعمق المطلوب للآبار وهما متغيّران يحدّدان التكلفة الفعلية أكثر من أيّ تصميمٍ موحّد على الورق.
بمعنى آخر: ما أثبتته Fervo حتى الآن هو أنّ التقنية تعمل في يوتا ونيفادا، وهما بيئتان جيولوجيتان مُختبَرتان جيداً. التحدّي الحقيقي الذي يحدّد ما إذا كانت الطاقة الحرارية الجوفية المعزَّزة ستصبح ركيزةً وطنية أم تبقى حلّاً إقليمياً محدوداً هو إثبات الجدوى الاقتصادية في تكويناتٍ جيولوجية مختلفة تماماً عبر الولايات المتحدة.
الأهداف الرقمية، ومعيار الحكم عليها
تضع Fervo لنفسها سقفاً زمنياً واضحاً: الوصول إلى غيغاواط واحد من القدرة التشغيلية بحلول نهاية 2030، ثم مضاعفة هذا الرقم خمس مرّات ليصل إلى 5 غيغاواط خلال السنوات الخمس التالية. هذا الهدف الأخير يتجاوز وحده إجمالي العرض الحالي للطاقة الحرارية الجوفية في الولايات المتحدة بأكملها وهو مقياسٌ يوضح حجم الطموح مقارنةً بحجم الصناعة القائمة.
السنوات القليلة المقبلة ستكون الاختبار الفعلي لهذا المسار، عبر ثلاثة محاور متزامنة: خفض التكلفة الفعلي وليس المستهدف فقط، تنفيذ مشاريع مراكز البيانات المرتبطة باتفاق Google، والتوسّع خارج يوتا ونيفادا إلى تكويناتٍ جيولوجية لم تُختبر بعد.
ثلاثة سيناريوهات تستحقّ المتابعة خلال هذه المرحلة:
الأرجح أن تنجح Fervo في خفض التكلفة التدريجي ضمن مواقعها الحالية في يوتا، مع تقدّمٍ بطيء نحو هدف الغيغاواط الواحد بحلول 2030 دون بلوغه بالكامل في الموعد.
المحتمل أن تحقّق الشركة نجاحاً تجارياً واضحاً في يوتا ونيفادا، لكنّ التوسّع إلى مناطق جيولوجية جديدة يتأخّر بسبب اختلاف ظروف الحفر، ما يبقي الطاقة الحرارية الجوفية المعزَّزة حلّاً إقليمياً قوياً لا وطنياً شاملاً.
الأقلّ احتمالاً أن يثبت النموذج قابليته للتكرار بسرعة خارج الولايتين، بحيث يبلغ هدف 5 غيغاواط ضمن الجدول الزمني المعلن، وهو السيناريو الذي يتطلّب تطابقاً جيولوجياً وتمويلياً نادر الحدوث في آنٍ واحد. المتغيّر الحاسم الذي لم يُحسم بعد هو مدى استمرار شركات التكنولوجيا، وعلى رأسها Google، في ضخّ عقود شراءٍ طويلة الأجل تمنح Fervo اليقين المالي اللازم لتمويل هذا التوسّع قبل أن تثبت التكلفة انخفاضها فعلياً على الأرض.
أخبار ذات صلة

صناع المحتوى في Mipcom يواجهون تحوّلاً هيكلياً: «الصناعة تتحرّك تحتنا»

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية

الهند تختار الشراكات لتوسّع JioHotstar في الشرق الأوسط
