رحلة الإمارات إلى حزام الكويكبات واكتشاف أسراره
تستعد الإمارات لإطلاق مهمة فضائية فريدة نحو حزام الكويكبات لدراسة سبعة كويكبات والهبوط على 269 Justitia. رحلة استكشافية طويلة تحمل ذكاءً اصطناعياً وتفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد الفضائي والتقنية المتقدمة. وورلد برس عربي.

تواجه الإمارات في مارس 2028 نافذة إطلاق لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، ولا يُتوقع أن تتكرر فرصة مماثلة لها قبل 100 عام على الأقل. عليها أن تلتقط هذه النافذة لتنطلق مهمة الإمارات إلى حزام الكويكبات (Emirates Mission to the Asteroid Belt، واختصارها EMA)، وهي رحلة تمتد ثماني سنوات لدراسة سبعة كويكبات وتنتهي بمركبة هابطة تصل إلى الكويكب 269 Justitia في عام 2036. وهي ثاني مهمة بين كوكبية للدولة، بعد مسبار «Hope» المداري الذي يدرس المريخ منذ عام 2021.
وكشف فريق المهمة في 1 أكتوبر، خلال مؤتمر صحفي في أبوظبي، عن نموذج بنصف الحجم الحقيقي للمركبة الهابطة. وقال Faisal al-Bannai، الأمين العام لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتقدمة في أبوظبي: «إنها لحظة فخر لنا هنا في الإمارات».
كيف ستبلغ المركبة وجهتها؟
المركبة الهابطة مستقلة ذاتياً، وتُحمَل ملتصقةً بالمركبة الأم «MBR Explorer»، التي طوّرتها وكالة الإمارات للفضاء وسُمّيت تيمّناً بالشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي ورئيس وزراء الإمارات. أما المركبة الهابطة الجاهزة للطيران فمحفوظة حالياً في غرفة تفريغ هوائي في أبوظبي، وقال مسؤولون إن «Etihad Airways» ستنقلها إلى ولاية كولورادو. ومن اليابان سيكون الإطلاق المقرر في مارس 2028.
الطريق إلى الوجهة النهائية ليس خطاً مستقيماً. فبعد الإطلاق تستعين المركبة بمساعدتين جاذبيتين من الزهرة والأرض، قبل أن تمرّ مروراً سريعاً قرب أول ثلاثة كويكبات: 10253 Westerwald و 623 Chimaera و 13294 Rockox. وفي مرحلة لاحقة تأتي مساعدة جاذبية من المريخ، يعقبها المرور قرب ثلاثة أهداف أخرى: 88055 Ghaf و 23871 Ousha و 59980 Moza. وبذلك تجري المركبة ست عمليات مرور عالية السرعة قبل أن تبلغ 269 Justitia في موعد أقصاه 2036.
ويُتوقع أن تقطع «MBR Explorer» نحو 3 مليارات ميل (5 مليارات كيلومتر). وقالت Najwa Aaraj، الرئيسة التنفيذية لمعهد الابتكار التكنولوجي (TII)، إن هذه المسافة تعادل الدوران حول الأرض نحو 125,000 مرة.
لماذا الكويكب 269 Justitia؟
يبلغ عرض الكويكب نحو 30 ميلاً (50 كيلومتراً)، ويقع في قلب حزام الكويكبات بين المريخ والمشتري. ويُوصَف بلون قرمزي لافت، وهو لون يشبه الأجرام الجليدية في حزام كايبر، الواقع وراء نبتون، أكثر مما يشبه كويكبات الحزام الرئيسي المجاورة له.
ويفترض العلماء أنه تشكّل في أطراف المجموعة الشمسية الباردة، ثم هاجر نحو الداخل في مرحلة مبكرة من عمرها. وقال باحثو TII إنه قد يحتفظ بمعادن مرتبطة بالماء وبمركّبات عضوية. وإن صحّ ذلك، فدراسته قد تقدّم أدلة عن توزّع الماء والمواد العضوية أثناء تشكّل الكواكب.
وقال Elias Tsoutsanis، الباحث الأول في مركز الدفع والأبحاث الفضائية بالمعهد: «لا نعرف ما الذي سنجده، وهذا هو الاستكشاف». وأضاف: «نحن متحمسون حقاً».
هبوط أم اصطدام؟
عند الوصول، تدرس «MBR Explorer» الكويكب من المدار نحو سبعة أشهر. تبدأ المراقبة من ارتفاع 155 ميلاً (250 كيلومتراً)، ثم تخفض المركبة مدارها تدريجياً قبل إطلاق المركبة الهابطة. ويُتوقع أن يستغرق الهبوط من ساعتين إلى ثلاث ساعات، بحسب جاذبية الكويكب التي تظل مجهولة.
وصف معهد TII ختام المهمة بأنه هبوط على الكويكب، لكن تفاصيل الهندسة تشير إلى أن المركبة قد تصطدم بالسطح بدل أن تتباطأ كما في الهبوط التقليدي. فهي ستقترب بسرعة تتراوح بين 15 و 27 متراً في الثانية (34 إلى 60 ميلاً في الساعة). وتقول Mariam Alhammadi، الباحثة في TII التي تقود الدفع الكهربائي للمهمة: «لا نتوقع أن ينجو المسبار من الارتطام».
لكن المسبار مجهّز لهذه اللحظة. فيه كاميرتان، ونظام للتحكم في الوضعية يهدف إلى مقاومة الدوران بعد الانفصال. وصُمّمت بطاريته لتعمل من 20 إلى 50 دقيقة إن نجا من الارتطام. وقد يُحدث حفرة صغيرة تكشف مواد تحت السطح لا يمكن تصويرها من المدار. ويتوقع الفريق أن تكون الصور الأخيرة للمركبة الهابطة من أثمن ما تعيده المهمة.
وخلال الرحلة الطويلة تعمل المركبة الهابطة بلا أوامر من الأرض ولا من «MBR Explorer». وتحمل ذكاءً اصطناعياً يختار توقيت التقاط الصور ويرتّب البيانات بحسب أهميتها، وهي مبرمجة على التصوير طوال رحلة الثماني سنوات. وبحسب بيان TII سترسل إلى الأرض صوراً مختارة كل ستة أشهر تقريباً. وهذا الاستقلال يحمل عبئه، إذ تقول Najwa Aaraj: «في هذه السنوات الثماني لا أملك سلطة لاستدعائها، لذلك لا يمكن أن يحدث أي خطأ».
والنافذة الضيقة تضاعف الضغط. فقد قال Mohsen al-Awadhi، مدير المهمة في وكالة الإمارات للفضاء: «لا سمح الله أن نفوّت ذلك، عندها لن تكون لدينا مهمة أصلاً».
ما الذي تعنيه المهمة للاقتصاد الفضائي الإماراتي؟
تُقدَّم المهمة خطوةً نحو قدرة سيادية في الفضاء العميق، ونحو نمو الاقتصاد الفضائي المحلي. فوكالة الإمارات للفضاء تأسست في 2014، ثم انتقلت من إطلاق الأقمار الاصطناعية إلى مسبار مداري حول المريخ وإرسال رائدَي فضاء إلى محطة الفضاء الدولية. وتهدف الإمارات إلى أن تكون بين أكبر 10 اقتصادات فضائية في العالم بحلول 2031، وتُقدَّر قيمة قطاعها الفضائي بنحو 12 مليار دولار. وقد وردت هذه الطموحات في منشور على منصة «إكس».
اللافت أن مسبار EMA صُمّم وبُني في أقل من عامين بقليل، على يد فريق من نحو 50 مهندساً وعالماً محلياً. وكثير من أعضاء الفريق بدأوا فنيين مبتدئين في مهمة «Hope» إلى المريخ. وعبّر Mohsen al-Awadhi عن تعلّقه بهم قائلاً: «لا أريد أن أسميهم أبنائي، فهم كثيرون، لكن هذا مدى ارتباطي بهم».
وتحيط بالمشروع جوانب لا تزال غامضة. فقد رفض المسؤولون الإفصاح عن كلفة المهمة، أو عمّا إذا كانت ضمن الميزانية المرصودة. كما تقول المادة التي استندنا إليها إن الحرب الأمريكية الجارية في إيران استدعت هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة طالت أنحاء الإمارات. ونقلت «WIRED» في تقريرها عن المهمة أن الفريق واصل عمله فيما كانت الصواريخ تُعترض في الأجواء. وتتوافر تفاصيل إضافية في بيان معهد الابتكار التكنولوجي عن المهمة والمركبة الهابطة.
ويرى Faisal al-Bannai أن EMA صُمّمت لتكون واحدة من برامج مستقبلية كثيرة. ومن المتوقع أن تدعم التقنيات التي تطوّرها المهمة، بحلول موعد الاصطدام المقرر في 2036، الجيل القادم من المركبات الفضائية الإماراتية. وقال: «هذه هي الرحلة التي نخوضها اليوم».
وما بين الآن ومارس 2028، يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كانت المركبة ستصل إلى نافذة الإطلاق في موعدها، لأن إخفاقاً واحداً فيها قد يؤجل المهمة قرناً كاملاً.
أخبار ذات صلة

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

ألوان غريبة على القمر: تقرير NASA يكشف مشاهد غير متوقّعة من مهمة Artemis II

اصطدام نجمين ميتين: تفسير جديد لومضة أشعة سينية غريبة من مجرة بعيدة
