اكتشاف تأخر الإشارات الراديوية من ثقب أسود هائل
كشف علماء في وورلد برس عربي عن تأخّر 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاث راديوي من ثقب أسود هائل في مجرة NGC 1275 مما يساعد على فهم تأثير الثقوب السوداء في نمو المجرات وتكوّن النجوم عبر دراسة نفاثاتها الفريدة.

إذا صحّ ما توصّل إليه فلكيون، فقد تصل الإشارة الراديوية من نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة بعد نحو 300 يوم من الوميض السينيّ الذي يسبقها. هذا ما تشير إليه أدلة أولية، وصفها الباحثون أنفسهم بأنها «مبدئية»، في دراسة لثقب أسود يقع في قلب المجرة NGC 1275. قدّر الفريق كتلة هذا الثقب بين 100 مليون ومليار كتلة شمسية. وقد جمع بين بيانات مرصد Swift التابع لوكالة NASA للأشعة السينية وبين رصدات راديوية.
لماذا يصعب رصد قلب هذه المجرة؟
تُعدّ NGC 1275 ألمع مجرات عنقود برشاوس (Perseus Cluster)، وهو عنقود يضم آلاف المجرات. وبحسب ما ورد في التقرير الأصلي، تبعد المجرة نحو 225 سنة ضوئية. هذا الرقم يبدو صغيراً جداً قياساً بمجرة تنتمي إلى عنقود ضخم، لذا يُستحسن التحقق منه في الورقة المنشورة قبل تداوله.
في قلب المجرة ثقب أسود هائل الكتلة يلتهم الغاز المحيط به. تُسمّى المناطق التي تحتضن مثل هذه الثقوب النشطة «النوى المجرية النشطة» (AGN). هناك تسخّن جاذبية الثقب المادة المحيطة به فتتوهّج بشدة. ويُوجَّه جزء من المادة نحو قطبي الثقب فينطلق في نفّاثتين متقابلتين تبثّان عبر الطيف الكهرومغناطيسي، وخصوصاً بموجات الراديو. أما القرص الذي يحيط بالثقب ويغذّيه فيُسمّى قرص التراكم (Accretion Disk). ويُسمّى بحث العلاقة بين هذا القرص والنفاثات التي يطلقها «اقتران القرص بالنفاثات» (Disk-Jet Coupling). وفهم هذه العلاقة يساعد على معرفة كيف تؤثّر الثقوب السوداء في تكوّن النجوم ونموّ المجرات.
يصف الباحثون NGC 1275 بأنها مختبر مثالي لدراسة هذا الاقتران. لكن المجرة تقع في مركز عنقود ضخم، وهذا يعقّد الرصد. تقول سارة كيتشوم، قائدة الفريق في جامعة ميشيغان: «من الصعب نسبياً رؤية المنطقة الداخلية لهذه النواة النشطة، لأن NGC 1275 تقع في مركز عنقود برشاوس الضخم من المجرات، وهذا يضيف ضوءاً إضافياً إلى رصداتنا».
كيف عزل الفريق إشارة الثقب الأسود؟
مرصد Chandra مناسب لرصد الأشعة السينية، لكنه لا يراقب NGC 1275 بالوتيرة الكافية لتتبّع سلوكها على المدى الطويل. أما Swift، وهو مرصد «نيل غيريلز سويفت» الذي أُطلق عام 2004، فأقل قدرة من Chandra، لكنه جمع بيانات وفيرة عن المجرة منذ إطلاقه. اعتمد الفريق على هذا الأرشيف.
وتشرح كيتشوم: «طوّرنا نموذجاً أتاح لنا إزالة انبعاثات العنقود من بيانات Swift الأرشيفية، وبذلك تمكّنا من رؤية التغيّرات في تدفق الأشعة السينية الصادرة عن الغاز المتراكم على الثقب الأسود في NGC 1275، من عام 2007 إلى عام 2025».
ماذا حدث في فبراير 2023؟
أظهرت البيانات أن أقوى وميض سينيّ سُجّل من NGC 1275 وقع في فبراير 2023. استمر أقل من 60 يوماً، وتكوّن من دفعتين مدّة كل منهما 5 أيام. وخلاله تضاعف لمعان النواة المجرية النشطة في الأشعة السينية.
سأل الباحثون عن سبب الوميض، وكان أحد الاحتمالات «حدث التمزق المدّي» (TDE). يحدث ذلك حين يقترب نجم أكثر مما ينبغي من ثقب أسود هائل الكتلة فتمزّقه قوى المدّ. استبعد الفريق هذا التفسير. تقول كيتشوم: «تمكّنا من استبعاد أحداث التمزق المدّي كسبب»، وتضيف: «وعليه، فالأرجح أن الوميض نتج عن قفزة في معدّل تراكم المادة على الثقب الأسود».
ما قصة التأخّر البالغ 300 يوم؟
الأبرز في النتائج هو الفاصل الزمني بين الأشعة السينية والموجات الراديوية. وجد الفريق دليلاً مبدئياً على تأخّر يقارب 300 يوم بين الوميض السينيّ والانبعاث الراديوي. ويمثّل هذا التأخّر، بحسب تقديرهم، الزمن الذي تستغرقه البلازما للانتقال من قاعدة النفّاثة إلى عقدة أو موجة صدمية. وتتشكّل هذه العقدة حين تصطدم مادة النفّاثة بالغاز أو الغبار المحيط.
تقول كيتشوم: «هناك دراسات على مجرات أخرى ذات نوى نشطة تُظهر دليلاً على اقتران بين تراكم الغاز، الذي يظهر في ضوء الأشعة السينية، وقذف الغاز في النفاثات، الذي يظهر في الضوء الراديوي. لكنّ NGC 1275 تكشف أثر نفاثات الثقوب السوداء على المقاييس المكانية الكبيرة أفضل من أي منظومة أخرى».
ما حدود هذه النتائج؟
يُستحسن أن يقرأ المتابع الرقم بحذر، وهو ما يفعله الباحثون أنفسهم. قُبلت الدراسة للنشر في مجلة Astrophysical Journal Letters، ونسخة سابقة لمراجعة النظراء متاحة على موقع arXiv عبر هذا الرابط. أي أن النص الأولي لم يمرّ بعد بكامل مراحل التحكيم العلمي. والدراسة قائمة على تحليل بيانات رصدية أرشيفية، لا على تجربة مضبوطة.
وتقرّ كيتشوم بأن العيّنة السينية متفرقة: «ينبغي اختبار هذا مستقبلاً. بياناتنا السينية لا تأخذ سوى عيّنات متفرقة من تغيّرات NGC 1275». وتضيف: «وهذا يصعّب تحديد علاقة دقيقة بين الإشعاعين السيني والراديوي في أجزاء كبيرة من منحنى الضوء لدينا، ولذلك سنحتاج إلى مزيد من البيانات السينية لدراسة هذه الصلة أكثر».
ما الخطوة التالية؟
يطرح الفريق مساراً ثانياً للتحقق. يرى الباحثون أن خط انبعاث الحديد المحايد، المرصود في بيانات NGC 1275، قد يكون صدى لومضات الأشعة السينية الصادرة من جوار الثقب الأسود. وتقول كيتشوم: «يظهر خط انبعاث من الحديد المحايد في بيانات NGC 1275، وقد يكون هذا هو الصدى. غير أننا على الأرجح بحاجة إلى رصدات كثيرة بمرصدَي XMM-Newton و XRISM (مهمة التصوير والتحليل الطيفي بالأشعة السينية) حتى نثبّت هذه الصلة فعلاً».
وهكذا يبقى السؤال معلّقاً: هل يتكرّر التأخّر البالغ 300 يوم كلما تغذّى الثقب الأسود بقوة؟ الإجابة عند رصدات سينية أكثف وأطول.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟
