لغز انفجار تونغوسكا ودروس الدفاع الكوكبي المستمرة
حادثة تونغوسكا في سيبيريا تكشف عن انفجار كويكب ضخم فوق الأرض تسبب في دمار واسع رغم غياب فوهة ارتطام. القصة تلهم جهود رصد الأجرام الفضائية وتقنيات الدفاع الكوكبي لحماية الأرض من تهديدات مستقبلية وورلد برس عربي يروي التفاصيل.

لو انفجر جرمٌ بحجم ذلك الذي انفجر فوق سيبيريا عام 1908 فوق مدينة بحجم نيويورك، فإن التقديرات تتحدث عن مقتل ملايين البشر. هذا ما يجعل حادثة تونغوسكا، بعد أكثر من قرن، مرجعاً أساسياً في علم الدفاع الكوكبي. والمفارقة أن ما نعرفه عنها لا يزال ناقصاً، فطبيعة الجرم وتفاصيل الحدث لم تُحسم كلها حتى اليوم.
ماذا حدث صباح 30 يونيو 1908؟
في حدود الساعة 7:15 صباحاً بالتوقيت المحلي، دخلت كرة نارية ساطعة الغلاف الجوي للأرض فوق منطقة تونغوسكا النائية في سيبيريا، وتركت خلفها دخاناً في سماء الفجر. انتهى مسارها بوميض أشدّ سطوعاً من الشمس. وتفيد الروايات بأن موجات الصدمة ألقت ببعض أفراد شعب الإيفينكي الأصلي القريبين من المكان أرضاً، وألحقت أضراراً بالمساكن والماشية. وسجّلت أجهزة رصد زلزالي على بعد مئات الأميال هزّاتٍ نُسبت إلى الانفجار.
يرجّح العلماء اليوم أن الجرم كان كويكباً يبلغ قطره نحو 130 قدماً (40 متراً). لكن السبب ظلّ مجهولاً سنوات طويلة، لأن بُعد المنطقة الشديد حال دون معاينتها علمياً قرابة عقدين.
لماذا تأخّر الوصول إلى الموقع قرابة عشرين عاماً؟
لم يكن البُعد الجغرافي وحده هو العائق. فالحرب العالمية الأولى والثورة الروسية والحرب الأهلية التي تلتها عطّلت التحقيقات العلمية. وفي عام 1921 بدأ الجيولوجي السوفييتي Leonid Kulik أولى محاولاته للوصول إلى الموقع، لكنه أخفق، ثم بلغ تونغوسكا بعد ست سنوات.
رأى Kulik دماراً لا لبس فيه بعد قرابة عشرين عاماً على الانفجار. وفي محيط مركز الانفجار المفترض بقيت مساحة صغيرة من الأشجار واقفة، وقد جُرّدت من بعض لحائها وأغصانها. أما في الريف المحيط فكانت أعداد كبيرة من الأشجار مطروحة أرضاً بفعل موجات صدمة اتجهت نحو الأسفل وإلى الخارج.
وتواصلت بعثات المسح الميداني والجوي خلال خمسينيات القرن الماضي وستينياته. وتبيّن أن منطقة الدمار تشبه في شكلها الساعة الرملية أو الفراشة، وتمتد على أكثر من 800 ميل مربع (2,070 كيلومتراً مربعاً). وقدّر الباحثون عدد الأشجار المطروحة بملايين الأشجار.
كويكب أم مذنّب؟ وأين الحفرة؟
لم يعثر المحققون على أي دليل على فوهة ارتطام في تونغوسكا. وتشير الأدلة إلى انفجار هوائي على ارتفاع عدة أميال فوق سطح الأرض، لا إلى اصطدام بالسطح. ويُرجَّح أن الإجهادات الأيروديناميكية فتّتت الجرم وأطلقت طاقته قبل أن يبلغ الأرض.
ودار الجدل طويلاً حول هوية الجرم: كويكب أم مذنّب. وترجّح معظم الأدلة اليوم أنه كويكب، إذ تحدّث باحثون عن بصمات معدنية وكيميائية تتسق مع كويكب صخري أو كربوني. غير أن العثور على بقايا مادية تُنسب إلى جرم تونغوسكا نسبةً قاطعة لا يزال صعباً. وتُعدّ الحادثة مثالاً نادراً حديث العهد، بالمقاييس الجيولوجية، على انفجار كوني هوائي واسع النطاق.
كم يبعد تونغوسكا عن أسوأ السيناريوهات؟
للمقارنة، اصطدم قبل نحو 66 مليون سنة كويكب بعرض ستة أميال (10 كيلومترات) بما يُعرف اليوم بشبه جزيرة يوكاتان في المكسيك. خلّف الاصطدام فوهة تشيكشولوب (Chicxulub) بعرض 120 ميلاً (190 كيلومتراً)، وأطلق انقراضات جماعية على مستوى الكوكب قضت على نحو ثلاثة أرباع الأنواع التي كانت تعيش حينها. ويُعتقد أن جرم تشيكشولوب كان أعرض بما يصل إلى 200 مرة من كويكب تونغوسكا المفترض، وأكبر كتلةً بملايين المرات.
وبين الحدّين، يأتي مثال أقرب زمناً. ففي فبراير 2013 انفجر فوق مدينة تشيليابينسك الروسية كويكب لم يكن قد رُصد، بعرض 60 قدماً (20 متراً)، محرِّراً طاقة تعادل نحو 500 كيلوطن من مادة TNT. وصوّرته كاميرات في أنحاء المنطقة. وألحق الانفجار أضراراً بالمباني وأصاب أكثر من 1,000 شخص، ومعظم الإصابات نجمت عن الزجاج المتطاير من النوافذ المحطّمة. أي أن جرماً أصغر بكثير من جرم تونغوسكا كان كافياً لإيقاع هذا العدد من المصابين.
ما الذي يُفعل لرصد الأخطار قبل وقوعها؟
وسّع علماء الكواكب جهودهم لرصد الأجرام القريبة من الأرض (NEOs) المحتمل أن تكون خطرة، وهي أجرام قد تصبح مصدر قلق في العقود المقبلة. وأنشأت NASA عام 2016 مكتب تنسيق الدفاع الكوكبي (Planetary Defense Coordination Office)، الذي ينسّق جهودها مع شركاء دوليين ويطوّر أساليب لتحديد هذه الأجرام وتتبّعها.
وفي عام 2022 اختبرت مهمة «دارت» (DART) التابعة لـNASA تقنية المصادِم الحركي بمركبة فضائية. اصطدمت المركبة عمداً بالقمر الصغير ديمورفوس (Dimorphos) التابع للكويكب ديديموس (Didymos)، فغيّرت زمنه المداري حول الكويكب بنحو 33 دقيقة. ويمكن لتقنية من هذا النوع أن تفيد إذا اكتُشف جرم من طراز تونغوسكا على مسار تصادمي مع الأرض.
هل نثق في النماذج التي تُبنى عليها خطط الإخلاء؟
في مارس 2026 نشر Mark Boslough وزملاؤه ورقة في دورية «Meteoritics & Planetary Science» تناقش المعلومات المضلِّلة المتعلقة بالأجرام القريبة من الأرض والتخطيط للتخفيف المستقبلي من أخطارها. ويمكن الاطلاع على الورقة المنشورة على موقع B612 Foundation. ولا تتضمن مادتي المتاحة تفاصيل عن منهجية الورقة أو عن تمويلها، فلا أستطيع الحكم على هذين الجانبين.
وتربط الورقة بين التخطيط للإخلاء والتخفيف في المستقبل وبين نمذجة هذه الأحداث. يقول المؤلفون إن هذه الخطط:
«تعتمد اعتماداً حاسماً على قدرتنا على نمذجة هذه الأحداث، وهو ما يتوقف على فهمنا للفيزياء الحاكمة لها، والتي تُختبر صحتها بدورها بالبيانات الشحيحة المتوافرة عن أحداث حقيقية مثل تونغوسكا.»
ويحذّر المؤلفون من أن غياب الثقة بهذه النماذج له ثمن بشري، إذ كتبوا: «إذا لم يثق الناس بالنماذج التي تستند إليها خطط الإخلاء، فقد يفقدون أرواحهم».
ولهذا يعمل علماء على تفنيد الأساطير والمعلومات الخاطئة التي ما زالت تحيط بحدث 1908. فحين تكون البيانات الميدانية شحيحة إلى هذا الحد، فإن كل رواية مغلوطة تضعف الثقة في نماذج يُفترض أن تُبنى عليها قرارات إنقاذ الأرواح.
ويُحيي العالم يوم 30 يونيو بوصفه اليوم الدولي للكويكبات (International Asteroid Day)، إحياءً لذكرى انفجار تونغوسكا وتوعيةً بمخاطر الأحداث المستقبلية. وتبقى الأسئلة التي لم يُجب عنها حادث 1908 مفتوحة، من هوية الجرم بدقة إلى مصير بقاياه. أما الجواب المطلوب عملياً فهو: هل نرصد الجرم القادم قبل أن يصل، وهل نملك من النماذج ما يكفي لإقناع الناس بالإخلاء حين يحين الوقت؟
أخبار ذات صلة

الإمارات تكشف عن مسبار لمهمة طموحة لاستكشاف 7 كويكبات في 2028

ألوان غريبة على القمر: تقرير NASA يكشف مشاهد غير متوقّعة من مهمة Artemis II

اصطدام نجمين ميتين: تفسير جديد لومضة أشعة سينية غريبة من مجرة بعيدة
