تحولات صناعة التلفزيون بين الشراكة واحتكار الحقوق
في سوق ميبكوم تغير قواعد صناعة التلفزيون نحو البراغماتية والتعاون المالي وتقاسم الحقوق بدلاً من المنافسة الحصرية. تحالفات جديدة تتيح تمويل أعمال طموحة مع حفاظ المنتجين على ملكية فكرية أكبر. اكتشف تفاصيل التحول مع وورلد برس عربي.

-في مدينة كان هذا الأسبوع، حيث يجتمع تنفيذيو صناعة التلفزيون العالمية لحضور سوق ميبكوم (Mipcom)، لن تكون الكلمة الأكثر تداولاً "النمو" أو "التوسّع"، بل "البراغماتية". فكما يصفها لودوفيك أتال، رئيس Sipur Studios: "في الأساس، ما نراه هو تحوّل الصناعة تحت أقدامنا". هذه العبارة، على بساطتها، تختزل عقداً كاملاً من إعادة التموضع: من سباق محموم على الحقوق الحصرية إلى منطقٍ جديد قوامه تقاسم التمويل وتقاسم الملكية الفكرية. المنصّات التي كانت قبل عشر سنوات تُغرق السوق بالعروض لتأمين حقوقٍ عالمية حصرية، باتت اليوم أكثر انكماشاً، بينما يعيد المنتجون والموزّعون ترتيب أوراقهم للبقاء في معادلةٍ تغيّرت قواعدها.
من حرب العروض إلى تقاسم النوافذ
الإشارة الأوضح على هذا التحوّل هي تراجع نموذج "التكلفة زائد هامش" (Cost-Plus)، الذي كانت بموجبه منصّة واحدة تموّل 100% من ميزانية العمل الدرامي مقابل علاوةٍ للمنتج. يقول أتال إنّ هذا النموذج "في تراجع"، ليحلّ محلّه تمويل العجز (Deficit Financing) وما يسمّيه "النوافذ المشتركة"، حيث "تأخذ المنصّة العرض الأول وربما إقليماً أو اثنين، بينما يحتفظ الاستوديو بالحقوق في باقي الأسواق". هذا التحوّل ليس نظرياً؛ فقائمة Sipur Studios في ميبكوم تضمّ مسلسل الرومانسية اللاتيني "Mírame Así, El Camino de Noa" كنموذجٍ على استراتيجية الإنتاج التي تراهن على تنويع مصادر التمويل بدل الاعتماد على طرفٍ واحد.
السياق الأوسع يفسّر هذا التحوّل: بعد موجة النمو السريع التي غذّتها المنصّات، خفّضت الشركات تكاليفها، في وقتٍ تتّجه فيه إيرادات الإعلانات نحو المنصّات الرقمية، وتواجه فيه المحطّات العامة ميزانياتٍ حكومية أكثر تقشّفاً. النتيجة أنّ المنصّات نفسها دخلت مرحلة توحّدٍ وانكماش بعد عقدٍ من التوسّع العالمي الذي بدأته Netflix وغيرها قبل نحو عشر سنوات، حين كانت تُكلّف الأعمال بقوّة وتلاحق الحقوق العالمية. حينها خشي المنتجون من أن يُهمَّشوا، وخشي الموزّعون المستقلّون من أن يصبحوا بلا جدوى. اليوم، يبدو أنّ كلا الطرفين اكتسب مهاراتٍ تفاوضية أكثر نضجاً، فيما تلجأ المنصّات إلى الاستحواذ والتمويل المشترك والتجميع (Bundling) بدل المواجهة المباشرة.
عندما يصبح التحالف أربح من المنافسة
بدل التنافس الحصري على الحقوق، باتت المنصّات والمحطّات تجمع مواردها في مشاريع مشتركة. مجموعة Mediawan الفرنسية تجسّد هذا النهج؛ إذ تعمل، بحسب إليزابيث دارفيو، رئيسة المحتوى في المجموعة والمديرة التنفيذية لـMediawan Pictures، "عبر جميع نماذج الأعمال والأنواع الدرامية". وتضيف أنّ "تحالفاتٍ من هذا النوع" ستتكرّر أكثر في المستقبل، لأنّها تتيح للمحطّات "تمويل مشاريعها الأكثر طموحاً، التي لم تكن لتستطيع تمويلها بمفردها".
المثال الأبرز هو المسلسل القادم "1536"، من إنتاج Drama Republic المملوكة لـMediawan، حيث انضمّت BBC لتغطية المملكة المتحدة، بينما أخذت HBO حقوق الولايات المتحدة وكندا. في المقابل، موّلت Mediawan بعض أعمالها الأخيرة، مثل "The Count of Monte Cristo"، بشراكاتٍ خطّية (Linear) فقط، من دون أيّ منصّة بث. ومع ذلك تبقى المنصّات العملاء الأساسيين لـMediawan وأكبر حصّة في تشكيلة برامجها في كلّ دولة تعمل فيها، ما يضع المنتجين تحت ضغطٍ متزايد لابتكار صِيَغ تمويلٍ جديدة بدل الاكتفاء بالنموذج التقليدي.
من يملك المحتوى فعلياً؟
ما قد لا يظهر في عناوين ميبكوم هذا العام هو معركة الملكية الفكرية (IP) الصامتة التي تدور خلف الكواليس. فبعض الصفقات الحالية باتت تتيح للمنتجين الاحتفاظ بملكية أعمالهم، وهو أمرٌ لم يكن متاحاً قبل سنوات قليلة. إيزابيل ديسغورج، رئيسة Gaumont Television، أنتجت مسلسل "Lupin" لصالح Netflix وفيلم "Becoming Karl Lagerfeld" لصالح Disney من دون أن تملك حقوقهما. لكنّ المشهد تغيّر مع دخول اللوائح الفرنسية المنبثقة عن توجيه أوروبي حيّز التنفيذ في عام 2021، والتي ألزمت المنصّات بتقاسم الحقوق مع المنتجين. منذ ذلك الحين، باتت Gaumont تحتفظ بالملكية الفكرية في معظم أعمالها المشتركة مع المنصّات، ومن أمثلة ذلك مسلسل الجريمة الفرنسي "Pax Massilia" مع Netflix.
لكنّ هذا الاحتفاظ بالحقوق له ثمن: فهو يعني أنّ مساهمة المنصّات المالية في هذه الصفقات تتراجع. تقف Gaumont حالياً في مرحلة ما بعد الإنتاج لمسلسلٍ مقتبس عن الرواية الأكثر مبيعاً "Le Roman de Marceau Miller"، بتكليفٍ من France Télévisions. وفي حالة أخرى، باعت ديسغورج حقوق النافذة الثانية لعملٍ طلبته Amazon إلى القناة الفرنسية M6، موضحةً أنّ "Amazon تأخذ فقط حقوق العرض الأول في فرنسا، وهي لا تمنحني ما يكفي لتمويل المسلسل".
هذا النمط يتكرّر في صفقات التجميع الأخرى: اتفاق TF1 الذي أطلق مؤخراً إتاحة جميع قنواتها عبر Netflix في فرنسا، واتفاقٌ مشابه بين Amazon وFrance Télévisions، إضافةً إلى اتفاقٍ بين Disney ومجموعة M6 بشأن برامجها الناجحة. تقول ديسغورج إنّ هذا التوسّع في الاتفاقيات له وجهٌ آخر: "نشعر فعلاً أنّ مسلسلاتنا موجودة في كلّ مكان، وبالتالي تفقد قيمتها، لأنّها تفقد حصريتها وتُستنزف قيمتها بسرعة". ومن أمثلة هذا التحوّل بيعها مسلسل "Edgar and Augustine"، ببطولة Freddie Highmore، إلى TF1 من دون أن تنضمّ Netflix إلى المشروع مباشرةً، رغم أنّ المسلسل سيكون متاحاً عبر اتفاقية TF1 مع المنصّة.
هذا الواقع يدفع المنتجين إلى إعادة تقييم جدوى العمل مع المحطّات الخطّية. فكما تقول ديسغورج: "لا يزال من مصلحتنا أن تنجح هذه الشبكات. لكن في المقابل، نحتاج إلى رؤية عائدٍ على استثمارنا". المعادلة إذن مزدوجة: استقلالية الملكية الفكرية مقابل تراجع التمويل المباشر من المنصّات.
الحجم بات شرط البقاء
في موازاة إعادة تشكيل نماذج التمويل والملكية، يشهد القطاع موجة اندماجاتٍ متسارعة. Banijay استحوذت على All3Media، وMediawan استحوذت على North Road، لتصبح الأخيرة أحد أكبر مُوحِّدَي السوق الفرنسي إلى جانب Banijay، بحضورٍ في 15 دولة. تقول دارفيو: "نعمل في 15 دولة؛ وهذا أصلٌ رئيسي"، مضيفةً أنّ الحجم يخلق قوّة تفاوضية أمام المنصّات العالمية: "من المهمّ بالنسبة لنا، عند مواجهة هذه المنصّات الكبرى جداً، أن نكون أقوياء بأنفسنا وقادرين على الجلوس أمامها على طاولة التفاوض كندّين". وتضيف أنّ الاستقلالية اليوم "تعني أن لا نعتمد على أيّ منصّة أو عميلٍ واحد"، وأنّ قدرة الشركة على "التموضع المستقلّ حول الملكية الفكرية، وتطويرها، ثمّ البحث عن أفضل شريكٍ لها في السوق" تمثّل أصلاً استراتيجياً بحدّ ذاتها.
من جهتها، تربط جين تورتون، نائبة الرئيس التنفيذي لـBanijay والرئيسة التنفيذية السابقة لـAll3Media، الحجم بجودة القرار: "كلّما كان موزّعك أفضل، وأفضل تمويلاً، وأكثر تطوّراً، كانت تحليلات بياناته أدقّ" في إشارةٍ إلى دور البيانات في قرارات تكليف الأعمال وبيعها.
هذه الموجة من التوحّد طالت أيضاً البث التقليدي: خلال الصيف الماضي، وافقت ITV على بيع وحدة الإعلام والترفيه التابعة لها إلى Sky بصفقةٍ تصل قيمتها إلى 1.6 مليار جنيه إسترليني (2.1 مليار دولار). بيتر بازالجيت، الرئيس السابق لـITV، يرى أنّ الاندماج بات ضرورة وجودية للمحطّات الأوروبية المحلّية: "لا يمكن أن يكون لدينا أربع أو خمس محطّاتٍ محلّية ناجحة في كلّ دولةٍ أوروبية". ويستند في ذلك إلى حساب تكلفة: فالخدمة التدفقية التنافسية تحتاج إلى أعمالٍ درامية بتكلفة تتراوح بين 4 و5 ملايين جنيه إسترليني (5.3 إلى 6.6 مليون دولار) للساعة الواحدة، وهو رقمٌ "لا تستطيع معظم المحطّات المحلّية تحمّله". ويصف تردّد بعض المحطّات في مواجهة هذا الواقع بأنّها "كانت تنظر في مرآة الرؤية الخلفية لا إلى الطريق أمامها".
مسار TF1 وM6 يختصر هذا التردّد: الشركتان تخلّتا عن خطّة اندماجٍ في عام 2022 وسط مخاوف تتعلّق بالمنافسة، لكنّ رئيس TF1، رودولف بيلمير، أشار إلى إمكانية العودة إلى طرح فكرة الاندماج في عام 2028 إذا سمحت الظروف. هذا التلميح، وإن بقي مشروطاً، يعكس أنّ منطق التوحّد لم يُستنفَد بعد في السوق الفرنسية.
يوتيوب من منصّة هواة إلى طرفٍ في المعادلة
الإشارة الأضعف في هذا المشهد، لكنّها ربما الأكثر دلالةً على اتجاه الصناعة مستقبلاً، هي صعود YouTube. فمتوسّط الوصول اليومي العالمي للمنصّة تجاوز الآن مثيله لدى Netflix، وهو تطوّرٌ دفع الرئيس المشارك التنفيذي لـNetflix، تيد ساراندوس، إلى جانب رودولف بيلمير من TF1، إلى الضغط على الاتحاد الأوروبي لفرض التزاماتٍ استثمارية على YouTube، في وقتٍ يراجع فيه الاتحاد توجيهه الخاص بالمرئي والمسموع.
في موازاة ذلك، باتت شركات الإنتاج والمجموعات التلفزيونية تبحث عن مواهب من YouTube مباشرةً. Fox Entertainment Global التزمت بإنتاج 200 "ميكرودراما" (Microdramas)، من بينها مجموعة أعمالٍ مع صانع المحتوى على YouTube دار مان (Dhar Mann). أمّا أبرز نجاحات Mediawan هذا العام، مسلسل "Backrooms"، فنشأ أصلاً من مسلسل ويب رعبٍ على YouTube من إبداع كين بارسونز (Kane Parsons)، الذي أخرج لاحقاً نسخته السينمائية بتمويلٍ مشترك من Chernin Entertainment وA24. الفيلم حقّق إيراداتٍ تجاوزت 400 مليون دولار عالمياً، وهو ما يفسّر نظرة دارفيو إلى المنصّة: "YouTube شريك. YouTube وسيلة لعرض محتوانا؛ وهو أيضاً مصدرٌ للملكية الفكرية". وتتوافق ديسغورج مع هذا التوصيف حين تتحدّث عن صانعي محتوى YouTube بالقول إنّها تهتمّ بهم "ليس فقط لأنّهم على YouTube، بل لأنّهم مبدعون حقيقيون ولديهم أفكارٌ رائعة".
ثلاثة مساراتٍ محتملة
كيف ستبدو خريطة هذه الصناعة عند انعقاد ميبكوم المقبل؟ الأرجح أن يستمرّ النمط الحالي من التمويل المشترك والنوافذ المتعدّدة دون كسرٍ حادّ، مع استمرار المنصّات في التراجع عن نموذج التكلفة الكاملة لصالح صيغٍ أكثر مرونة، واستمرار المنتجين الكبار مثل Gaumont وMediawan في تعزيز استقلاليتهم عبر الاحتفاظ بالملكية الفكرية.
المحتمل أن تتسارع موجة الاندماجات الأوروبية، مدفوعةً بمنطق بازالجيت حول الحجم الحرج، بما قد يضع التوحّد بين TF1 وM6 مجدّداً على الطاولة قبل الموعد المفترض في 2028 إذا تغيّرت الظروف التنظيمية أو الضغوط المالية.
أمّا الأقلّ احتمالاً، في المدى القريب على الأقلّ، فهو أن تنجح ضغوط ساراندوس وبيلمير في فرض التزاماتٍ استثمارية فعلية على YouTube عبر مراجعة التوجيه الأوروبي، نظراً لتعقيد الإطار التنظيمي الأوروبي وتباين مصالح الأطراف المعنية. القفزة الحقيقية في هذا الملفّ ستحدث إذا تحوّلت منصّات مثل YouTube من "مصدرٍ للملكية الفكرية" إلى منافسٍ مباشر في تمويل الدراما عالية الميزانية وهو احتمالٌ لا تؤكّده البيانات الحالية، لكنّها لا تستبعده أيضاً.
أخبار ذات صلة

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية

الطاقة الحرارية الأرضية: كيف تسعى Fervo Energy لتبسيط الإنتاج

الهند تختار الشراكات لتوسّع JioHotstar في الشرق الأوسط
