شجاعة فلسطينية تواجه اعتداءات المستوطنين
تسترجع ميعاد أبو الرب تفاصيل الاعتداء الذي تعرضت له من مستوطنين إسرائيليين خلال قطف الزيتون. قصتها، التي أثارت غضباً عالمياً، تكشف عن واقع الفلسطينيين في ظل الاحتلال. اكتشفوا كيف تحوّلت لحظة خوف إلى رمز للمقاومة.

ميعاد أبو الرُّب تُعيد مشاهدة مقاطع الفيديو المتداولة على نطاقٍ واسع، تلك التي وثّقت تحرّش المستوطنين الإسرائيليين بها وإساءتهم إليها في أكتوبر الماضي، خلال موسم قطف الزيتون.
هذه الفلسطينية البالغة من العمر 35 عاماً باتت معروفةً في أرجاء العالم، بعد أن تصدّرت صورتها غلافَ المجلة الإيطالية L'Espresso، وهي تتلقّى سخريةَ أحد المستوطنين. تستعيد اليوم تفاصيل ما جرى في ذلك اليوم.
تقول ميعاد: «كان بعض المستوطنين يرتدون الزيّ العسكري ويحملون الأسلحة. هدّدونا وأهانونا وصوّرونا. والمستوطن الذي كان يصوّرني بهاتفه كان يهدّد باعتقالنا جميعاً، رغم أنّنا لم نفعل شيئاً مخالفاً، وكانوا هم من بادر بالاعتداء علينا».
جرى تصوير الفيديو والصور في 12 أكتوبر 2025، حين توجّهت معاذ، وهي محامية في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مع عددٍ من الناشطين للتظاهر السلمي ضدّ احتمال مصادرة أراضٍ فلسطينية في منطقة صوبا بإذنا، جنوب غرب الخليل في الضفة الغربية المحتلّة.
في صورة غلاف L'Espresso، يبدو المستوطن المسلّح بزيّه العسكري وهو يضحك على معاذ ويصوّرها بهاتفه.
انتشرت الصورة بصورةٍ واسعة عبر منصّات التواصل الاجتماعي وأثارت غضب الحكومة الإسرائيلية، التي اتّهمت المجلة الإيطالية بمعاداة السامية ونشر صورةٍ مزوّرة. ردّت المجلة بنشر مقطع الفيديو الكامل الذي يوثّق الحادثة بأكملها.
جاء على غلاف L'Espresso، تحت عنوان «L'Abuso»: «جرى احتلال الضفة الغربية بمساعدة جنودٍ يتعاونون مع المستوطنين. دُمِّرت غزة. جرى التمدّد في لبنان. انتُهكت الحدود في سوريا. شُنّ هجومٌ على إيران. ارتُكبت مجازر وعمليات تطهيرٍ عرقي. هكذا تُشكّل اليمين الصهيوني ما يسمّيه إسرائيل الكبرى».
سارع Jonathan Peled، سفير إسرائيل في روما، إلى إدانة الغلاف، واصفاً إيّاه بأنّه «يشوّه الواقع المعقّد» للأوضاع ويُرسّخ «الأحكام المسبقة والكراهية».
وسعى المصوّر الإيطالي Pietro Masturzo، الذي التقط الصورة، إلى وضع حدٍّ للجدل بنشر مقطع الفيديو ضمن تقريره عن المستوطنين في الضفة الغربية، متزامناً مع صدور المجلة.
وكتب على Instagram: «كثيرون يتساءلون إن كانت هذه الصورة من صنع الذكاء الاصطناعي، فيما يُشير آخرون إلى منشوراتٍ تدّعي ذلك. الجواب: لا، هذه الصورة ليست من إنتاج الذكاء الاصطناعي».
«كانت أسلحتهم جاهزة»
في حديثها ، تروي مبعاد أنّها توجّهت في ذلك اليوم من أكتوبر إلى منطقة صوبا برفقة زملاء وناشطين، في إطار نشاطٍ اعتيادي لدعم المزارعين وأصحاب الأراضي خلال موسم قطف الزيتون.
هؤلاء الفلسطينيون من بين آلاف الأشخاص الذين يُحرمون من الوصول إلى أراضيهم في موسم الحصاد، جرّاء تصاعد هجمات المستوطنين أو منع الجيش الإسرائيلي لهم من ذلك.
بدأ النشاط بمحاولة المشاركين قطف الزيتون، وأدائهم رقصة الدبكة الفلسطينية التراثية، وإنشادهم الأغاني الشعبية.
ثمّ حضر أكثر من 20 مستوطناً بحماية أكثر من 30 جندياً إسرائيلياً. هدّدوا الفلسطينيين وأهانوهم وصوّروهم، بحسب ما تقول ميعاد. وأخبر المستوطن الظاهر في الصورة الفلسطينيين بأنّهم سيُعتقلون ويُرسَلون إلى المسكوبية، السجن الإسرائيلي المشهور بسمعته السيئة.
وأطلق الجيش الإسرائيلي الذي كان يوفّر الحماية للمستوطنين الغازَ المسيل للدموع على المشاركين.
تقول ميعاد: «حاولوا ترهيبنا وهدّدونا بالاعتقال. لو لم نُلغِ النشاط ونتراجع، لما تردّد المستوطنون في إطلاق النار علينا مباشرةً وقتلنا، لأنّ أسلحتهم كانت جاهزة».
وتضيف: «نتعرّض باستمرار لاستفزازات المستوطنين وهجماتهم في مثل هذه الفعاليات. لم أكن أخشى استفزازاتهم ولا تصويرهم ولا حتى أسلحتهم».
وطلب صاحب الأرض الفلسطيني من الناشطين المغادرة لأنّ الوضع لم يكن آمناً، غير أنّ عدداً من الشباب بقوا في المكان. وتقول ميعاد إنّ المستوطن الظاهر في الصورة كان يستفزّ المشاركين ويهدّدهم منذ بداية الفعالية، وإنّ المستوطنين حاولوا الاعتداء عليهم جسدياً.
الخوف والشهرة
لا تُخفي ميعاد ما يساورها من خوفٍ وقلق بعد الانتشار الواسع للصورة. تخشى أن تتعرّض لمضايقاتٍ من المستوطنين والجيش الإسرائيلي، وربّما الاعتقال.
يكاد الفلسطينيون في الضفة الغربية يكونون بلا أيّ حمايةٍ من المستوطنين، الذين يجدون في الجيش الإسرائيلي سنداً وغطاءً.
تقول ميعاد: «لم أكن أخافهم خلال الفعالية، لكنّ الخوف تسرّب إلى قلبي الآن بعد الانتشار الواسع للصورة. أنا أمٌّ لأربعة أطفال، أكبرهم في السابعة وأصغرهم في الثامنة عشرة شهراً. هذا الانتشار الهائل للصورة يجعلني أخشى أن أُفصل قسراً عنهم».
بيد أنّ ميعاد تجد سلوىً حين يُخبرها أطفالها بأنّ أصدقاءهم شاهدوا الفيديو وأبدوا إعجابهم بها وبشجاعتها، وبأنّهم يشعرون بفخرٍ كبير بها.
تقول: «هذا يمنحني دافعاً إضافياً. غرس فيّ والدي حبّ الأرض، وأنا سعيدةٌ بأنّني نقلت هذا الحبّ إلى أطفالي الذين يحملون الانتماء ذاته».
وتضيف: «حين أخرج إلى الفعاليات، يطلبون منّي أن يرافقوني ويقولون: 'نحن أيضاً فلسطينيون مثلك'. هذا يُثبت أنّ قضيّتنا لم ينسَها الصغار كما تأمل إسرائيل، بل هي متجذّرةٌ في أعماقهم أكثر ممّا يمكن أن يُنسى».
شاهد ايضاً: إسرائيل وعجزها عن هزيمة حزب الله
كما تجد ميعاد في الاهتمام الدولي المتصاعد بمعاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلّة مصدرَ تعزيزٍ لها.
وقد اتّصل بها السفير الفلسطيني لدى إيطاليا وأطلعها على مدى انتشار الفيديو والصورة وحجم ردود الفعل الدولية عليهما، وكيف كشفا لجمهورٍ أوسع حقيقة الحياة في ظلّ تهديد الاستيطان.
تقول ميعاد: «كان الردّ الإسرائيلي حادّاً؛ اتّهموا المجلة بتزوير الصورة. وحين نشرت المجلة الفيديو الذي يُظهر المستوطنين والجنود وهم يهاجمون تظاهرةً سلمية، اتّهموها بمحاولة تشويه الحقيقة والتشهير باليهود».
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فقد جرى توثيق أكثر من 580 هجوماً للمستوطنين أسفرت عن إصاباتٍ أو أضرارٍ في الممتلكات أو كليهما، طالت أكثر من 190 تجمّعاً فلسطينياً في القدس الشرقية والضفة الغربية خلال عام 2026.
من بين هذه الهجمات، استهدف ما لا يقلّ عن 47 هجوماً 36 تجمّعاً بين 31 مارس و6 أبريل.
كما تصاعدت حدّة عمليات التهجير الناجمة عن عنف المستوطنين وقيود الوصول تصاعداً حادّاً هذا العام؛ إذ يتجاوز عدد الفلسطينيين الذين هُجِّروا حديثاً حتى 6 أبريل 1,800 شخص، متخطّياً بذلك إجمالي من هُجِّروا جرّاء عنف المستوطنين طوال عام 2025.
أخبار ذات صلة

عودة الفلسطينيين تحت قيود إسرائيلية متشددة

معركة حزب الله من الداخل في بنت جبيل والخيام

قادة طلاب بجامعة لندن يفوزون بتسوية قضائية بعد فصلهم لنشاطهم الفلسطيني
