وورلد برس عربي logo

تحديات الاتفاق اللبناني الإسرائيلي ومسارات الحل السياسي

نائب رئيس الحكومة اللبنانية يوضح أن الإطار الثلاثي مع إسرائيل ليس اتفاقاً ملزماً ويحتاج لموافقة مجلس الوزراء. الإطار بداية لمسار سياسي مع تحفظات على الانسحاب الإسرائيلي وضرورة توثيق جرائم الحرب. التفاصيل على وورلد برس عربي.

طارق متري نائب رئيس الحكومة اللبنانية يرتدي بدلة رسمية في مبنى حكومي، معبراً عن تحفظاته على الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل.
وصل نائب رئيس الوزراء طارق متري إلى الاجتماع الأول للحكومة اللبنانية الجديدة في قصر بعبدا الرئاسي شرق بيروت، في 11 فبراير 2025 (وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري لم يُخفِ تحفّظاته على الإطار الثلاثي الذي وقّعته بيروت وتل أبيب في واشنطن في 26 يونيو الماضي؛ إذ أكّد في مقابلة أنّ هذا الإطار لا يمكن أن يصبح اتفاقاً ملزماً دون مصادقة مجلس الوزراء اللبناني، مشيراً إلى أنّ ذلك لم يحدث بعد.

ميّز متري بين الصلاحية الدستورية لرئيس الجمهورية في التفاوض باسم لبنان، وبين صلاحية مجلس الوزراء في إقرار أيّ اتفاق نهائي، واصفاً الإطار الحالي بأنّه بداية مسار لا نهاية مطاف. وقال صراحةً: «كلمة اتفاق غائبة تماماً عن هذا النص»، في تصريحٍ أدلى به من مكتبه في بيروت.

الإطار الذي رعته الولايات المتحدة، والهادف إلى رسم مسارٍ لإنهاء الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله، أثار موجة واسعة من الاعتراضات داخل لبنان، وفتح نقاشاً حادّاً حول السيادة والمساءلة وترتيب الالتزامات التي يبدو فيها الجانب اللبناني ملزَماً قبل أن يلتزم الجانب الإسرائيلي.

وكان حزب الله قد أعلن رفضه للإطار، معتبراً أنّه لا يضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال إسرائيل تحتلّ نحو 6% منها، كما لا يكفل عودة مئات الآلاف من النازحين إلى قراهم في الجنوب.

أقرّ متري بأنّ الإطار لا يلبّي كامل المطالب اللبنانية، غير أنّه وصفه بأنّه نقطة انطلاق لا حكماً نهائياً. وقال: «هذا ليس الكلام الأخير... إنّه لا يلبّي كلّ رغبات اللبنانيين وتطلّعاتهم. لكنّه بداية»، مضيفاً أنّ الإطار «ليس اتفاقاً راسخاً ومُحكماً ونهائياً وملزِماً».

واعترف نائب رئيس الحكومة بأنّ «ثمّة كثيرين منقسمين حول هذا الأمر»، ما يعني أنّ ثمّة عملاً سياسياً واسعاً يتعيّن إنجازه قبل أن يحظى أيّ اتفاق نهائي بدعمٍ داخلي كافٍ. وقال: «ينبغي التأكّد من أنّ أيّ اتفاق، حتى في ظلّ الخلاف، لا يُفاقم الانقسامات ولا يُعمّق ما هو قائم منها».

واستند متري إلى التصريحات الإسرائيلية الصادرة فور الكشف عن الإطار دليلاً على قصوره، وعلى أنّ إسرائيل لا تعتبر نفسها مُلزَمة به. وقال: «بعد أربعٍ وعشرين ساعة من الإعلان عن الإطار الثلاثي... قال Netanyahu و وزير الخارجية ووزير الدفاع: نحن باقون في جنوب لبنان، لن ننسحب». وأضاف أنّ هذا الرفض الإسرائيلي للانسحاب الكامل يتناقض مع المطالب اللبنانية الأساسية: الانسحاب الكامل، وعودة النازحين، والإفراج عن الأسرى.

«حرب على لبنان»

وصف متري النزاع بأنّه «حربٌ لم يُرِدها لبنان ولم يسعَ إليها»، مؤكّداً أنّها تحوّلت إلى حرب على لبنان ذاته لا على حزب الله وحده.

وكان حزب الله قد أطلق صواريخ على إسرائيل في 2 مارس، إثر اغتيال أمريكي-إسرائيلي للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. ويرى كثير من اللبنانيين أنّ الحزب منح إسرائيل ذريعةً لشنّ حملتها العسكرية، في حين يصرّ الحزب على أنّه تصرّف دفاعاً عن لبنان واستباقاً لهجومٍ إسرائيلي كان حتمياً. وقال متري إنّ هذين الروايتين المتعارضتين ينبغي حسمهما عبر الحوار في إطار مؤسسات الدولة اللبنانية بعد تثبيت وقف إطلاق النار.

وأسفرت الضربات الإسرائيلية والغزو البري عن سقوط أكثر من 4,300 قتيل منذ اندلاع الحرب في 2 مارس، وفق السلطات اللبنانية. وأفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأنّ إسرائيل دمّرت بالكامل أكثر من 11,000 مبنى في جنوب لبنان، فضلاً عن تضرّر جزئي لأكثر من 2,200 مبنى.

وقال متري: «حين بدأت الحرب في لبنان، بدت وكأنّها ساحة معركة بين إسرائيل وحزب الله. لكنّ إسرائيل شنّت حرباً على لبنان»، مضيفاً: «وثمّة مناطق لبنانية كثيرة لم يكن لحزب الله فيها أيّ نشاط عسكري، وقد طالها الدمار بشدّة».

ورفض نائب رئيس الحكومة الانتقادات الواسعة التي تقول إنّ المادة 13 من الإطار ستحول دون توثيق لبنان لجرائم الحرب الإسرائيلية أو ملاحقتها قضائياً مستقبلاً. وهذه المادة تُعلّق الإجراءات القانونية والسياسية بين الطرفين خلال مرحلة التفاوض، وقد أثارت قلقاً بالغاً في أوساط خبراء القانون وحقوق الإنسان اللبنانيين الذين يخشون أن تُوفّر لإسرائيل درعاً من المساءلة.

و أوضح متري، بوصفه رئيساً للجنة الوطنية اللبنانية للقانون الإنساني الدولي، أنّ عمل الدولة في توثيق جرائم الحرب مستمرّ «ولا يمكن إيقافه» بموجب المادة 13. وأشار إلى أنّ لبنان لم يُباشر أصلاً أيّ إجراءات ضدّ إسرائيل أمام المحاكم الدولية «لأسبابٍ شتّى»، مستنداً إلى أنّ البلدين ليسا طرفاً في نظام روما الأساسي. غير أنّه أكّد أنّ التوثيق الذي تُنجزه اللجنة يمكن أن يوظّفه مواطنون لبنانيون في رفع دعاوى ضدّ إسرائيل أمام محاكم تمارس الولاية القضائية العالمية في الخارج.

وأضاف أنّ الحكومة تلقّت تطمينات بأنّ المادة 13 لا تُنهي الإجراءات القانونية ضدّ إسرائيل نهائياً، قائلاً: «أُبلغنا بأنّ كلمة 'إنهاء' المستخدمة لا تعني سوى التعليق المؤقّت»، مستشهداً بأنّ تعليق الإجراءات القانونية خلال المفاوضات ممارسةٌ معتادة في مسارات السلام الأخرى، بما فيها تجربتا جنوب أفريقيا والجزائر.

نزع السلاح: مسألة سياسية بامتياز

باتت مسألة نزع سلاح حزب الله وبسط سيطرة الدولة على السلاح من أكثر الملفّات حساسيةً التي تواجه الحكومة اللبنانية. وبُعيد انفتاح الحزب على إطلاق النار على إسرائيل في مارس، أصدرت الحكومة قراراً بحظر أيّ نشاط عسكري للحزب. وفي العام الماضي، كلّفت الحكومة الجيش بإعداد خطط لنزع سلاح الحزب، ما أثار مخاوف من اندلاع حرب أهلية، حتى وإن أعلن المسؤولون، بمن فيهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، أنّهم لا يسعون إلى مواجهة عسكرية مع حزب الله.

وفي مطلع مارس، كشف عن توتّرات بين رئيس الحكومة نواف سلام وقائد الجيش رودولف هيكل، على خلفية خلافاتٍ حول أسلوب التعامل مع حزب الله وتطبيق قرار الحظر، وأشارت مصادر إلى أنّ سلام كان يدرس إقالة هيكل بسبب رفضه مواجهة الحزب في خضمّ الحرب.

وأصرّ متري على أنّ نزع سلاح حزب الله مسألةٌ سياسية، رافضاً فكرة أن يلجأ الجيش اللبناني إلى المواجهة العسكرية لفرض سلطته. وقال: «نزع سلاح حزب الله ليس مسألةً تقنية، وليس رهيناً بموازين القوى العسكرية بين الجيش والجناح العسكري لحزب الله إنّه في المقام الأوّل والأخير مسألةٌ سياسية».

وأشار متري إلى أنّ النقاش في هذا الملفّ شبه معدوم خلال الأشهر الأخيرة، مضيفاً أنّ «الحوار يصعب في أوقات الحرب»، لكنّه أكّد أنّ الحوار لا مناص منه، واصفاً الأمر بأنّه «شأنٌ لبناني».

وحين سُئل عمّا إذا كانت إسرائيل تسعى إلى استفزاز مواجهة بين الجيش اللبناني وحزب الله، أجاب: «ربّما يسعد الإسرائيليين لو حدث ذلك. لكنّني أعتقد أنّ لا الجيش ولا حزب الله مستعدّان للوقوع في فخّ الاقتتال». وأضاف أنّ المناطق التجريبية المتفَّق عليها في الإطار قد تكون «اختباراً فعلياً» لقدرة الجيش على توسيع سلطة الدولة، مع إتاحة الفرصة لحزب الله للتراجع «دون استفزاز مواجهة عسكرية مع الجيش».

«الوسيط الوحيد»

هذا النزاع هو المواجهة الكبرى الثالثة بين إسرائيل وحزب الله منذ حرب الـ33 يوماً عام 2006، التي انتهت بوقف إطلاق نار برعاية أممية أبقى الحدود هادئةً نسبياً قرابة عقدين. وفي مقارنته بين المفاوضات الراهنة وتلك التي أنهت حرب 2006، قال متري إنّ لبنان يعمل اليوم في مشهدٍ دبلوماسي مختلف جذرياً، إذ بات مجلس الأمن الدولي والدبلوماسية متعدّدة الأطراف «على الهامش».

وقال: «الطرف الوحيد القادر على الوساطة، أو على الأقلّ إتاحة الوساطة تحت رعايته، هو الولايات المتحدة الأمريكية».

وأشار متري إلى أنّ هذا الواقع لم يترك أمام بيروت خياراً سوى التعامل مع واشنطن رغم انعدام الثقة التاريخي. وقال إنّ لبنان كان دائماً «هامشاً» في السياسة الإقليمية الأمريكية، لكنّ المسؤولين يرون اليوم «نافذة اهتمام» يريدون استثمارها. وأضاف أنّ بعضهم يقرأ في تصريحات نائب الرئيس الأمريكي JD Vance التي أوحت بأنّ دعم واشنطن لإسرائيل لا ينبغي أخذه كأمرٍ مسلَّم به إشارةً إلى تحوّل محتمل نحو علاقة أمريكية-إسرائيلية أقلّ إطلاقاً.

وقال متري: «السبب الرئيسي وراء توجّه اللبنانيين نحو الولايات المتحدة هو أنّها الدولة الوحيدة التي تملك نفوذاً على إسرائيل وتستطيع المساعدة في حلّ المشكلات الصعبة التي نواجهها».

كما رأى متري أنّ أهداف إسرائيل باتت أكثر «طموحاً» بكثير منذ حرب 2006، مستشهداً بتصريحات متكرّرة للقادة الإسرائيليين حول عقيدة عسكرية جديدة و«استعادة الردع» عبر إنشاء مناطق عازلة أمنية في غزة ولبنان وسوريا. وقال: «نحن الآن في وضعٍ مختلف تماماً وأكثر صعوبة... لم يتبقَّ لنا سوى خياراتٍ قليلة جداً».

مصائر متشابكة

في استشرافه لما بعد النزاع، أشار متري إلى وجود اهتمام إقليمي ببناء منظومة تنسيق و«تحالف استراتيجي» تضمّ دولاً كسوريا والسعودية وقطر وتركيا، تتجاوز في أبعادها الترتيبات الأمنية المحضة. وقال إنّ أنقرة أيضاً ترى الأمن الإقليمي كلّاً متكاملاً، مستشهداً بنظرة الرئيس Recep Tayyip Erdogan التي تربط أمن تركيا بأمن سوريا وأمن سوريا بأمن لبنان.

وشدّد متري على أنّ سوريا ليست مجرّد جارٍ وحليف، بل إنّ مصيري لبنان وسوريا «متشابكان تشابكاً لا فكاك منه». وفي ما يخصّ التقارير التي أفادت بأنّ الرئيس الأمريكي Donald Trump طلب من الرئيس السوري التدخّل عسكرياً ضدّ حزب الله، قال متري إنّ القيادة السورية الجديدة لا تُبدي أيّ اهتمام بإحياء عقود من الوصاية الدمشقية على غرار نظام الأسد. وكان الرئيس أحمد الشرع قد نفى أن تسعى بلاده إلى اتّخاذ أيّ إجراء ضدّ الحزب.

وقال متري: «نعلم أنّه مع الحكومة السورية الراهنة لا وجود لأيّ مشروع هيمنة على لبنان»، مضيفاً أنّ دمشق مستعدّة لدعم لبنان عبر وسائل أخرى.

ونفى أيضاً وجود أيّ تحفّظات لدى الرئيس Joseph Aoun تجاه القيادة السورية الجديدة، رغم أنّ الرئيسين لم يزر أيٌّ منهما عاصمة الآخر حتى الآن. وقال: «لم أستشعر سبباً جوهرياً وراء عدم حدوث الزيارات»، مضيفاً أنّ إعادة بناء الثقة تحتاج إلى وقتٍ بعد عقود من الشكّ المتبادل والهيمنة السورية على لبنان. وختم: «كلّ هذا آخذٌ في التغيّر، ويحتاج سكّان البلدين إلى وقتٍ ليدركوا أنّنا في وضعٍ مختلف تماماً».

مخاطر الوحدة

رغم سنوات الانهيار الاقتصادي والاضطراب السياسي والحروب المتعاقبة، أكّد متري أنّه لا يرى وحدة لبنان وسيادته في مواجهة تهديدٍ وجودي وشيك. غير أنّه أقرّ بأنّ الولاءات الطائفية والتوتّرات المجتمعية لا تزال حاضرة، وتُولّد شعوراً بالتنافر والاغتراب.

وحذّر من أنّ مستقبل البلاد رهينٌ بحلّ الأزمة الراهنة، دون أن يُقلّل من المخاطر القائمة. وقال: «وحدة لبنان في طور التشكّل دائماً»، مضيفاً أنّه لا يرى التفتّت قادماً «ما لم نعجز عن إدارة الأزمة الراهنة وتبديد المخاوف القائمة».

أخبار ذات صلة

Loading...
جنود إسرائيليون ومستوطنون مسلحون في منطقة ريفية قرب بلدة سعير بالخليل وسط تصاعد العنف والاعتداءات الاستيطانية في الضفة الغربية.

المستوطنون الإسرائيليون يطللقون الرصاص على ممرض فلسطيني

تعرض محمد ممرّض فلسطيني لإصابة بليغة برصاصة مستوطنين في حي العديسة بالخليل، ما غيّر حياته إلى الأبد وسط تصاعد الاعتداءات الاستيطانية. اكتشف تفاصيل الحادث وتأثيره على السكان الفلسطينيين واستمرارية المعاناة. اقرأ المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
طفل فلسطيني يحمل زجاجات ماء في مخيم نزوح بقطاع غزة وسط ظروف معيشية صعبة وحصار على المياه.

غزة والإبادة: كيف حوّلت إسرائيل الرعب إلى روتين يومي

في غزة، صوت الطائرات المسيّرة لا يفارق الأطفال، يزرع الرعب ويعكس واقع الإبادة الجماعية التي تستهدف المدنيين بلا رحمة. اكتشف كيف يعيش الفلسطينيون تحت حصار اللا إنسانية. تابع التفاصيل لتعرف أكثر.
الشرق الأوسط
Loading...
قادة تركيا والسعودية وباكستان يتبادلون التوقيعات ويصافحون خلال توقيع اتفاقية الدفاع المشترك في مكة المكرمة.

الأكاديمي الإماراتي وتغريدة حول باكستان تكشف قلق أبوظبي من اتفاق مكة

تصريحات عبد الخالق عبدالله تثير جدلاً واسعاً بسبب انتقاداته لباكستان وسط تحالفات دفاعية جديدة في المنطقة. اكتشف تأثير هذه التصريحات على السياسة الخليجية واستمر في القراءة لمعرفة التفاصيل.
الشرق الأوسط
Loading...
جندي لبناني يقف على مركبة مدرعة عند مدخل قرية زوطر الغربية، وسط مبانٍ مدمرة وشوارع ترابية، في منطقة تجريبية جنوب لبنان.

الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان: مناطق تجريبية بدلاً من الانسحاب الفعلي

في جنوب لبنان، تبدو "المناطق التجريبية" فخاً لإسرائيل تستغلها لفرض احتلالها وتأخير انسحابها، بينما يعاني سكان زوطر الغربية من دمار مستمر وانفجارات متواصلة. اكتشف التفاصيل وتأثيرات هذا الصراع على الأرض.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية