فضيحة الأكاديمي الأسود تثير جدلاً في الجامعات البريطانية
رحلة Jason Arday من نجم أولمبي إلى أصغر أستاذ أسود في Cambridge انتهت بفضيحة تزوير وسيرة مزيفة أثارت جدلاً حول التعيينات الأكاديمية والتغطية الإعلامية وتأثيرها على حياته. اكتشف القصة كاملة عبر وورلد برس عربي.

في عام 2012، نشرت الصحافة البريطانية صورةً لـ Jason Arday وهو يحمل شعلة الألعاب الأولمبية بابتسامةٍ عريضة، خلال مسيرة المشعل التي سبقت دورة لندن. عاد اسمه إلى الواجهة عام 2023 حين احتفت جامعة Cambridge بتعيينه أصغر أستاذٍ أسود في تاريخها.
بعد ثلاث سنوات، وفي أعقاب أسابيع من التقارير التي قدّمت أدلةً على انتحاله الأفكار وتزويره لسيرته الذاتية، عُثر على Arday البالغ من العمر 41 عاماً جثةً هامدةً يوم الجمعة في شقّته بجنوب لندن.
أشعل رحيله موجةً من تبادل الاتهامات. فقد وُجّهت انتقاداتٌ حادة لجامعة Cambridge بسبب تسريعها تعيينه في سياق الدفع نحو التنوّع، متجاهلةً إشاراتٍ تحذيرية بشأن مؤهّلاته، فيما طالت الاتهاماتُ وسائلَ الإعلام التي يرى كثيرون أنّها دفعته إلى اليأس حين بدأت أوراق اعتماده وقصّة حياته تتفكّك تحت وطأة التدقيق المتواصل.
انتقادات لـ «العناية الواجبة» في الجامعات
قال James Cleverly، عضو البرلمان الأسود الذي شغل مناصب وزارية في حكوماتٍ سابقة، إنّ عدداً من الجامعات «أخفقت في إجراء العناية الواجبة اللازمة» بشأن Arday.
وأضاف Cleverly في حديثه لـ Times Radio: «نرى الآن أنّه لم يكن صادقاً تماماً، وأنّ لديه بالفعل هشاشاتٍ وإخفاقات. لكنّ عدداً من المؤسّسات الأكاديمية رفعته على أكتافها لأنّها كانت تبحث بيأسٍ عن نجمٍ استثنائي. أرادت أن تستثمر في كونه شاباً وأسود وذا مظهرٍ لافت، وأرادته أن يكون واجهتها الإعلامية».
في المقابل، ركّز Patrick Vernon، الذي نال مؤخّراً لقب فارس تكريماً لعمله في مجال المساواة العرقية، على دور الإعلام. وقال إنّ التغطية الإعلامية لقضية Arday جاءت غير متناسبة مع موقعه في المجتمع، وعكست المعيار المزدوج الذي يُطبَّق على الملوّنين مقارنةً بأقرانهم البيض.
وأكّد Vernon: «إنّ مستوى التدقيق الذي تعرّض له الأستاذ الراحل Jason Arday كان غير مسبوق».
وتابع: «إنّه ليس رئيس وزراء هذا البلد، وليس مسؤولاً كبيراً في الخدمة المدنية أو الحكومة المحلية أو هيئة الصحة الوطنية (NHS) أو رئيساً تنفيذياً لشركةٍ كبرى. ومع ذلك عومِل بالمعيار ذاته، وهذا أمرٌ فادح».
كيف روّجت Cambridge لقدوم Arday
عيّنت Cambridge أستاذاً للسوسيولوجيا التربوية في فبراير 2023، حين كان في السابعة والثلاثين من عمره. وفي إعلان التعيين، أبرزت الجامعة كونه أصغر أستاذٍ أسود في تاريخها، ووصفته بأنّه «باحثٌ محترم» يسعى إلى تعزيز تمثيل الأقليات السوداء والآسيوية وغيرها في التعليم العالي. وأشارت الجامعة إلى أنّه حقّق هذه المكانة رغم ولادته بأحد أشكال اضطراب طيف التوحّد الذي جعله عاجزاً عن الكلام حتى سنّ الحادية عشرة، وعن القراءة والكتابة حتى أواخر مراهقته وهي جوانب من سيرته باتت موضع تشكيكٍ لاحقاً.
تسعى الجامعات البريطانية إلى استقطاب أعضاء هيئة تدريس من خلفياتٍ عرقية وإثنية متنوّعة، حتى تعكس كوادرها الأكاديمية التركيبةَ الأشمل للمجتمع. وبلغ عدد الأساتذة السود في الجامعات البريطانية 270 أستاذاً خلال العام الأكاديمي 2024-25، ارتفاعاً من 120 في عام 2016-17، وفق بياناتٍ نشرتها الجمعية البحثية في التعليم العالي. غير أنّ الباحثين السود لا يمثّلون سوى 1% من مجموع الأساتذة في المملكة المتحدة، في حين يشكّل السود نحو 4% من السكان في سنّ العمل.
بدأت التساؤلات حول مؤهّلات Arday تطفو على السطح الشهر الماضي. فقد أعلن Nathan Cofnas، الباحث السابق في Cambridge الذي غادر الجامعة إثر احتجاجاتٍ واسعة على تعليقاته العدائية تجاه برامج التنوّع والأقليات، أنّه عثر على أدلةٍ تثبت انتحال Arday في أطروحة الدكتوراه. التقطت صحيفة The Times of London وصحفٌ أخرى الخيط، ونشرت تحليلاً للأطروحة أبرزت فيه مقاطع متعدّدة وصفتها بأنّها «متطابقة أو شبه متطابقة» مع ورقةٍ بحثية سابقة لأكاديميٍّ آخر.
شكّكت وسائل الإعلام أيضاً في ادّعاءات Arday بشأن إنجازاتٍ شخصية مذهلة، كإتمامه 30 سباق ماراثون في 35 يوماً، وجمعه 5.5 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 7.4 مليون دولار) لصالح أعمال خيرية على مدى عشرين عاماً.
وقد زاد من اتّساع التغطية الإعلامية اقترابُ موعد نشر مذكّرات Arday بعنوان «Great and Unfortunate Things»؛ إذ أصدرتها دار Simon & Schuster الأسبوع الماضي في الولايات المتحدة، وتُقرَّر طباعتها في المملكة المتحدة في 27 أغسطس.
بعد أن دافعت Cambridge في البداية عن Arday، أعلنت في 5 أغسطس فتح تحقيقٍ إثر تلقّيها «معلوماتٍ جديدة» بشأن مؤهّلاته. وفي اليوم ذاته، قدّم Arday استقالته. كما أعلنت جامعتا Glasgow وDurham، اللتان سبق أن درّس فيهما، عن فتح تحقيقاتٍ مماثلة.
وفي يوم الأحد، دافع المستشار الشرفي لجامعة Cambridge عن قرارات الجامعة، وانتقد التغطية الإعلامية لقضية Arday. وقال المستشار Chris Smith : «أعتقد أنّه من الممكن التمسّك بمبدأين في آنٍ واحد: الإيمان بأهمية النزاهة الأكاديمية، والحرص على التحقيق الصارم في أيّ ادّعاءاتٍ بالانتحال تطال أيّ أكاديمي كان، ورفض المشاركة في الوقت ذاته في حملةٍ تحريضية ذات طابعٍ عنصري تستهدف أكاديمياً بعينه».
مطالبات بالتحقيق في التغطية الإعلامية
بحلول ظهر يوم الثلاثاء، كان أكثر من 107,000 شخص قد وقّعوا رسالةً مفتوحة تطالب الحكومة بإجراء تحقيقٍ عام في التغطية الإعلامية لقضية Arday.
تقول الرسالة أنّ وسائل الإعلام واصلت تغطيتها حتى بعد أن حذّر Simon Baron-Cohen، مدير مركز أبحاث التوحّد في جامعة Cambridge، علناً من أنّ تركيزها على «رجلٍ توحّدي في وضعٍ هشّ» يطرح «إشكالياتٍ تتعلّق بالحماية». وتقول الرسالة، التي نشرها مشروع Good Law Project، إنّ Arday وغيره من الشخصيات السوداء البارزة تعرّضوا لـ«مضايقاتٍ صحفية ذات نبراتٍ عنصرية».
أمّا Steven Barnett، أستاذ الاتصالات في جامعة Westminster، فقد حمّل المسؤولية للصحف البريطانية لا لوسائل التواصل الاجتماعي. وأوضح أنّ الصحافة السائدة نشرت 289 مقالاً عن Arday في غضون 22 يوماً، ثلثاها تقريباً بعد تقديمه استقالته.
وقال Barnett إنّه لا ينبغي لأحدٍ أن يشكّك في أنّ Arday كان مثقلاً بوطأة التدقيق، لأنّه نفسه قال إنّه أكثر ممّا يطيقه أيّ إنسان. وأضاف: «لا أعتقد أنّه من الممكن المبالغة في تقدير الأثر الذي خلّفته تلك الصحف وتلك الناشرات في هذه القضية بالذات».
في المقابل، ردّ Charles Moore، المحرّر السابق لصحيفة Daily Telegraph والكاتب في شؤون التعليم، على هذه الانتقادات في مقالٍ نشره يوم الاثنين. وكتب Moore أنّه لو كانت Cambridge قد تحقّقت بجدّيةٍ من المخاوف المتعلّقة بـ Arday التي ظهرت في وقتٍ مبكّر عام 2023، لما تعرّض للعار الذي جلبته عليه التغطية الإعلامية الواسعة. وأضاف أنّه بدلاً من الاحتفاء بكونه أصغر أستاذٍ أسود في تاريخها، كان بإمكان Cambridge «أن ترعى مواهبه بهدوءٍ وتعالج مشكلاته، التي كانت على الأرجح مشكلاتِ شابٍّ يجد نفسه خارج عمقه، لا مشكلاتِ محتالٍ وقحٍ». وختم Moore: «كانت الجامعة، لا الصحافة، هي المهووسة بلون بشرة الدكتور Arday».
أمّا Sarah Ditum، الكاتبة في The Times of London، فقد رأت أنّ Arday كان قصّةً إخبارية مشروعة، لأنّ أفعاله أضرّت بالأكاديميين الذين انتحل أعمالهم، وبالثقة العامة في صرامة تخصّصه، وبالمحاضرين الشباب الذين نافسهم. غير أنّها أقرّت بأنّ القضية أخذت زخماً إضافياً لأنّها تفجّرت في فصل الصيف، حين يكون البرلمان في عطلته والصحفيون في حاجةٍ ماسّة إلى موضوعاتٍ تستحق الكتابة. وكتبت Ditum: «لا يصنع منتحلو الأفكار الأكاديميون عادةً عناوين الصحف، لكنّ Arday لم يكن أكاديمياً عادياً. كان يصدر مذكّراتٍ بارزة تزكّيها أسماءٌ مشهورة. لقد اختار هو بنفسه دائرة الضوء».
في غضون ذلك، يحثّ Vernon الناس على أن يتذكّروا أنّ وراء العناوين إنساناً وزوجاً وأباً. وقد أطلق حملةً على منصّة GoFundMe لدعم أسرة Arday، جمعت حتى الآن أكثر من 193,000 جنيه إسترليني (ما يعادل 261,000 دولار). وقال Vernon: «هذا يخبرك أنّ بريطانيا لا تزال تؤمن بالعدالة، وتهتمّ بقضايا التفاوت. والأهمّ من ذلك أنّها تريد فعلاً أن تقف إلى جانب Jason وأسرته في محنتهم».
أخبار ذات صلة

نتنياهو يتهم بريطانيا بـ"الجمهورية الإسلامية" قبل فرض عقوبات على إسرائيل

الحكومة البريطانية تحجب معلومات عن شركة إسرائيلية متهمة باستهداف رئيس الوزراء الاسكتلندي

الهيئة الخيرية البريطانية توجّه "نصائح تنظيمية" لكنيس استضاف حدثاً عقارياً إسرائيلياً
