وفاة محمد غميرة تكشف فشل منظومة الاحتجاز الجديدة
وفاة محمد غميرة في الحجز أثارت احتجاجات واسعة ومطالبات بمحاسبة المسؤولين وبناء منظومة احتجاز تحترم حقوق الإنسان وتمنع التعذيب والاعتقال التعسفي بعد سنوات من الانتهاكات في عهد الأسد في سوريا وورلد برس عربي.

وفاة محمد غميرة في الحجز أشعلت موجة احتجاجات واسعة في سوريا، إذ طالب الناشطون ومنظمات حقوق الإنسان السلطاتِ الجديدة ببناء منظومة احتجاز تتجاوز الإرث الثقيل من الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري الذي ميّز حقبة الديكتاتور بشار الأسد.
غميرة، أبٌ لطفلَين وعضو سابق في منظمة الخوذ البيضاء للإنقاذ، توفي يوم الأحد بعد أيام قليلة من احتجازه على خلفية نزاع مالي. غادر مركز شرطة الحفّة في محافظة اللاذقية في حالة حرجة، ليُعلَن عن وفاته لاحقاً في المستشفى جراء "مضاعفات نزيف دماغي ومعدي معوي نتج عن ضرب تعرّض له بعد احتجازه"، وفق ما أعلنته السلطات السورية.
كان غميرة، البالغ من العمر 29 عاماً، يعاني من الهيموفيليا (Haemophilia)، وهو اضطراب نادر يُعيق تخثّر الدم ويجعل إيقاف النزيف أمراً عسيراً. وبحسب ذوي الضحية، فقد أُبلغت السلطات بحالته الصحية خلال فترة الاحتجاز، وطُلب منها صراحةً عدم تعريضه لأي إيذاء جسدي نظراً لوضعه الطبي الخاص.
أطلقت الحكومة تحقيقاً استغرق ثلاثة أيام، خلص يوم الخميس إلى أن وفاة غميرة جاءت إثر صفعة وجّهها إليه أحد المحققين في الشرطة، الذي جرى احتجازه وإحالته إلى الجهات القضائية. كشف التحقيق أيضاً عن قصور إجرائي وإهمال واضح من جانب رئيس قسم الشرطة والمحقق، من بينها عدم توثيق الحالة الصحية للمحتجز في تقرير رسمي.
في مطلع هذا الأسبوع، تجمّع محتجّون في حلب للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الوفاة، رافعين لافتات من بينها: "لا تُعيدوا الظلم الذي ثرنا من أجله".
وكتب الناشط السوري نضال العماري على منصة X: "هذا أمرٌ مؤلم للغاية. بعد التحرير، كل سوري يُقتل تحت التعذيب في سجون الدولة أو مؤسساتها هو وصمة عار يتحمّلها أبناء الثورة جميعاً."
أُسقط نظام الأسد في ديسمبر 2024 إثر هجوم خاطف شنّته قوات بقيادة أحمد الشرع، الذي أصبح منذ ذلك الحين رئيساً للبلاد.
وقالت سانا-ماريا يوكينن، الكاتبة والخبيرة في ملف حقوق الإنسان في سوريا، إن ردود الفعل على وفاة غميرة تُثبت أن السوريين لم يعودوا يخشون الجهر بمواقفهم والمطالبة بالمساءلة. وأضافت في تغريدة على X: "قضية مأساوية بالفعل. غير أنه وعلى النقيض التام من أيام نظام الأسد، تُناقَش وفاة غميرة بشكل علني في وسائل الإعلام السورية، ولا يتردّد السوريون في التعبير عن انتقاداتهم والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن مقتل هذا الشاب."
سنوات من الانتهاكات في عهد الأسد
على مدى 24 عاماً من الحكم الاستبدادي، اعتُقل مئات الآلاف من السوريين وزُجّ بهم في ظروف قسرية مروّعة أو أُخضعوا للاختفاء القسري. وقد تصاعدت موجات الاعتقال والاختفاء بشكل حاد في أعقاب القمع العنيف للاحتجاجات الذي أشعل فتيل الحرب الأهلية السورية في مارس 2011.
بين مارس 2011 وأغسطس 2024، اعتقل أكثر من 150,000 شخص على يد السلطات السورية، من بينهم 5,274 طفلاً و10,221 امرأة، فيما تيتشهد عشرات الآلاف تحت التعذيب داخل منظومة الاحتجاز الشهيرة بوحشيّتها.
امتلكت سوريا أكثر من 100 منشأة احتجاز، في مقدّمتها سجن صيدنايا الذي وصفته منظمات حقوق الإنسان بـ"المسلخ البشري". داخل أسواره، استشهد آلاف المحتجزين في عمليات شنق جماعية أو استشهدوا تحت وطأة التعذيب، فيما استشهد آخرون بسبب الحرمان من الغذاء والماء، قبل أن تُلقي السلطات بجثثهم في مقابر جماعية، وهو ما وصفته منظمة Amnesty International بأنه جريمة ضد الإنسانية.
بعد سقوط الأسد، أعلن الشرع أن منشآت كصيدنايا ستُغلق، وأن المسؤولين المتورطين في التعذيب والقتل وسائر الانتهاكات سيواجهون العدالة.
بين التقدم وحدوده
أفادت الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR) بأن تحوّلات فعلية جرت في عهد الحكومة الجديدة، إذ قالت: "تشير الأدلة المتاحة إلى أن سقوط نظام الأسد أنهى المنظومة الواسعة والمركزية للاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب الممنهج التي كانت سمةً للحكومة السابقة."
بيد أن الشبكة أضافت أن منظومة احتجاز جديدة تلتزم بصورة منتظمة بالتزامات سوريا في إطار القانون الدولي لم تُرسَّخ بعد على نحو سليم.
تضمّن الدستور السوري الجديد الصادر في مارس من العام الماضي جملةً من الضمانات الرسمية؛ إذ يُرسي المادة 18 منه ضمانات لصون الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية، مع حظر صريح للاختفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي.
ورصدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الإفراج عن عدد من المحتجزين؛ إذ أُطلق سراح ما لا يقل عن 993 شخصاً من مراكز الاحتجاز خلال النصف الأول من عام 2025. غير أنها نبّهت في الوقت ذاته إلى أنها "وثّقت 192 حالة احتجاز تعسفي تُنسب إلى الحكومة الانتقالية خلال الفترة ذاتها"، مستخلصةً أن هذه الوقائع "تكشف في آنٍ واحد عن قدرٍ من التقدم وعن حدوده".
طالبت الشبكة بإنشاء سجل موحّد وشفاف لجميع المحتجزين، وضمان حقهم في التواصل مع المحامين وذويهم والكوادر الطبية، فضلاً عن وضع حدٍّ للاحتجاز في منشآت غير رسمية أو مؤقتة تقع خارج نطاق الرقابة القضائية والإدارية المعتادة.
وخلصت الشبكة إلى أن "العامل الحاسم ذو طابع مؤسسي في المقام الأول"، مؤكدةً أن "المحتجز يظل في دائرة الخطر حين لا يُسجَّل اعتقاله فوراً، ولا يُبلَّغ ذووه بمكانه، ولا يتمكّن محامون وأطباء من الوصول إليه في وقت قريب، أو حين يُحتجز في منشآت غير رسمية، ولا تُوثَّق عمليات نقله، ولا يستطيع مراقبون مستقلون تفتيش أماكن الاحتجاز دون إخطار مسبق."
أخبار ذات صلة

عائلة إيرانية تواجه احتجازاً عقابياً مستمراً من إدارة الهجرة الأمريكية

آلاف المهاجرين في سبتة عالقون في انتظار قرار إسباني

جندي إسرائيلي في الهند يواجه اتهامات بجرائم حرب في خان يونس
