كشف مؤامرات الإمارات ضد نشطاء بريطانيين مسلميين
كشف تحقيق وورلد برس عربي كيف استُهدف أنس التكريتي بقرار إغلاق حساباته البنكية وتصنيفه إرهابياً بناء على ضغوط إماراتية رغم عدم وجود أدلة، مما يطرح تساؤلات عن حماية المواطنين البريطانيين من التجسس والتدخل الأجنبي.

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين كان يشغل منصب كبير المعلّقين السياسيين في صحيفة Daily Telegraph، كان يتناول مع أنس التكريتي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة Cordoba Foundation، ملفّات الشأن الإسلامي بصورة منتظمة.
تنطلق Cordoba Foundation من موقف مغاير لما تروّج له كثير من مراكز الفكر الأمريكية والبريطانية، إذ ترفض أطروحة الصدام الحضاري الحتمي بين الإسلام والغرب.
برز اسم التكريتي على نطاق واسع حين كشف عام 2014 أن HSBC أغلق حسابه المصرفي فجأةً ودون أيّ إنذار مسبق. قال لي: «امتلاك حساب مصرفي في عالم اليوم كامتلاك الكهرباء أو الماء الجاري لا يمكنك العيش بدونه.»
كان التكريتي عميلاً لـ HSBC منذ نحو 30 عاماً، فلم يتلقَّ من البنك سوى عبارة جافّة مفادها أن حسابه بات «خارج رغبتنا للمخاطر». ولا يُلزم القانون البريطاني البنوكَ بتقديم أيّ تفسير إضافي.
لم يقتصر الأمر على التكريتي؛ فقد كتب HSBC إلى زوجته ملاذ شاكر وابنيه (16 و12 عاماً) يُخطرهم بإغلاق حساباتهم أيضاً.
قال حين شرعت في التحقيق، اكتشفت أن مؤسسات إسلامية وشخصيات مسلمة ناشطة أخرى تعرّضت للمصير ذاته، من بينها مسجد Finsbury Park في شمال لندن. عرضت القصة على Daily Telegraph فرفضت نشرها. والمفارقة اللافتة أنه حين سُحب حساب السياسي اليميني المتطرف Nigel Farage من NatWest في ظروف مماثلة، حوّلت الصحيفة القضية إلى قصة رأي أولى استمرّت أياماً متتالية.
لذا تعاونت مع الصحفية البارعة في BBC، Anna Meisel، للكشف عن الحقيقة. اصطدمنا في البداية بجدار من الصمت، إذ رفض HSBC الإفصاح عن أسباب إغلاق الحسابات. ثم اطّلعنا على قاعدة بيانات سرّية تُعرف بـ World-Check، تستخدمها كبرى البنوك العالمية وتمتلكها مجموعة Thomson Reuters المتخصّصة في المعلومات المالية.
تصنيف الإرهاب
في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، باتت البنوك ملزمة بالتحقّق من هويّات عملائها، وتقع عليها مسؤولية قانونية إن تورّط أيٌّ منهم في تمويل الإرهاب أو غسيل الأموال. ولتفادي هذه المخاطر، تعتمد البنوك اعتماداً كبيراً على قواعد بيانات من قبيل World-Check.
الصحفيون لا يملكون حقّ الوصول إلى هذه القاعدة، غير أن عميلاً يحمل تحفّظات جدّية على البرنامج أتاح لنا الاطّلاع عليه. وحين فتحنا الملف، رأينا كلمة «إرهاب» مطبوعة بالأحمر الداكن مباشرةً فوق اسم Cordoba Foundation. وقد استندت World-Check في هذا التصنيف إلى الإمارات العربية المتحدة التي أدرجت المؤسسة على قائمتها المحظورة.
الإمارات، وهي إحدى دول الخليج الأصغر حجماً، تجد نفسها في قلب اتهامات تتعلق بغسيل الأموال، فضلاً عن انتقادات موثّقة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان بما فيها التعذيب. وتجري أبوظبي على عادة راسخة في وصف خصومها السياسيين بالإرهاب، كما فعلت مع Cordoba Foundation. والأكثر خطورةً أن الإمارات وُجّهت إليها مؤخراً اتهامات بدعم ميليشيا قوات الدعم السريع التي ارتكبت مجازر راح ضحيّتها عشرات الآلاف من المدنيين السودانيين.
وهذا الأسبوع، تكشّف أن تصنيف الإرهاب لم يكن الأداة الوحيدة التي وظّفتها الإمارات ضدّ التكريتي. فقد كشف تحقيق قناة ITV أن أبوظبي استأجرت عميلاً مرتزقاً لتنفيذ عملية مراقبة سرّية ضدّه داخل الأراضي البريطانية.
هذا أمر بالغ الخطورة. التكريتي مواطن بريطاني. ومن البديهي أن كلّ من يتورّط في الإرهاب يجب أن تتولّى السلطات البريطانية اعتقاله ومحاكمته. لكن لا يوجد دليل واحد ضدّ التكريتي، سوى أنه كان خصماً سياسياً للإمارات وداعماً صريحاً للربيع العربي. وبالمنطق ذاته، تقع على السلطات البريطانية مسؤولية حماية مواطنيها من الاستهداف الأجنبي. وهذا التحقيق يطرح أسئلة ملحّة لا يمكن للحكومة البريطانية التهرّب منها.
فرصة للبداية من جديد
يوم الخميس، أفاد التكريتي في حديثه لـ Areeb Ullah من بأن الشرطة زارت منزله قبل عشر سنوات لتسليمه إشعار Osman وهو إجراء لا يُتّخذ إلا حين تتوفّر لدى الشرطة أسباب جدّية للاعتقاد بأن الشخص في خطر داهم. لكن حين طالب التكريتي بمعرفة هويّة الجهة المهدِّدة وما إذا كان ينبغي له مغادرة مكان إقامته، رفضت الشرطة الإجابة.
أكّد التكريتي أنه لم توجَّه إليه أيّ اتهام ولم يُستجوَب قطّ، وأنه قضى حياته ملتزماً بالقانون البريطاني. ومع ذلك، حين واجه دليلاً على أن دولة أجنبية تهدّد حياته، لم تُقدَّم له أيّ حماية.
ردّاً على هذه التطوّرات، كتب Andreas Krieg، الأكاديمي المقيم في لندن والمتخصّص في الشأن الإماراتي، على منصة X: «خصومنا روسيا والصين يقتصران على قمع مواطنيهم في الخارج. أمّا أبوظبي فتمدّ القمع العابر للحدود ليطال الرعايا الأجانب والمنتقدين في الخارج.»
وأضاف في تغريدة أخرى: «بوصفي أكاديمياً تعرّضت لسنوات لمضايقات إماراتية ممنهجة في المملكة المتحدة مراقبة، ورسائل من سفاراتهم ومحاميهم فإن هذا يجعلني أفكّر في سلامتي وسلامة عائلتي.»
وخلص Krieg إلى القول إن «هذا السلوك الدولة المارقة» ينبغي أن يُسقط عن الإمارات صفة «الشريك الموثوق للمملكة المتحدة». بيد أن الحكومة البريطانية تعدّ الإمارات من أوثق حلفائها، وهو ما لا يصعب فهمه.
فالإمارات هي أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة في الشرق الأوسط، ومستثمر ضخم في الاقتصاد البريطاني، يتجلّى ذلك بجلاء في ملكيّتها لنادي Manchester City الشهير. وحين واجهت الحكومة البريطانية اتهامات بالتواطؤ في الإبادة الجارية في السودان، لم يكتفِ الوزراء بالامتناع عن إدانة الإمارات، بل عجزوا حتى عن ذكر اسمها في هذا السياق.
هذا موقف لا يُمكن وصفه إلا بأنه إخفاق أخلاقي صريح. أمام Andy Burnham، رئيس الوزراء الجديد، فرصة حقيقية للبدء من نقطة مختلفة. لقد آن الأوان لأن تسأل بريطانيا نفسها بصدق: هل الإمارات فعلاً الحليف الذي تريده؟.
أخبار ذات صلة

إيران تتوعّد بمواجهة تدخّل الأعداء الأجانب مع تهديدات ترامب بعقوباتٍ جديدة

الولايات المتحدة تتوعّد إيران بعقوباتٍ جديدة والأسعار تقفز

حكومة كولومبيا اليمينية تلغي متطلبات التأشيرة لإسرائيل
