الإبادة المعرفية في الجامعات الإيرانية
تتعرض الجامعات الإيرانية لضربات إسرائيلية وحشية، مع تدمير أكثر من 30 مؤسسة أكاديمية. المقال يستعرض الإبادة المعرفية التي تسعى لمحو الهوية العلمية والثقافية، ويكشف عن الأبعاد الإنسانية والسياسية لهذه الجرائم.

حين تخرج صحيفة The New York Times لتُغطّي ضربةً إسرائيلية وحشية استهدفت جامعات إيرانية، فكما يُقال بالفارسية: "الشوربة بلغت من الملوحة حدّاً لا يستطيع معه الطاهي إنكاره". لكنّ المسألة، كما هي دائماً، ليست في أن تعترف الصحيفة المسمّاة "سجلّ الأحداث" بالحقيقة بل في كيفية تدجين الوقائع وتلطيف صورة الوحشية الإسرائيلية حين تُولّد ردود فعل سلبية.
تقول الصحيفة إنّ "مسؤولين حكوميين وناشطين معارضين على حدٍّ سواء أدانوا الهجمات على جامعة Sharif University of Technology في طهران، آخر المراكز الأكاديمية الإيرانية التي تُستهدف." هذه الصياغة خبيثة في حدّ ذاتها. تدمير مؤسسة أكاديمية كبرى ليس قضيةً تُصاغ عبر الثنائية المعتادة التي تفرضها الصحيفة على الشأن الإيراني: مع الحكومة أم ضدّها. قصف حرم جامعي في إيران أو فلسطين أو لبنان فعلٌ بربري بصرف النظر عن الانقسامات السياسية الداخلية لأيّ بلد.
صحافةٌ أكثر مسؤولية بكثير ممّا تدّعيه وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى وثّقت ما يجري على حرم الجامعة لإيرانية بدقّة أعمق. رصد تقريرٌ موثوق أنّ "نحو 30 جامعة تعرّضت للقصف، فيما يصف الأكاديميون الإيرانيون والطلاب ما يحدث بأنّه محاولة لمحو السيادة والاستقلالية التكنولوجية."
ومن يحرص على تقديم السياق يُعلمنا أنّ Sharif University of Technology، التي كثيراً ما يُشبّهها المختصون بـ MIT الأمريكية، مؤسسةٌ عمرها عقود، وتُعدّ واحدة من أبرز كليات الهندسة في غرب آسيا. ومن بين خرّيجيها مريم ميرزاخاني، التي أصبحت عام 2014 أوّل امرأة وأوّل إيرانية تنال جائزة Fields Medal، أرفع تكريم في الرياضيات. هذا ما تبدو عليه الصحافة المسؤولة.
هل يعرف محرّرو وقرّاء The New York Times المتعاطفون مع إسرائيل من كانت مريم ميرزاخاني أصلاً؟ هذه المنابر لا تشتغل على تثقيف قرّائها، بل على صون جهلهم المُنظَّم.
منابر إخبارية موثوقة أخرى تقصّت الأمر بعمق أكبر وأكّدت ما أوردته التقارير. نقلت إحداها عن وزارة العلوم والتكنولوجيا الإيرانية قولها إنّ "ما لا يقلّ عن 30 جامعة تعرّضت للقصف منذ بداية الحرب."
بتنا الآن أمام ما يُسمّيه الباحثون "الإبادة المعرفية" (Epistemicide): مستوطنة إسرائيلية، تحظى بدعم صهاينة إباديين كـ Miriam Adelson وسياسيين مأجورين كالرئيس الأمريكي Donald Trump، تسعى إلى محو منظومة أكاديمية وعلمية تمتدّ جذورها إلى أكاديمية جنديسابور في القرن السادس الميلادي إبّان الحقبة الساسانية تلك التي تحمل اسمها اليوم جامعة جنديسابور في مدينة الأهواز.
الاشمئزاز العالمي من كلمة "إسرائيل" له أسبابٌ كثيرة. هذا واحدٌ منها فحسب.
وسرعان ما اضطرّت وسائل الإعلام الإسرائيلية ذاتها إلى الاعتراف بحجم الجريمة. إذ نقلت The Times of Israel أنّ إيران تعتزم تحويل مبنى جامعة Isfahan University of Technology المُدمَّر إلى متحف. وبحلول ذلك الوقت، كانت القضية قد انتشرت عالمياً، وكانت University World News توثّق بدورها الدمار الجنائي الذي تواصل إسرائيل إلحاقه بالمؤسسات والمجتمعات في المنطقة.
الإبادة المعرفية
بحلول مطلع أبريل 2026، كانت أكثر من 30 جامعة ومركزاً بحثياً إيرانياً قد تعرّض للتدمير أو الإتلاف جرّاء الضربات الإسرائيلية، بدعم من Jared Kushner، صهر Trump والصهيوني المتعصّب الذي يواصل جني المكاسب السياسية والمالية من تصعيد الحرب على إيران.
تشمل المؤسسات التي حدّدتها إسرائيل واستهدفتها، وفق ما أُفيد، كلٌّ من Sharif University of Technology و IsfahanUniversity of Technology وShahid Beheshti University. وأشارت تقارير أخرى إلى أنّ Shiraz University و Urmia University طالهما القصف أيضاً. والتوثيق الأكثر تفصيلاً وهذا ليس مفاجئاً متاحٌ بالفارسية من داخل إيران نفسها.
استُهدفت مرافق البحث العلمي والمختبرات والمباني الإدارية والفصول الدراسية وقاعات المحاضرات والمساجد وسائر دور العبادة بالقصف الإسرائيلي، فيما حرّك اللوبي الإسرائيلي سياسيين فاسدين كـ Lindsey Graham وTed Cruz لدعم هذا الاعتداء على الرغم من معارضة الأغلبية الساحقة من الأمريكيين له.
فلماذا استُهدفت كلّ هذه الجامعات الإيرانية في هذا الهجوم الواسع على مؤسسات التعليم العالي؟
الأسباب متعدّدة. الجامعات حواضنُ للبحث العلمي والمعرفة، وهي البنية التحتية العلمية لأيّ مجتمع متين. والجامعات الإيرانية كنظيراتها في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا والولايات المتحدة فضاءاتٌ تُنجَز فيها أعمالٌ رائدة في الطبّ والهندسة والعمارة والفنون والعلوم الاجتماعية والإنسانية.
إسرائيل وليس Netanyahu وحده لا تريد لمثل هذه المؤسسات أن تزدهر في مجتمعات صحية حولها. هدفها اختزال العالم المحيط بدولتها الحصن إلى البربرية ذاتها التي نشأ منها الصهيونية الإبادية.
وبتأييدٍ صاخب من الأغلبية الساحقة للإسرائيليين، دمّر جيشهم الجبان مؤسسات مماثلة للتعليم العالي في فلسطين ولبنان، ويهدّد علناً بفعل الشيء ذاته في أماكن أخرى ربّما تركيا وباكستان.
يريدون رؤية العالم من حولهم أطلالاً، كي تواصل دولتهم الحصن تلك المستوطنة، آخر إرث الوحشيات الأوروبية على هذا الكوكب هيمنتها على المنطقة من خلال الدمار.
انظر إلى وجوه Itamar Ben-Gvir و Bezalel Smotrich وNetanyahu وNaftali Bennett وIsrael Katz وDanny Danon وسواهم وهم يرتكبون هذه الجرائم.
هذه هي إسرائيل. هذه هي الهدية الأخيرة للبربرية الأوروبية التي أُلقيت على عالمنا.
الحرم الجامعي ساحةَ ترهيب
تخيّل لو بدأت إسرائيل تقصف كبريات الجامعات في أوروبا والولايات المتحدة. كيف سيتفاعل الأوروبيون والأمريكيون لو طالت القنابل الإسرائيلية Oxford و Cambridge وColumbia وHarvard وUniversity of Chicago وStanford؟
تظنّ أنّ هذا لن يحدث؟ لماذا؟ هنا يكمن الجوهر.
الصهاينة الإسرائيليون والمتعاطفون معهم يشنّون هجماتهم على هذه الجامعات منذ عقود، وبشراسة متصاعدة في السنوات الأخيرة ليس بالقنابل بعد، بل بالتشهير والترهيب والملاحقة الرقمية (Doxing) ودعاوى قضائية بملايين الدولارات والصحافة الصفراء وحملات لا تهدأ لإسكات كلّ صوت ناقد لوحشية إسرائيل الإبادية.
هم يُقصفون هذا الحرم الجامعي سياسياً وفكرياً بالفعل.
ما هو Project Esther الذي تروّج له The Heritage Foundation إن لم يكن محاولةً لتفجير الجامعات الأمريكية سياسياً وفكرياً بثّ الخوف والترهيب والصمت في أرجاء الحرم الجامعي حتى لا يجرؤ أحد على توجيه نقدٍ لسلوك إسرائيل البشع؟
ألم يُحرقوا مكتب المفكّر الفلسطيني الأمريكي الراحل Edward Said في جامعة Columbia سعياً لترهيبه وإسكاته؟
إن ظنّ الأمريكيون والأوروبيون أنّ إسرائيل ستقصر هجماتها على الجامعات الفلسطينية واللبنانية والإيرانية، فهم لم ينتبهوا إلى ما يفعله الصهاينة بمؤسساتهم الخاصة.
يكرهون الحقيقة. يكرهون التفكير النقدي. يكرهون الوقائع.
يريدون أن يُغمض العالم عينيه بينما يُذبحون الفلسطينيين ويُدمّرون لبنان ويُسوّون إيران بالأرض ويستولون على الأراضي السورية ويُفقرون الأمريكيين بتوريط رئيسهم في حروب لا تنتهي.
للأسباب ذاتها التي تدفع Trump والصهاينة الإباديين الأمريكيين إلى استهداف الجامعات الأمريكية والتي من أجلها طوّروا Project Esther يُهلّلون أيضاً ويموّلون ويُسلّحون إسرائيل لتدمير الجامعات الإيرانية والفلسطينية.
لـ Project Esther جبهتان: جبهة داخلية تستهدف الجامعات والكليات الأمريكية، وجبهة خارجية تُقصف فيها الجامعات الإيرانية والفلسطينية وتُدمَّر مادياً.
استهداف الجامعات الأمريكية والأوروبية بالرقابة والترهيب والإسكات والتحكّم في المناهج هو المعادل السياسي لتفجير الجامعات الإيرانية والفلسطينية وتحويلها إلى أنقاض.
مواقع المقاومة
الحرم الجامعي الإيراني، كحرم الجامعات في كلّ مكان، ليست مجرّد فضاءات للبحث والمعرفة. إنّها أيضاً مراكز مقاومة في وجه النزعات الشمولية للدولة الساعية إلى إسكات الأصوات المعارضة.
طالما شكّلت التجمّعات الطلابية ونقابات العمال ومنظّمات حقوق المرأة ركائز أساسية في نضالات الإيرانيين من أجل الحريات المدنية. وإسرائيل تخشى هذه الأشكال من الحياة المدنية السياسية المنظّمة، لأنّها تُجسّد إمكانية مجتمع صحي وواعٍ سياسياً.
في ديسمبر ويناير، تسلّل عملاء مجرمون إلى احتجاجات سلمية في إيران وبدأوا يُطلقون النار على المتظاهرين السلميين، وأحرقوا مساجد وأضرموا النار في نسخ من القرآن الكريم.
هذه ليست تعبيرات عفوية عن انتفاضات شعبية من أجل الحريات المدنية. إنّها أفعالٌ مصمَّمة لتخريب تشكّل مجتمع مدني متماسك قادر على مواجهة إسرائيل والصهيونية الإبادية من خلال حكمٍ سياسي منظّم ومشروع.
هذه الحملة على التعليم العالي التي يُسمّيها كثيرٌ من الباحثين "الإبادة الأكاديمية" (Scholasticide) تعكس أيضاً تاريخاً أعمق من الكراهية الإسرائيلية لأيّ ثقافة أكاديمية لا تستطيع هيمنتها عليها — حقداً وضغينةً، لأنّها تفتقر إليها.
الردّ على هذه البربرية ليس الإضرار بأيّ حرم جامعي إسرائيلي. بل العكس تماماً. الردّ هو مقاطعة تلك المؤسسات حتى تفتح أبوابها على قدمٍ من المساواة أمام الفلسطينيين في إسرائيل وفي الأراضي المحتلة كافّة.
لا ينبغي أن يُمسّ حجرٌ واحد أو طالبٌ أو أستاذٌ أو إداريٌّ بأيّ أذى.
هذه المؤسسات بُنيت على أرضٍ فلسطينية وبعمل فلسطيني، على ظهورٍ مُنهَكة لكنّها لم تنكسر، ويجب الحفاظ عليها حتى تُعاد في نهاية المطاف إلى أصحابها الشرعيين: الفلسطينيين يهوداً ومسيحيين ومسلمين وسواهم.
أخبار ذات صلة

تمديد الولايات المتحدة حماية اللاجئين اللبنانيين حتى نوفمبر

رجل يطعن ثلاثة أشخاص في محطة قطار سويسرية في "عملية إرهابية" حسب السلطات

الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي يتوفى عن عمر 80 سنة
