وورلد برس عربي logo

تجمعات إيرانية تعكس الغضب والوطنية

تتواصل التجمّعات الليلية في إيران رغم التحديات، حيث يعبر المواطنون عن ولائهم الوطني وسط مخاوف من تصعيد عسكري. هل تُغيّر الحرب نظرة الإيرانيين للسلطة؟ اكتشفوا كيف تتداخل الوطنية مع الغضب السياسي في الشوارع.

امرأة تحمل صورة لشخصية سياسية إيرانية، بينما ترفع علم إيران في تجمع ليلي حاشد وسط طهران، تعبيراً عن الدعم الوطني.
امرأة تحمل صورة للمرشد الأعلى الإيراني آية الله مجتبى خامنئي خلال تجمع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في طهران بتاريخ 29 مايو 2026 (أ ف ب)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في ساعةٍ متأخّرة من إحدى ليالي مايو، وقف محسن (34 عاماً) وسط حشدٍ تجمّع في قلب طهران، وكان الإحباط واضحاً على ملامحه.

قال: "لماذا نبقى في البيوت؟ حتى يهاجمونا من جديد، ويُرسلوا جنودهم ويحوّلوا إيران إلى سوريا أخرى، أو عراق، أو أفغانستان، أو ليبيا؟"

منذ أن اندلعت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، يقول محسن إنه حرص على حضور أكبر عددٍ ممكن من التجمّعات الليلية المؤيّدة للحكومة الإيرانية. وفي نظره، تُثبت هذه التجمّعات المناهضة لواشنطن وتل أبيب أنّ شريحةً من الإيرانيين لا تنظر إلى هذا الصراع باعتباره معركةً سياسية، بل شأناً يتعلّق بالبقاء الوطني.

وقال: "بالطبع نخرج كلّ ليلة. نريدهم أن يفهموا أننا لن نسمح أبداً لأيّ أجنبي بالدخول إلى هذه الأرض."

بدأت التجمّعات نحو منتصف مارس، ومنذ ذلك الحين يتجمّع الناس كلّ ليلة تقريباً في الميادين الكبرى في أنحاء إيران؛ يرفعون الأعلام الإيرانية، ويهتفون ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل، ويمكثون في الشوارع لساعاتٍ طويلة.

واستمرّت هذه التجمّعات رغم انقطاع الإنترنت على المستوى الوطني، وتواصلت بعد رفع القيود جزئياً.

ولم تُخفِ السلطات دعمها لهذه التجمّعات؛ ففي طهران تحديداً، كثيراً ما تُقطع الشوارع المؤدّية إلى أماكن التجمّع، وتنتشر قوّات الشرطة كلّ ليلة، وتُنصب مكبّرات الصوت والمنصّات قبل وصول الحشود.

تصف وسائل الإعلام الرسمية هذه التظاهرات بأنّها حراكٌ شعبي تلقائي. غير أنّ المنتقدين يرون صورةً مغايرة.

قال حسّام (36 عاماً) من سكّان طهران، إنه توجّه بنفسه إلى عدّة تجمّعات بعد أن شاهد مشاهدها باستمرار على شاشات التلفزيون.

وأضاف: "أردت أن أرى بنفسي ما يجري هناك فعلاً."

ويرى أنّ كثيراً من الحاضرين هم الوجوه ذاتها التي تظهر عادةً في أوقات قمع الاحتجاجات.

وقال: "كثيرٌ منهم أعضاء في الباسيج، أو من المتشدّدين الدينيين، أو المؤيّدين للحرس الثوري. يجوبون الشوارع كلّ ليلة وهم يهتفون بالشعارات، فيما يضطرّ سائر الناس إلى تحمّل الضجيج والفوضى."

ويعتقد حسّام أنّه لو مُنح معارضو الحكومة الحرّيةَ ذاتها للتجمّع العلني، لكانت الحشود أضخم بكثير.

بين الوطنية والغضب السياسي

بيد أنّ ليس كلّ من يحضر هذه التجمّعات على صلةٍ وثيقة بالدولة.

فبالنسبة لبعض الإيرانيين، أربك الخوف من حربٍ أشمل مع الولايات المتحدة وإسرائيل الانقساماتِ السياسية القديمة.

قالت منى (41 عاماً) من طهران، إنّها أمضت سنواتٍ في انتقاد الحكومة، لا سيّما في ما يخصّ الشؤون الداخلية. ومع ذلك، تضيف، تُغيّر الحرب طريقة تفكير كثيرٍ من الناس.

وقالت: "لا ينبغي أن تُخرج خلافات العائلة إلى الشارع. قد يختلف معي البعض، لكنّي أرى فرقاً بين حكومةٍ أضرّت بشعبها، وبين دولٍ أجنبية قد تريد تدمير البلد بالكامل."

حضرت منى التجمّعات نحو 10 مرّات.

وأضافت: "القوى الأجنبية تترك الدمار خلفها وترحل. الديكتاتور قد يضغط على الناس ويُسبّب المعاناة، لكنّه في النهاية إيرانيٌّ. لن يريد أن يرى بلده يُدمَّر."

وأشارت إلى أنّ كثيرين ممّن حولها يستحضرون المشهد الإقليمي الأوسع ويشعرون بقلقٍ عميق ممّا قد تُفضي إليه حربٌ جديدة.

وقالت: "انظروا إلى غزة، ولبنان، وسوريا. الناس يرون ما جرى هناك."

"شوارع"

في الأسابيع الأخيرة، أشاد المسؤولون الإيرانيون مراراً بهذه التجمّعات.

وفي بيانٍ مكتوب نُشر في 9 أبريل، دعا المرشد الأعلى الجديد لإيران مجتبى خامنئي المؤيّدين إلى الاستمرار في الحضور الفاعل في الفضاء العام، مؤكّداً أنّ المفاوضات الجارية مع واشنطن لا ينبغي أن تُفسَّر على أنّها مسوّغٌ للانسحاب من الشوارع.

وكتب: "حضور الناس في الشوارع صنع ملحمةً جديدة. قد تتواصل المفاوضات، لكن لا ينبغي للناس أن يظنّوا أنّ وجودهم في الشوارع لم يعد ضرورياً."

وقد فُسّرت هذه الرسالة على نطاقٍ واسع بوصفها محاولةً للحفاظ على التعبئة الشعبية، في حين تتواصل الاتصالات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة خلف الكواليس.

كما حثّ محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان والمفاوض الإيراني الرئيسي في المحادثات مع واشنطن، المؤيّدين على مواصلة التجمّع.

وكتب في تغريدةٍ على X بتاريخ 11 مارس: "أيّها الشعب الإيراني العزيز، حضوركم في الشوارع أربك العدوّ. لهذا الجندي المتواضع ثلاثة مطالب: شوارع، شوارع، شوارع."

ولا تزال هذه الرسالة تحتفظ بثقلها لدى المؤيّدين.

"لقد سرقوا راحتنا"

قال حسين (25 عاماً)، طالب الهندسة، إنّه فقد حساب الليالي التي أمضاها في هذه التجمّعات.

وقال: "أصبح جزءاً من روتيننا اليومي. حتى خلال عطلة النوروز، حين سافرنا خارج طهران، انضممنا إلى التجمّعات هناك."

ويرى حسين في المشاركة واجباً وطنياً ودينياً في آنٍ واحد.

وقال: "ما زلنا في حالة حرب. بعض الناس فقدوا أطرافهم أو أرواحهم دفاعاً عن البلد. أنا لا أستطيع حمل السلاح أو تشغيل الصواريخ، لكن على الأقلّ يمكنني إظهار الدعم لهم."

في المقابل، ينظر آخرون إلى هذه التجمّعات نظرةً مختلفة تماماً.

يقول مسعود (62 عاماً) من سكّان وسط طهران، إنّ أشهراً من التجمّعات الليلية المتواصلة أنهكت المقيمين في المنطقة.

وقال: "لقد سرقوا راحتنا. كلّ ليلة الأمر ذاته: مكبّرات صوت، وهتافات، وشوارع مقطوعة. مجموعةٌ من الناس تتجمّع في الخارج بينما لا يستطيع بقيّتنا النوم أو العيش بصورةٍ طبيعية."

وأضاف: "نحن أيضاً بشر. ألا نستحقّ بعض الهدوء والراحة؟ ماذا فعلنا حتى نُحرم من النوم كلّ ليلة بسبب هذا؟"

توتّراتٌ متصاعدة حول المفاوضات

كشفت هذه التجمّعات أيضاً عن انقساماتٍ داخل التيّار المحافظ الإيراني، لا سيّما في ما يتعلّق بالمفاوضات مع الولايات المتحدة.

فرغم أنّ خامنئي أبدى دعمه العلني للجهود الدبلوماسية التي يقودها قاليباف، تواصل الفصائل المتشدّدة هجومها على أيّ شكلٍ من أشكال التواصل مع واشنطن.

قال مهدي (29 عاماً)، عضو الباسيج وهو ميليشيا شبه عسكرية تطوّعية من غرب طهران، إنّه يعارض هذه المحادثات بشدّة.

وقال: "مرشدنا الشهيد قال مراراً إنّ التفاوض مع أمريكا محرَّم"، في إشارةٍ إلى المرشد الأعلى السابق علي خامنئي الذي لقي حتفه في اليوم الأوّل من الحرب.

وكغيره من أبناء التيّار الأصولي، يرى مهدي أنّ التجمّعات ينبغي أن تحمل رسالةً أيضاً إلى المسؤولين الإيرانيين المنخرطين في الدبلوماسية.

وقال: "إن أراد قاليباف أن يلقى المصير ذاته الذي لقيه الرئيس الأسبق حسن روحاني و وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، فليواصل هذه المفاوضات. لكنّ شباب حزب الله لن يسمح بأن يُنسى مسار مرشدنا." (في إيران، يُستخدم مصطلح "حزب الله" من قِبَل الناشطين المتشدّدين والمؤيّدين للمؤسسة الحاكمة للإشارة إلى أنفسهم.)

وفي الأسابيع الأخيرة، باتت هذه الانقسامات يصعب إخفاؤها حتى داخل التيّار المحافظ نفسه.

ففي رسالةٍ نُشرت في 28 مايو، أثنى مجتبى خامنئي على قاليباف، محذّراً في الوقت ذاته الفصائل السياسية من تعميق الانقسامات الداخلية.

وكتب: "الوحدة أكثر ضرورةً من أيّ وقتٍ مضى. لا تحوّلوا الخلافات إلى صراعٍ وانقسام."

وفسّر كثيرٌ من سكّان طهران هذه الرسالة بوصفها تحذيراً موجَّهاً إلى الأصوليّين الذين لا يزالون يرون أنّ المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ينبغي أن تتواصل عبر التصعيد العسكري لا الدبلوماسية.

أخبار ذات صلة

Loading...
تشكيلة المنتخب الإيراني لكرة القدم قبل مباراة كأس العالم 2026، حيث يرتدي اللاعبون زيهم الرسمي ويظهرون في ملعب.

فريق إيران لكأس العالم يحصل على تأشيرات أمريكية لكن موظفون يُمنعون من الدخول

تستعد إيران لخوض غمار كأس العالم 2026، لكن أزمة التأشيرات تهدد مشاركة طاقمها الإداري. هل سينجح المنتخب في تجاوز هذه العقبات؟ تابعوا التفاصيل المثيرة حول هذه التحديات!
سياسة
Loading...
كيم جونغ أون يتحدث خلال عرض عسكري، مؤكدًا على أهمية تطوير البحرية النووية في كوريا الشمالية، مع التركيز على المدمّرة "كانغ كون".

كيم يعرض سفينة حربية جديدة قبل زيارة شي جين بينج

في مشهدٍ يتأرجح بين القوة العسكرية والدبلوماسية، يسعى كيم جونغ أون لتسريع بناء البحرية النووية لكوريا الشمالية. هل ستؤثر هذه التحركات على التوازن الإقليمي؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في مقالنا.
سياسة
Loading...
محتجون يجلسون تحت خيمة، يتناولون الطعام بجانب خيام ملونة، بينما يواصلون احتجاجاتهم في مكسيكو سيتي قبل كأس العالم.

احتجاجات في مكسيكو سيتي تستغل احتفالات كأس العالم للضغط على الحكومة

بينما تستعد المكسيك لاستقبال كأس العالم، تتصاعد الاحتجاجات من أجل حقوق المفقودين والمعلمين، مما يحول الحدث إلى منصة للضغط الشعبي. هل ستستجيب الحكومة لمطالب الشعب؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في مقالنا.
سياسة
Loading...
امرأة تحمل لافتة مكتوب عليها "إبادة جماعية" تظهر فيها صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال احتجاج ضد الحرب على غزة.

الآراء السلبية تجاه إسرائيل تتصاعد في 36 دولة منذ الحرب الإيرانية

تتزايد النظرة السلبية تجاه إسرائيل ورئيس وزرائها، حيث أظهر استطلاع حديث أن 67% من البالغين في 36 دولة يحملون آراء سلبية. تعرف على تفاصيل هذه النتائج وكيف تؤثر الأحداث العالمية على هذه الآراء. اقرأ المزيد الآن!
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية