العراق بين واشنطن وطهران تحديات وإصلاحات جذرية
في ظل توازن دقيق بين واشنطن وطهران، يسعى العراق لإصلاح مؤسساته وتنويع مصادر الطاقة ونزع سلاح الميليشيات لتعزيز استقلاليته الاقتصادية والسياسية مع رهانات على تسوية أمريكية إيرانية جديدة وورلد برس عربي.

في السياسة العراقية، ثمّة نمطٌ متكرّر يستحقّ التأمّل: بغداد تُمسك بخيطين في آنٍ واحد واشنطن من جهة، وطهران من جهة أخرى دون أن تُفلت أيّاً منهما. هذا التوازن الدقيق أبقى العراق في مساحةٍ ضيّقة، أعاقت إصلاحاته المؤسّسية وقيّدت هامش استقلاليّته في السياسة الخارجية. لكنّ جملةً من المتغيّرات المتزامنة باتت تُشير إلى احتمال إعادة رسم هذه المعادلة.
إصلاح مؤسّسي بأبعاد جيوسياسية
منذ توليه رئاسة الوزراء في أبريل، حدّد علي فالح كاظم الزيدي أولويّته الأولى بوضوح: تعزيز مؤسّسات الدولة العراقية عبر برنامج إصلاحي يشمل تحسين وصول العراق إلى النظام المصرفي الدولي، وتطوير قطاع الطاقة، وفرض احتكار الدولة على السلاح.
الزيدي ليس سياسيّاً تقليديّاً؛ فهو مصرفيٌّ سابق، شغل رئاسة مجموعة الوطنية القابضة متعدّدة الجنسيات، ورئاسة مجلس إدارة بنك الجنوب الإسلامي، أحد أبرز المؤسّسات المالية الخاصة في البلاد. هذه الخلفية تُفسّر ربّما التركيز اللافت على الإصلاح المصرفي بوصفه ركيزةً محورية.
ما قد لا يظهر في العنوان هو أنّ هذه الإصلاحات المصرفية التي انطلقت في عهد الإدارة السابقة تحمل بُعداً جيوسياسيّاً غير مُعلَن. يقول حيدر الشاكري، الباحث في تشاتام هاوس: «على الرغم من أنّ هذا ليس الهدف المُعلَن لبغداد، فإنّ إصلاحات القطاع المصرفي تُضيّق القنوات التي تمارس من خلالها إيران والشبكات المرتبطة بها نفوذها».
تنويع شراكات الطاقة
الإشارة الأوضح على التحوّل جاءت خلال زيارة الزيدي الأخيرة لواشنطن، حيث وقّع عشرات الشراكات والاتفاقيات مع شركات أمريكية، من بينها استثماراتٌ في مشاريع الغاز المصاحب التي تُمكّن بغداد من استثمار الغاز المحروق أثناء إنتاج النفط بدلاً من هدره.
هذه المشاريع تخدم هدفاً استراتيجيّاً واضحاً: تقليص الاعتماد على واردات الغاز الإيراني، التي تُغطّي تاريخيّاً نحو 40% من احتياجات العراق من الغاز والكهرباء. إنّه تنويعٌ في مصادر الطاقة، لكنّه في الوقت ذاته إعادة رسمٍ تدريجية لخريطة التبعيات.
ملفّ الأمن: التحدّي الأصعب
إصلاح المنظومة الأمنية يمثّل تحدّياً من طبيعةٍ مختلفة. أعلن الزيدي عن موعدٍ نهائي في 30 سبتمبر لنزع سلاح جميع الميليشيات وإعادة دمجها في مؤسّسات الدولة. لكنّ الشاكري يُشير إلى معضلةٍ هيكلية: «هذه الجهات وشبكاتها السياسية متجذّرة بعمق في البرلمان والحكومة والمؤسّسات الرسمية». بمعنى آخر، حتّى لو جرى نزع السلاح فعليّاً، فإنّ النفوذ لن يتبخّر بالضرورة.
ومع ذلك، حتّى النجاح الجزئي في مركزة السلطة داخل الدولة وهو هدفٌ تسعى إليه الحكومات المتعاقبة منذ عام 2005 سيُمكّن بغداد من تنفيذ إصلاحاتٍ داخلية وانتهاج سياسةٍ خارجية بقدرٍ أكبر من الاستقلالية.
انسحاب التحالف وإعادة تعريف العلاقة مع واشنطن
يُتوقَّع أن يُكمل التحالف بقيادة الولايات المتحدة انسحابه من العراق الاتحادي بحلول 30 سبتمبر الموعد ذاته المحدّد لنزع سلاح الميليشيات. هذا التزامن ليس مصادفة؛ فهو يعكس رؤية بغداد لمرحلةٍ جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة مع واشنطن على أساسٍ اقتصادي بدلاً من الأساس الأمني. وقد وقّع الزيدي خلال زيارته لواشنطن 48 اتفاقيةً اقتصادية وشراكةً مع شركاتٍ أمريكية، مُعرباً عن توقّعه بتنامي الحضور الاقتصادي الأمريكي في البلاد.
لكنّ هذه الشراكات الاقتصادية لن تتقدّم بصورةٍ ملموسة طالما بقي خطر الهجمات على المصالح التجارية الأمريكية قائماً. فقد شاركت ميليشياتٌ عراقية عدّة، من بينها كتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء، في الحرب إلى جانب إيران، ونفّذت وفق مسؤولٍ رفيع في وزارة الخارجية الأمريكية نحو 600 هجوم على المصالح الأمريكية في العراق خلال فترة الحرب، طالت المنشآت الدبلوماسية والعسكرية والبنية التحتية للطاقة.
الرهان على التسوية الأمريكية-الإيرانية
هنا تتجلّى الإشارة الأضعف والأكثر أهمّيةً في الوقت ذاته: مسار الإصلاح العراقي بأكمله من نزع السلاح إلى تعميق الشراكات الاقتصادية مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بمآلات الملفّ الأمريكي-الإيراني.
مذكّرة التفاهم الموقَّعة في يونيو، التي تتضمّن رفع العقوبات الأولية والثانوية عن إيران، تفتح أمام بغداد إمكانيةً لإدارة علاقاتها مع طهران الثقافية والاقتصادية والسياسية عبر قنواتٍ رسمية. فالتبادل التجاري بين البلدين يبلغ نحو 12 مليار دولار سنويّاً، وثمّة تعاونٌ واسع في السياحة الدينية والرعاية الصحية والقطاع المصرفي.
تقول زهراء الباشاجي، الاقتصادية العراقية: «رفع العقوبات سيكون له تداعياتٌ تتجاوز الطاقة والتجارة. قد يُعيد لإيران إمكانية الوصول إلى المقاولين والمؤمّنين والتمويل الدوليين، ممّا يُتيح للمشاريع المتعثّرة منذ سنواتٍ أن تتحرّك». وتضرب مثلاً بمشروع سكّة حديد شلامجة-البصرة: «رغم خمس مذكّرات تفاهم منذ عام 2011، لم يتقدّم المشروع، وهو ما يُشير إلى قيودٍ هيكلية لا إلى غياب الإرادة السياسية».
على صعيدٍ أبعد مدىً، تشير مصادر إيرانية وعراقية محلية نقلتها وسائل إعلام إقليمية إلى أنّ الزيدي طرح على المسؤولين الإيرانيين خلال زيارته لطهران فكرةَ «فرص أعمال ثلاثية بين إيران والعراق والولايات المتحدة». وهو ما يُمكن أن يُحوّل بغداد إلى ما وصفه مستشارٌ للرئيس الوزراء بـ«بوّابة إيران نحو الغرب».
ثلاثة سيناريوهات
الأرجح: تحقيق تقدّمٍ جزئي على صعيد الإصلاح المؤسّسي والمصرفي، مع تعثّرٍ في ملفّ نزع السلاح نظراً لعمق تجذّر الميليشيات في المنظومة السياسية، وتوسّعٍ محدود في الشراكات الاقتصادية مع واشنطن.
المحتمل: أن تُفضي التسوية الأمريكية-الإيرانية إلى تسريع الإصلاحات الأمنية وفتح فضاءٍ أوسع للشراكات الاقتصادية الثلاثية، ممّا يُعزّز موقع بغداد كوسيطٍ إقليمي.
الأقلّ احتمالاً: انهيار مسار التسوية وعودة التصعيد، ممّا سيُعيد بغداد إلى مربّع التوازن الدقيق ذاته لكن في ظروفٍ أكثر تعقيداً.
في نهاية المطاف، ما يُحدّد أيّ هذه المسارات سيتحقّق ليس فقط ما تفعله بغداد، بل ما ستُقرّره واشنطن وطهران بشأن مستقبل علاقتهما. العراق، كما كان دائماً، يقع في قلب هذه المعادلة — لكنّه ليس المتحكّم الرئيسي فيها.
أخبار ذات صلة

المغرب يسمّي طريقاً سريعة في الصحراء الغربية باسم ترامب

ليندسي غراهام: الحرب بقناع الود والبساطة

لوكسمبرغ تُنهي دعمها لسندات الحرب الإسرائيلية
