تحديات بورنهام بين السياسة الداخلية والصراع الدولي
رئيس الوزراء البريطاني الجديد أندي بيرنهام يواجه تحديات خارجية مبكرة بسبب تصاعد الصراع الأمريكي الإيراني ويوازن بين دعم الحلفاء الخليجيين وضغط ترامب مع الحفاظ على مواقف بريطانيا في مواجهة التوترات الإقليمية ووجهات نظر الداخل. وورلد برس عربي

وجد رئيس الوزراء البريطاني الجديد Andy Burnham نفسه، في أولى أسابيع توليه المنصب، أمام اختبارٍ لم يكن يتمنّاه: فقد كانت خطّته أن يُركّز حكومته على الملفّات الداخلية، غير أنّ التصعيد الحادّ في الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران أجبره على الانخراط في السياسة الخارجية قبل أن تستقرّ قدماه في Downing Street.
قبيل توليه رئاسة الوزراء، أطلق Burnham إشاراتٍ واضحة بأنّه سيُمثّل قطيعةً مع نهج سلفه Keir Starmer في السياسة الخارجية؛ إذ اعتذر عن الدعم الأوّلي لحزب العمّال لحرب إسرائيل على غزة، وأعلن أنّ حكومته ستدرس حظر البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية. وقد فُسِّرت هذه التصريحات على نطاقٍ واسع بوصفها محاولةً مقصودة لاستعادة الناخبين الذين أعرضوا عن حزب العمّال بسبب مواقفه من غزة.
بيد أنّ اندلاع المواجهة من جديد بين الولايات المتحدة وإيران اضطرّ Burnham و وزير خارجيته الجديد Ed Miliband إلى اتخاذ قراراتٍ عاجلة بشأن كيفية التعامل مع هذه الحرب.
في ليلة الأحد، أجرى Burnham اتصالاتٍ هاتفية بقادة الحلفاء الخليجيين لبريطانيا. وفي محادثة مع رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، شكر رئيس الوزراء البريطاني نظيره الإماراتي على دعمه للمواطنين البريطانيين البالغ عددهم 200,000 شخص المقيمين في البلاد خلال فترة النزاع. كما تحدّث مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وأثنى على الشراكة الدفاعية بين البلدين، التي شهدت دفاع الطائرات البريطانية عن قطر في مواجهة الضربات الصاروخية الإيرانية في فبراير ومارس الماضيين. وفي اتصالٍ ثالث، أكّد Burnham لأمير الكويت الشيخ مشعل أنّ المملكة المتحدة تقف إلى جانب الكويت في مواجهة الضربات الإيرانية.
الهاجس الأكبر: العلاقة مع Trump
يبقى الشغل الشاغل لـ Burnham هو علاقته مع الرئيس الأمريكي Donald Trump. فقد وقع خلافٌ بين Trump وسلفه Starmer في وقتٍ سابق من هذا العام، بعد أن تأخّر الأخير في السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية لشنّ ضربات على إيران، فردّ عليه الرئيس الأمريكي بموجةٍ من السخرية والانتقادات المتواصلة على منصّات التواصل الاجتماعي.
غير أنّ استطلاعاً أجرته YouGov الأسبوع الماضي كشف أنّ غالبية البريطانيين تعارض السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية لشنّ هجمات على مواقع الصواريخ الإيرانية. وبالتالي، كان على Burnham أن يختار بين إغضاب Trump وتحمّل تبعات الخلاف مع البيت الأبيض في بداية ولايته، أو الخروج على الرأي العام البريطاني.
في نهاية المطاف، اختار Burnham مواصلة نهج Starmer، والسماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة RAF Fairford العسكرية في Gloucestershire لشنّ هجوم على مواقع الصواريخ الإيرانية.
قمّة حول مضيق هرمز
يرى منتقدوه أنّ Burnham أخفق في أوّل اختبارٍ حقيقي له أمام Trump، وإن كان قد رفض في مقابلةٍ نهاية الأسبوع التصريح بأنّه يثق بالرئيس الأمريكي، مؤكّداً أنّه سيُعلن معارضته له حين يرى ذلك ضرورياً.
أتاح قرار Burnham له تفادي الاصطدام بـ Trump، لكنّه في الوقت ذاته فتح الباب أمام تعقيداتٍ من نوعٍ آخر. فالحكومة البريطانية تصف الضربات الأمريكية على مواقع الصواريخ الإيرانية بأنّها «دفاعية»، وتؤكّد أنّ بريطانيا غير منخرطةٍ في أيّ عملٍ عسكري هجومي ضدّ إيران. أمّا طهران، فترى الأمر بعيونٍ مختلفة تماماً.
في نهاية الأسبوع الماضي، اتّهم الحرس الثوري الإيراني (IRGC) المملكةَ المتحدة بأنّها «شريكة» للولايات المتحدة، وأعلن اعتباره القواعدَ البريطانية أهدافاً مشروعة. ردّ وزير الدفاع البريطاني الجديد Wes Streeting بالتأكيد على أنّ بريطانيا «مستعدّة للردّ على أيّ هجمات تشنّها إيران ضدّ هذا البلد أو حلفائنا، وسنواصل ذلك»، مشدّداً في الوقت ذاته على أنّ بلاده «لم تنضمّ ولن تنضمّ إلى أيّ عملٍ عسكري هجومي أمريكي في إيران». وأضاف: «هذه منطقةٌ لم نتّفق فيها مع الولايات المتحدة. لكن فيما يخصّ تأمين حرية الملاحة البحرية وحركة الشحن التجاري عبر مضيق هرمز، فنحن متوافقون تماماً».
وبحسب ما أُفيد، طلب وزير الدفاع الأمريكي Pete Hegseth خلال اتصالٍ مع Streeting نهاية الأسبوع أن تستضيف لندن قمّةً لتشكيل تحالفٍ بحري متعدّد الجنسيات لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز، مُبدياً استعداده للمشاركة فيها. وكانت الدول الأوروبية قد أبدت حتى الآن تحفّظاً على المشاركة في أيّ جهودٍ لإعادة فتح هذا الممرّ الحيوي، خشيةَ أن يُعمّق ذلك انخراطها في النزاع.
ما يعنيه هذا للسياق الأوروبي: موقف حكومة Starmer كان يقضي بإرسال أصولٍ بحرية إلى المضيق فقط بعد التوصّل إلى وقفٍ دائم لإطلاق النار. أمّا Streeting، فقد أعلن نهاية الأسبوع أنّ المملكة المتحدة مستعدّة لقيادة مهمّةٍ بحرية «حين تكون الظروف مناسبة».
انتقاداتٌ من اليسار
لا يزال مصير القمّة المقترحة غامضاً، لكنّ حكومة Burnham قد تجد صعوبةً في مقاومة الضغوط الأمريكية لتعميق انخراطها في الحرب إذا تصاعدت الأعمال العدائية. وفي حال حدث ذلك، ستجد الحكومة نفسها في مرمى انتقاداتٍ إضافية من حزب الخُضر، الذي يعارض السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية لمهاجمة إيران.
قال زعيم حزب الخُضر Zack Polanski يوم الأحد: «الحرب غير المشروعة في إيران ينبغي أن تفعل ما هو أكثر بكثير من مجرّد 'إثارة القلق' لدى Andy Burnham. وإذا كان لا يتحفّظ — فمتى سيُخبر Donald Trump بأنّ المملكة المتحدة لا تريد أيّ علاقةٍ بهذه الحرب، ويحظر على الجيش الأمريكي التواجد على الأراضي البريطانية؟»
يواجه Burnham أيضاً خطر استفزاز كثيرٍ من نوّاب حزب العمّال على المقاعد الخلفية ممّن دعموا ترشّحه لرئاسة الوزراء، وهم يضغطون عليه بالفعل لاتخاذ موقفٍ أكثر حزماً تجاه إسرائيل. فالأسبوع الماضي، طالب 80 عضواً في البرلمان ومجلس اللوردات، من بينهم عددٌ كبير من أعضاء حزب العمّال، بأن يعترف Burnham بأنّ ما تقوم به إسرائيل في غزة يُشكّل إبادةً جماعية، وأن يفرض عقوباتٍ على إسرائيل ويحظر التجارة التي تدعم المستوطنات الإسرائيلية غير المشروعة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ Streeting نفسه كان قد اتّهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب بشكلٍ سرّي العام الماضي حين كان وزيراً للصحة في حكومة Starmer، وأيّد فرض عقوباتٍ عليها. وهو الآن يتعرّض لضغوطٍ لتعليق الاتفاقية العسكرية السرية طويلة الأمد بين بريطانيا وإسرائيل.
في هذا السياق، قال Chris Doyle، مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني: «أعتقد أنّ رئيس الوزراء Burnham سيواصل نهجاً مشابهاً لسلفه، أي أنّه لن يرغب في انخراط القوات البريطانية بشكلٍ فعلي في أيّ حربٍ على إيران، وسيستمرّ في السماح باستخدامٍ محدود لقاعدتَي RAF Fairford وDiego Garcia». وأضاف Doyle بشأن الدور البريطاني المحتمل في هرمز: «ربّما يكون ثمّة دورٌ ما في مجال إزالة الألغام والمرافقة بصفةٍ دفاعية بحتة، لكن ليس دوراً هجومياً. أعتقد أنّ هذا هو الخطّ الذي سيرسمونه».
في المحصّلة، يبدو أنّ التصعيد في منطقة الشرق الأوسط سيُشكّل صداعاً حقيقياً للحكومة البريطانية التي لا تريد أيّ انخراطٍ في هذا النزاع، لكنّها لا تستطيع تفادي قدرٍ من التورّط فيه مهما حاولت.
أخبار ذات صلة

سياسة الحكومة البريطانية : هل تجنّب المجلس الإسلامي البريطاني حقيقي؟

لندن تسجل انخفاضاً في الجريمة رغم الادعاءات المثيرة على الإنترنت

المملكة المتحدة درست سرّاً تعليق اتفاقية التجارة مع إسرائيل أثناء المجاعة في غزة
