صراع الحق والظلم في قلب الضفة الغربية المحتلة
في قرية تل بالضفة الغربية اقتحم مستوطنون مسلحون الأراضي الفلسطينية ما أدى إلى مقتل فلسطينيين وإسرائيليين. المقال يكشف التناقضات في الروايات ويطرح تساؤلات عن نظامين مختلفين للحقوق وحقيقة العنف المستمر. وورلد برس عربي

ثمّة شيءٌ يكاد يكون مألوفاً في الطريقة التي يحكي بها المجتمع الإسرائيلي قصصه لنفسه.
تقع حادثةٌ ما، وفي غضون دقائق تُوزَّع الأدوار: ضحيةٌ ومعتدٍ، مظلومٌ ومذنب. ولا تُفحص الوقائع بعناية إلا في وقتٍ لاحق، إن فُحصت أصلاً. وبحلول ذلك الوقت، يكون الرأي العام قد أصدر حكمه.
هذا ما جرى يوم الجمعة في قرية تل، القرية الفلسطينية الواقعة جنوب غرب نابلس في الضفة الغربية المحتلة، حيث أقدم مستوطنون إسرائيليون وجنود على اغتيال أربعة فلسطينيين، وذلك بعد أن اقتحم عشرات المستوطنين المسلحين منازل وأراضي زراعية على أطراف القرية في ساعات الصباح الباكر.
وقد لقي إسرائيليان حتفهما : حارس أمن في مستوطنة وضابط في الجيش.
أشارت العناوين الإسرائيلية الأولى إلى مقتل «مشترك إسرائيلي» في اشتباك مسلح، ثم تتالت في غضون ساعات عبارات «هجوم إرهابي» و«إرهابيون». وبذلك وُضعت القرية بأكملها في قفص الاتهام قبل أن تبدأ أي تحقيق جدّي.
غير أن القصة لم تبدأ بمقتل إسرائيليَّين.
وفقاً لشهود عيان ومقاطع مصوّرة تداولها مستخدمو الإنترنت، دخل المستوطنون المسلحون القرية قادمين من اتجاه Havat Gilad، وهي بؤرة استيطانية إسرائيلية غير شرعية تحمل تاريخاً طويلاً من المواجهات والاعتداءات على التجمّعات الفلسطينية المجاورة. ويبدو في أحد مقاطع الفيديو المتداولة على نطاق واسع مستوطنٌ يسحب سلاحاً نارياً ويهدّد بإطلاق النار.
تشير الروايات إلى أن مواجهةً اندلعت بعد ذلك وتصاعدت حتى أُطلقت الرصاصات المميتة. وقد قدّمت السلطات الإسرائيلية روايةً مغايرة للأحداث. والتناقضات بين الروايتين تؤكّد الحاجة إلى تحقيق مستقل ومعمّق، بدلاً من التسرّع في تبنّي سردية واحدة.
ومع ذلك، بالكاد طُرح سؤالٌ بديهي: ما الذي كان يفعله مستوطنون مسلحون داخل قرية فلسطينية أصلاً؟
هذا السؤال يتحدّى من أكثر المسلّمات ترسّخاً في الخطاب العام الإسرائيلي: أن المستوطنين اليهود يتمتّعون بحقٍّ شبه مطلق في التنقّل عبر التجمّعات الفلسطينية، في حين يُطلب من الفلسطينيين تبرير حقّهم الأساسي في العيش بأمان داخل قراهم.
لم يستيقظ سكّان قرية تل باحثين عن مواجهة. استيقظوا على واقعٍ بات راسخاً في أرجاء الضفة الغربية المحتلة، وثّقته مراراً منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والمراقبون الدوليون: مجموعات مستوطنين مسلّحة تتعدّى على الأراضي الزراعية ومناطق الرعي، وأحياناً على القرى الفلسطينية ذاتها.
ومع ذلك، كلّما انتهى هذا العنف بمأساة، اختفى السياق الأشمل وجُمع كلّ شيء في كلمة واحدة: إرهاب.
لكن الإرهاب ليس تصنيفاً عرقياً.
إذا أرهب مدنيون مسلّحون مجتمعاً مدنياً آخر عبر ترهيبٍ ممنهج بهدف تهجير عائلات من أرضها، فماذا يُسمّى ذلك؟ هل يتغيّر التعريف لمجرّد أن مرتكبي هذه الأفعال يهودٌ؟
نظامان
تخضع الضفة الغربية المحتلة لنظامَي حقوق منفصلَين، والفجوة بينهما أعمق من القانون؛ إنها تفصل بين معيارَين مختلفَين لقيمة الإنسان.
يتمتّع المستوطنون اليهود بحرية تنقّل أوسع، وبحماية أكبر من أجهزة إنفاذ القانون، وفي أحيان كثيرة بإفلات فعلي من العقاب. أما الفلسطينيون، فيجدون أنفسهم في الغالب في موقع المشتبه به قبل أن تُثبت أي وقائع.
كثيراً ما يُستهان بمصطلح «تفوّق يهودي» باعتباره مجرّد شعار. غير أنه في الواقع منظومةٌ حكم تحدّد الهوية الوطنية فيها مستوى الحماية الممنوحة، والحقوق المكفولة، والمفترضات التي يبنيها المجتمع حول البراءة والإدانة.
وقد غدا عنف المستوطنين أداةً من أدوات التطهير العرقي. الحملة اليومية من الترهيب موثّقة بشكل جيّد: التعدّي على الأراضي الخاصة، واقتحام مناطق الرعي، وقطع الطرق، واقتلاع أشجار الزيتون، وحرق المنازل والحقول، والاعتداء على المزارعين والرعاة.
الهدف هو جعل الحياة الطبيعية مستحيلةً حتى يُغادر الفلسطينيون منازلهم وأراضيهم. وحين يرحل الناس لاقتناعهم بأن لا سلطة ستحميهم، فذلك تهجيرٌ قسري.
وفي اللغة الرسمية، يُغسَل كل هذا ليخرج في كلمة بلا دماء: «احتكاك». هذه هي كلمة الجيش الإسرائيلي الملطّفة لوصف العنف المحيط بالبؤر الاستيطانية، كما يُدرج مراقبو الأمم المتحدة بدورهم «تصاعد الاحتكاك» ضمن الضغوط التي تدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم.
والنتائج باتت مرئيةً للعيان. وفقاً لأرقام الأمم المتحدة، تعرّض 117 مجتمعاً فلسطينياً من مجتمعات الرعاة والبدو في الضفة الغربية المحتلة للتهجير الكلّي أو الجزئي جرّاء هجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها منذ مطلع عام 2023، وأُجبر ما يقارب 6,000 شخص على ترك منازلهم.
سمّوا الأمر بما هو عليه: تهجيرٌ ممنهج لسكّان مدنيين من أرضهم.
لم يعد بالإمكان التهوين من هذه الحوادث باعتبارها أفعال «أفراد متطرّفين». حين يتكرّر النمط ذاته عبر الضفة الغربية بأسرها، بينما يجاهر كبار القادة السياسيين بالدعوة إلى توسيع المستوطنات وإقامة بؤر استيطانية جديدة وتقليص الوجود الفلسطيني على الأرض، فإن الصدفة لم تعد تفسيراً مقبولاً.
اختبار قانون Dromi
تخيّل للحظة السيناريو المعكوس: 20 فلسطينياً مسلّحاً يدخلون Havat Gilad. لا يُطلقون رصاصةً واحدة؛ يمشون فحسب في أرجاء المستوطنة ويواجهون سكّانها.
كم من الوقت سيمرّ قبل أن تُعلن كل الاستوديوهات التلفزيونية وقوع هجوم إرهابي؟ وكم من السياسيين سيطالبون بردٍّ عسكري؟ وكم من المعلّقين سيشكّكون في حقّ المستوطنين في الدفاع عن أنفسهم؟
الجواب معروفٌ للجميع.
وهذا يقودنا إلى سؤال آخر. دافع السياسيون الإسرائيليون لسنوات بفخر عمّا يُعرف بـقانون Dromi، وهو تشريعٌ يوسّع الحماية القانونية الممنوحة للأفراد الذين يدافعون عن منازلهم ومزارعهم وممتلكاتهم في مواجهة المتطفّلين.
لكن هل هذا المبدأ عالمي التطبيق، أم أنه مقتصرٌ على اليهود فحسب؟ حين يدخل مستوطنون مسلّحون قريةً فلسطينية، هل يملك السكّان الفلسطينيون الحقَّ القانوني والأخلاقي ذاته في الدفاع عن أنفسهم؟ أم أن المبدأ الكامن وراء قانون Dromi لا يُطبَّق إلا حين يكون المتطفّل عربياً والمالك يهودياً؟
هذا سؤالٌ أخلاقي بقدر ما هو قانوني. إذا كان حقّ الدفاع عن النفس مشروطاً بالهوية الوطنية، فقد انتهى مبدأ المساواة أمام القانون.
ثمّة قانونٌ لليهود وقانونٌ آخر للفلسطينيين. وكثيرون في العالم يُسمّون هذا النظام: فصلٌ عنصري تحت الاحتلال.
لا يمكن لأي ديمقراطية أن تصمد إذا كفّ القانون عن التعامي عن الهوية وبات يُميّز بين الناس وفق انتمائهم الوطني.
تساوي القيمة
يرتكز رفض العنف على مبدأ بسيط: لكل حياة بشرية قيمةٌ متساوية. فقد لقي إسرائيليان حتفهما يوم الجمعة، وفقد أربعة فلسطينيين حياتهم . كان يجب منع كل هذه الوفيات. لا يقرّر المجتمع الأخلاقي أيّ الضحايا يستحق التعاطف وأيّهم يختفي من الوعي العام.
وهنا أيضاً أخفق من يدّعون تمثيل التيار الديمقراطي في إسرائيل. كنت أتوقّع من Yair Golan، زعيم حزب المعارضة «الديمقراطيون»، ومن رفاقه، أن يطالبوا بتحقيق شامل وأن يُقرّوا بأن عنف المستوطنين جزءٌ من الصورة. بدلاً من ذلك، تبنّوا بسرعة السردية الصادرة عن Havat Gilad.
حين يتبنّى وسط اليسار الإسرائيلي الإطار المفاهيمي للتيار اليميني المتطرّف، يصبح الخلاف السياسي مسألة درجاتٍ لا مبادئ.
في غضون ذلك، تواصل أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرّفاً في تاريخها تشريعَ خطاب التحريض والتفوّق وتجريد الإنسان من إنسانيته.
وفي غضون ساعات من أحداث الجمعة، صرّح وزير المالية الإسرائيلي Bezalel Smotrich بأن قرية تل وقريتَين مجاورتَين «ينبغي أن تصبحا كمخيّمات اللاجئين في نابلس وطولكرم»، في إشارة إلى مخيّمات دمّرتها القوات الإسرائيلية العام الماضي.
حين يتحدّث وزراء ونوّاب برلمانيون عن محو قرى وتهجير سكّان وفرض عقوبات جماعية، فإن كلماتهم تصنع الواقع. إنها تشرّع العنف وتنخر في سيادة القانون.
كثيراً ما تصف إسرائيل نفسها بأنها «الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط. لكن المقياس الحقيقي لأي ديمقراطية هو ما إذا كانت كل حياة بشرية تحمل قيمةً متساوية، بما فيها الأرواح الفلسطينية.
كتب الفيلسوف اليهودي Abraham Joshua Heschel أن في المجتمع الحرّ «بعضهم مذنبون، لكن الجميع مسؤولون».
في إسرائيل اليوم، الحقوق غير متساوية. الحماية القانونية غير متساوية. وفي أحيان كثيرة، يبدو حتى الاعتراف الأساسي بالإنسانية المشتركة غير متساوٍ.
غدت قرية تل اختباراً لما إذا كان المجتمع الإسرائيلي مستعدّاً لمواجهة الواقع كما هو، لا كما يودّ أن يراه.
إذا واصلت إسرائيل وصف عنف المستوطنين بـ«الاحتكاك»، والتفوّق اليهودي بوصفه استحقاقاً طبيعياً، والدفاع الفلسطيني عن النفس بوصفه إرهاباً، فقد تكتشف يوماً ما أن الاحتلال لم يُفسد المحتلَّ وحده، بل أفسد المحتِلَّ أيضاً.
لن يتذكّر التاريخ من ربح الجدل حول قرية تل، بل ما إذا كانت إسرائيل قد اختارت المساواة أمام القانون، أم قانوناً لا يحمي سوى البعض.
أخبار ذات صلة

بينيت يرفض حل الدولتين قبل انتخابات إسرائيل وآيزنكوت يتقدم في الاستطلاعات

هجمات المستوطنين تستهدف المساجد والمنازل والمتاجر بالضفة الغربية

الحكومة الإسرائيلية والمستوطنون يدعون للانتقام من الفلسطينيين
