وورلد برس عربي logo

تداعيات الصراع الإيراني الأمريكي على الأمن القومي

تتعمق المقالة في تداعيات المواجهات الأخيرة بين إيران وإسرائيل، مشيرةً إلى انهيار الثقة في الولايات المتحدة وتحوّل المزاج الشعبي نحو القومية. كيف أثرت الحروب على الأمن الإيراني ووجهات النظر الداخلية؟ اكتشف التفاصيل.

تجمع حاشد في إيران حيث ترفع النساء أعلامًا، بما في ذلك علم حزب الله وعلم إيران، تعبيرًا عن التضامن الوطني وسط التوترات السياسية.
متظاهرون مؤيدون للحكومة الإيرانية يلوحون بأعلام إيران وحركة حزب الله اللبنانية، في طهران بتاريخ 7 يونيو 2026 (أتا كيناري/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

مع اندلاع جولةٍ جديدة من المواجهة بين إسرائيل وإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، تبيّن أنّ المفاوضات مع الولايات المتحدة لم تُفضِ إلى أيّ اتفاق. لا يستطيع أيٌّ من الطرفين تحمّل تكاليف حربٍ جديدة، غير أنّ مسار التسوية الدبلوماسية يظلّ مسدوداً بفعل المطالب الأمريكية التي تستهدف انتزاع تنازلاتٍ واسعة من طهران، دون أيّ عرضٍ لخطواتٍ مقابلة ذات أثر حقيقي، كالإفراج ولو عن جزءٍ من الأصول الإيرانية المجمّدة.

في أعقاب الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران عامَي 2025 و2026، انصبّ اهتمام النقاشات الغربية في معظمه على حجم الأضرار التي لحقت بالبنية العسكرية والنووية الإيرانية، وقدراتها في تخصيب اليورانيوم، ومخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.

بيد أنّ السؤال المحوري داخل إيران يختلف اختلافاً جوهرياً: هل أفضت المفاوضات والتحفّظ النووي إلى مزيدٍ من الأمن، أم أنّهما أفضيا في نهاية المطاف إلى مزيدٍ من الهشاشة؟

الوقائع تُظهر أنّ الحربَين اللتَين شنّهما الأمريكيون والإسرائيليون على إيران قد ألحقتا أضراراً بالغةً بمنشآتها النووية والعسكرية. غير أنّ الصراع المستمرّ فرض في المقابل أثماناً باهظةً على الولايات المتحدة ذاتها؛ إذ تجاوزت النفقات تريليون دولار، وتضرّرت أصولٌ عسكرية أمريكية، وتعطّل الاقتصاد العالمي، فضلاً عن خسائر بشريةٍ مدنيةٍ وعسكريةٍ فادحة.

في الوقت نفسه، لم تحقّق الحملة الأمريكية الإسرائيلية إلا القليل من أهدافها المُعلنة، وهي: تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وإنهاء البرنامج النووي، وتهيئة المناخ للتغيير السياسي. ما أحدثته الحربان فعلاً هو إعادة رسم الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، وقد تجلّى ذلك في أربعة تحوّلاتٍ كبرى.

أوّلاً: انهيار استراتيجية الاحتواء والانخراط. على الرغم من الإجماع الواسع بين المراقبين على أنّ إيران التزمت بالاتفاق النووي لعام 2015، وقبلت قيوداً مشدّدةً وعمليات تفتيشٍ غير مسبوقة، فإنّ الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق بصورةٍ منفردة بعد ثلاث سنواتٍ فحسب، ثم جاءت الضربات العسكرية لاحقاً.

نتيجةً لذلك، تراجعت الثقة تراجعاً حادّاً في قدرة الدبلوماسية والتحفّظ النووي على ضمان الأمن. وبات كثيرٌ من الإيرانيين ينظرون إلى الاحتواء لا باعتباره درعاً واقية، بل باعتباره ثغرةً تُستغلّ.

السؤال المحوري

ثانياً: انهيار الثقة الشعبية في الولايات المتحدة. فبينما ظلّت قيادة إيران متشكّكةً في واشنطن منذ أمدٍ بعيد، كانت الرأي العامّ الإيراني يسلك أحياناً مساراً مغايراً.

في أعقاب توقيع الاتفاق النووي قبل عقدٍ من الزمن، ساد التفاؤل في إيران على نطاقٍ واسع؛ إذ كشف استطلاعٌ أجرته مؤسسة Gallup آنذاك أنّ 68% من الإيرانيين رأوا أنّ قيادتهم أبرمت صفقةً جيّدة، وأنّ 66% توقّعوا تحسّناً اقتصادياً، فيما توقّع 51% تحسّناً في العلاقات مع الولايات المتحدة.

أمّا اليوم، فلم يعد النقاش داخل إيران يتمحور أساساً حول أجهزة الطرد المركزي أو مستويات التخصيب. السؤال المحوري بات: إذا قبلت إيران قيوداً جديدة، فما الضمانات التي تكفل عدم تخلّي إدارةٍ أمريكية مستقبلية عن الاتفاق، أو عدم اندلاع مواجهةٍ عسكرية جديدة؟ بالنسبة لكثيرٍ من الإيرانيين، الأزمة الراهنة ليست في جوهرها نزاعاً نووياً، بل أزمة ثقةٍ بامتياز.

ثالثاً: التحوّل من الأيديولوجيا إلى القومية. فعلى مدى عقود، كان المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل تُصاغ في إطارٍ أيديولوجي في المقام الأوّل. يبدو أنّ الصراع الأخير أفرز ديناميكيةً مختلفة: فرغم أنّ كثيراً من الإيرانيين يرفضون الحرب والعقوبات والعزلة، فإنّ المزاج الشعبي انزاح تدريجياً نحو نوعٍ من القومية اليومية المتجذّرة في الهويّة الجمعية.

بدلاً من أن تُعزّز الضغوط العسكرية الخارجية الروايات الأيديولوجية، فإنّها أيقظت مشاعر الانتماء الوطني والتضامن الجمعي. وقد يُشكّل هذا التحوّل أحد أبرز التداعيات السياسية الدائمة لهذه الحروب.

رابعاً وأخيراً، وربّما الأهمّ: التحوّل في مفهوم الردع. إذ باتت أصواتٌ كانت تدعو سابقاً إلى خفض التصعيد تُشدّد الآن على ضرورة امتلاك قدراتٍ رادعةٍ ذات مصداقية. لا يعني ذلك بالضرورة دعماً لامتلاك أسلحةٍ نووية؛ بل يعكس قناعةً متنامية بأنّ أيّ اتفاقٍ سياسي لن يكون مستداماً ما لم تمتلك إيران وسائل كافية لردع الهجمات المستقبلية.

وقد تجلّى هذا التحوّل بصورةٍ حيّة خلال عطلة نهاية الأسبوع، حين شنّت إيران ضرباتٍ على إسرائيل رداً على استمرار اعتداءاتها على لبنان حليف طهران في سابقةٍ هي الأولى من نوعها؛ إذ لم تكن الضربة انتقاماً لهجماتٍ على أراضيها، بل تحذيراً من الانتهاكات المتواصلة لوقف إطلاق النار في لبنان.

الإطار الاستراتيجي

في أعقاب الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيّات القرن الماضي، ارتكزت عقيدة إيران الأمنية على ثلاثة أعمدة: تعزيز القدرات العسكرية الذاتية التي أفرزت لاحقاً القدرات الصاروخية والمسيّرة والإلكترونية التي أُظهرت في الصراع الأخير و تحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا النووية وإنتاج الوقود المحلّي، وتمديد الردع خارج الحدود الإيرانية عبر ما يُعرف بـ"محور المقاومة" الإقليمي.

وفيما يخصّ تشكيل عقيدة إيران الأمنية المستقبلية، فإنّ الأثر الاستراتيجي لحربَي 2025 و2026 قد يتجاوز في نهاية المطاف حتى أثر الغزو العراقي في عهد صدام حسين، إذ جرى تصوير الاعتداءات الأمريكية الإسرائيلية داخل إيران على نطاقٍ واسع باعتبارها تهديداً مباشراً للبقاء الوطني والسيادة.

على هذا الأساس، يبدو أنّ إطاراً استراتيجياً معدَّلاً يتشكّل حول أربعة مبادئ.

المبدأ الأوّل يمكن اختزاله في عبارة "الأمن للجميع أو لا أمن لأحد". فعقب الهجمات الأمريكية الإسرائيلية عام 2025، اقتصر الردّ العسكري الإيراني على إسرائيل وقاعدةٍ أمريكيةٍ واحدة في الخليج. أمّا خلال صراع 2026، فقد توسّعت الحسابات الاستراتيجية الإيرانية لتشمل المنشآت العسكرية الأمريكية في الخليج، ومضيق هرمز، والمصالح الاقتصادية العالمية الأشمل. من منظور طهران، الدرس واضح: لا يمكن بعد الآن معاملة الأمن باعتباره امتيازاً أحاديّ الجانب. إمّا أمنٌ للجميع، وإمّا لا أمن لأحد.

المبدأ الثاني يتمثّل في بروز الرأي العامّ عاملاً استراتيجياً جديداً. فقبل الحربَين، كان النقاش الاستراتيجي الإيراني يدور في الغالب حول مفهومَين: "ساحة المعركة" و"الدبلوماسية". أضافت الحربان الأخيرتان بُعداً ثالثاً: الشارع.

فقد تجلّى المدّ القومي في تجمّعاتٍ شعبيةٍ واسعة في المدن الكبرى. وبينما أعرب المشاركون عن دعمهم للدفاع الوطني، فإنّهم بعثوا في الوقت ذاته برسالةٍ واضحة إلى صانعي القرار مفادها أنّ الثقة المفرطة في مفاوضاتٍ مع واشنطن لم تعد مقبولة. ونتيجةً لذلك، باتت الدبلوماسية الإيرانية تعمل اليوم تحت تأثيرٍ مزدوجٍ من المؤسسة العسكرية والرأي العامّ معاً.

المبدأ الثالث يتمثّل في توافقٍ ناشئٍ على الردع عبر منظومةٍ متكاملة من الأدوات: قدراتٌ عسكريةٌ أكثر صلابة، والحفاظ على الخبرة النووية، واستمرار الشراكات الإقليمية، و إدراج مضيق هرمز في المعادلة الأمنية الأشمل. والحصيلة هي فهمٌ أكثر شموليةً للردع مقارنةً بما كان سائداً قبل الحربَين.

المبدأ الرابع يتّصل بالذاكرة الجمعية؛ فقد خلّف سقوط المرشد الأعلى لإيران وعددٍ من القادة العسكريين والشركاء الإقليميين ومئاتٍ من المدنيين ذاكرةً جمعيةً راسخةً ستُلقي بظلالها على الوجدان الإيراني لسنواتٍ مقبلة. فآية الله علي خامنئي لم يكن زعيم دولةٍ فحسب، بل كان أيضاً أحد أبرز المرجعيّات الدينية الشيعية في العالم، ويتبعه ملايين المؤمنين في شتّى أنحاء المعمورة.

وللمرّة الأولى في التاريخ الحديث، يُقتل مرجعٌ دينيٌّ شيعيٌّ كبير في عمليةٍ عسكرية نفّذتها دولٌ أجنبية. ليس هذا حدثاً عابراً يسهل على الإيرانيين أو على المجتمعات الشيعية حول العالم أن يطووه في ذاكرة النسيان.

وقد أعرب مسؤولون أمريكيون علناً عن قلقهم من احتمالات الانتقام الإيراني في أعقاب اغتيال الجنرال قاسم سليماني عام 2020. والصراعات الأخيرة لم تُفضِ فحسب إلى مقتل عددٍ كبيرٍ من كبار القادة العسكريين الإيرانيين، بل شملت أيضاً اغتيال شخصياتٍ محورية في محور المقاومة الأوسع، في مقدّمتهم الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، والقيادي في حركة حماس إسماعيل هنيّة.

سيكون من الخطأ الجسيم أن يستهين صانعو القرار والمؤسسات الأمنية بالتداعيات الأمنية بعيدة المدى لهذه الأحداث.

نافذة الدبلوماسية

على الرغم من حجم انعدام الثقة، تبقى الدبلوماسية بعيدةً عن الموت. فرغم أنّ بعض الشخصيات السياسية الإيرانية تخشى أن تكون مواجهةٌ عسكريةٌ جديدة في الأفق، يظلّ الدعم للدبلوماسية حاضراً بقوّةٍ داخل إيران.

ما تغيّر ليس الرغبة في التفاوض، بل التوقّعات المحيطة بأيّ اتفاقٍ مستقبلي. فإذا كان الاتفاق النووي قد انصبّ في معظمه على القيود النووية، فإنّ كثيراً في طهران يرون اليوم أنّ أيّ اتفاقٍ مستقبلي لا بدّ أن يتضمّن ثلاثة عناصر جوهرية.

أوّلاً: يجب أن يكفل عدم الانتشار النووي في إطار معاهدة NPT حقَّ إيران في تخصيب اليورانيوم، مع بناء الثقة بأنّ طهران لن تسعى إلى امتلاك أسلحةٍ نووية.

ثانياً: يجب أن تتحقّق منافعٌ اقتصاديةٌ ملموسة عبر رفعٍ جوهري للعقوبات.

ثالثاً: يجب أن يتضمّن أيّ اتفاقٍ ضماناتٍ موثوقة بعدم تكرار هذا الصراع العسكري.

على الرغم من عمق انعدام الثقة الذي أفرزته الحروب الأخيرة، تبقى الدبلوماسية السبيل الوحيد القابل للحياة لأنّه لا إيران ولا الولايات المتحدة ولا المنطقة برمّتها في وسعها الإفلات من حقيقة التعايش. التحدّي الجوهري يكمن في كسر دورةٍ امتدّت عقوداً من الأزمة والعقوبات والمفاوضات والاتفاقيات والانهيار والعودة إلى المواجهة وهي دورةٌ لم تُفلح في كسرها لا القوة العسكرية ولا الضغط الاقتصادي.

أهمّ ما أفرزته الحروب الأخيرة ليس تحوّلاً في موازين القوى النسبية لإيران، بل تحوّلاً في فهمها للأمن ذاته.

ثمّة توافقٌ واسع يتشكّل داخل إيران على أنّ الأمن والثقة والردع والدبلوماسية كلٌّ لا يتجزّأ. وما لم تُدرك واشنطن وحلفاؤها الإقليميون هذا التحوّل وتتعامل معه بجدّية، فإنّ الاتفاقيات المستقبلية ستظلّ مؤقّتةً بطبيعتها، فيما تتواصل دورة المواجهة دون أفقٍ واضح.

أخبار ذات صلة

Loading...
قاعدة عسكرية أمريكية قرب ينبع، تضم طائرات نقل عسكرية، مع لافتة فنية تعبر عن الروح العسكرية. تعكس القاعدة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

تغيير استراتيجية القواعد الأمريكية بالخليج: كيف ستعيد الحرب على إيران رسم الخريطة الأمنية

تتسارع الأحداث في الشرق الأوسط، حيث تكشف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران عن هشاشة القواعد العسكرية الأمريكية. هل حان الوقت لتغيير الاستراتيجية؟ اكتشف المزيد حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
Loading...
شاب يرتدي ملابس تقليدية يقود دراجة هوائية في شوارع مدينة كانو النيجيرية، حيث تظهر المحلات التجارية والمارة في الخلفية.

نيجيريا: لماذا تهمّ حرب أمريكا وإسرائيل على إيران الشيعة محلياً

في قلب مدينة كانو النيجيرية، انطلقت مظاهرات حاشدة تعكس عمق التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على المجتمعات المحلية. هل ترغب في اكتشاف كيف تعكس هذه الأحداث الروابط الروحية والسياسية مع إيران؟ تابع القراءة لتفاصيل.
Loading...
النائبة Rashida Tlaib تتحدث خلال مؤتمر صحفي، حاملة لافتة تطالب بوقف القنابل، وسط مجموعة من المؤيدين أمام مبنى الكونغرس.

المشرّعون يصوتون لوقف حرب ترامب على إيران قبل خطوةٍ مماثلة بشأن لبنان

في خطوة تاريخية، صوّت مجلس النواب الأمريكي لتقييد صلاحيات ترامب في الحرب على إيران، مما يعكس رفضًا واسعًا لحرب غير شعبية. هل ستنجح هذه الرسالة في مجلس الشيوخ؟ تابعوا التفاصيل التي قد تغير مجرى الأحداث في المنطقة!
Loading...
دمار هائل في منطقة سكنية، حيث تتناثر الأنقاض والمباني المهدمة، مع وجود سيارة مقلوبة وسط الفوضى، مما يعكس آثار الحرب الإسرائيلية على لبنان.

إيران وحرب لبنان: انتقادات متزايدة لموقف طهران "السلبي"

تتزايد الانتقادات داخل إيران تجاه صمتها حيال الهجمات الإسرائيلية على لبنان، حيث يحذر محللون من تداعيات هذا التقاعس. هل ستستيقظ طهران قبل فوات الأوان؟ تابعوا التفاصيل لتكتشفوا ما ينتظر المنطقة.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية