تسارع الأحداث في الحرب الإسرائيلية الإيرانية
تسارُع الأحداث بين إسرائيل وإيران يكشف عن ضعف تل أبيب في مواجهة حزب الله، مع تزايد الضغوط العسكرية والسياسية. كيف تؤثر هذه الديناميكيات على مستقبل المنطقة؟ اكتشف التفاصيل في تحليل شامل على وورلد برس عربي.

تسارُع الأحداث في المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران لا يمكن فهمه بمعزلٍ عن السياق الأشمل للحرب الإسرائيلية على لبنان.
يوم الأحد، أطلقت إيران صواريخ باتّجاه إسرائيل ردًّا على الضربات الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي وصفتها تل أبيب بأنّها جاءت ردًّا على إطلاق حزب الله النار باتّجاه شمال إسرائيل. وعقب الإطلاق الإيراني، نفّذت إسرائيل ضرباتٍ انتقامية طالت مدنًا إيرانية عدّة.
في خضمّ هذا التتابع المتسارع للأحداث، ربّما أغفل كثيرون أنّ الحكومة اللبنانية سعت إلى محادثات وقف إطلاق نار مع إسرائيل قبل أن تبدأ العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ضدّ إيران في فبراير الماضي، فرفضت إسرائيل هذه المساعي. كانت تل أبيب تعتقد آنذاك أنّها تمتلك الأفضلية، وأرادت الاستمرار في عملياتها داخل لبنان. ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله في نوفمبر 2024، انتهكت إسرائيل هذا الاتفاق أكثر من 10,000 مرّة، مؤكّدةً في الوقت ذاته أنّ الاتفاق لا يُلزم سوى حزب الله، وأنّ تل أبيب تتمتّع بحرّية المناورة الكاملة.
دخول حزب الله على خطّ الحرب مع إيران فاجأ إسرائيل على ثلاثة مستويات: أوّلًا، نسف الافتراض الإسرائيلي القائل بأنّ الحزب فقد قدرته القتالية ومعنوياته. ثانيًا، أثبت أنّ حزب الله قادرٌ على إيقاع خسائر باهظة في صفوف الجيش الإسرائيلي. وثالثًا، كشف عن التزام إيران الراسخ بحزب الله ولبنان بوصفه شرطًا أساسيًّا في أيّ اتفاق لوقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن.
من هنا، يمكن استنتاج أنّ المفاوضات الجارية بين إسرائيل والدولة اللبنانية تنطلق في جوهرها من موقع ضعفٍ إسرائيلي. تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى بناء تحالفٍ مع نظيرتها اللبنانية في مسعىً مشترك لإضعاف حزب الله. وهذا ليس بالأمر الجديد؛ فخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان بين عامَي 1982 و2000، أوكلت إسرائيل جانبًا كبيرًا من مهمّة إدارة احتلالها إلى جيش لبنان الجنوبي. وحين انسحبت إسرائيل لاحقًا من جنوب لبنان، أرسلت رسالةً واضحة لحلفائها: إسرائيل لا تتحرّك إلّا لمصلحتها، ولا تُبادر إلى القتال من أجل الآخرين.
جيشٌ يئنّ تحت الأعباء
الوضع اليوم أشدّ وطأةً على الجيش الإسرائيلي. فمنذ اندلاع الحرب الإبادية في غزّة، سقط مئات من المقاتلين الإسرائيليين. وقد أفضت حالة الانفلات في إدارة جبهاتٍ متعدّدة، دون أفقٍ دبلوماسي أو استراتيجية خروج واضحة، إلى إرهاقٍ حادّ في صفوف جنود الاحتياط.
ثمّة قلقٌ جدّي داخل المؤسّسة العسكرية من نقصٍ في الأفراد اللازمين لإدارة العمليات في غزّة والضفّة الغربية المحتلّة وسوريا ولبنان في آنٍ واحد. الجيش، ببساطة، يعمل فوق طاقته. وقد لقي أكثر من عشرين جنديًّا إسرائيليًّا حتفهم منذ بدء الحرب مع إيران ودخول حزب الله على الخطّ، وباتت طائرات الدرون المُشغَّلة بالمنظور الأوّل (FPV) من أكثر الأسلحة إيلامًا للقوات الإسرائيلية وأصعبها تكتيكيًّا.
على الصعيد السياسي، زاد من تعقيد المشهد أمام رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu أنّ ائتلافه قرّر مؤخّرًا حلّ الكنيست، ممّا يمهّد الطريق لانتخاباتٍ مبكرة. يأتي هذا في ظلّ ما يقارب ثلاث سنوات من القتال تحت شعار «النصر المطلق»، بدعمٍ سياسي وشعبي واسع لاستخدام أقصى درجات القوّة. والنتيجة جاءت معاكسة تمامًا.
مكانة إسرائيل الدولية بلغت حضيضًا غير مسبوق جرّاء تصرّفاتها، لا سيّما في غزّة. ومواقع التواصل الاجتماعي تعجّ بمقاطع تُظهر طرد إسرائيليين من مطاعم وأماكن ترفيهية في دولٍ شتّى. وحركة حماس لا تزال موجودةً في غزّة وتعمل وفق التقارير على إعادة بناء قدراتها العسكرية. أمّا حزب الله فيُعيد تنظيم صفوفه، وما هو أسوأ من ذلك أنّ الحرب على إيران التي أقنع Netanyahu واشنطن بخوضها انتهت بفشلٍ ذريع؛ إذ نجا النظام الإيراني وبات يُملي شروطه لاتفاق وقف إطلاق النار، بما فيها مناقشة مستقبل مضيق هرمز والحفاظ على قدراته النووية.
في نهاية الأسبوع الماضي، أكّدت طهران مجدّدًا أنّها لن تتردّد في ضرب إسرائيل أوّلًا ردًّا على أيّ هجمات تطال لبنان. ما بدأ كمحاولةٍ إسرائيلية لرسم معادلةٍ جديدة في مواجهة حزب الله، انتهى بوضعٍ تمسك فيه إيران بزمام الردع.
معضلةٌ بالغة التعقيد
ما شهده هذا الأسبوع كان سابقةً من نوعها. للمرّة الأولى في سياق الصراع الإسرائيلي-الإيراني-الأمريكي، بادرت إيران بشنّ هجومٍ دون إشعارٍ مسبق. وقُبيل إطلاق الصواريخ، أفاد مصدرٌ أمني لموقع Ynet بأنّ إسرائيل لم تكن تتوقّع أن تُقدم إيران فعلًا على الضرب.
ما زاد الأمور تعقيدًا أمام Netanyahu كان ردّ فعل الرئيس الأمريكي Donald Trump، الذي حثّ إسرائيل على عدم الردّ وإعطاء المفاوضات فرصتها. بيد أنّ إسرائيل مضت في تنفيذ ضرباتٍ محدودة ضدّ إيران.
غير أنّ أيًّا من التحرّكات الإسرائيلية الأخيرة لا يكشف عن هدفٍ عسكري واضح، ولا عن استراتيجية لإنهاء الحرب. الحال نفسه منذ بداية الإبادة في غزّة، فيما تواصل سمعة إسرائيل الدولية انهيارها. من دعم الميليشيات المناهضة لـ Hamas في غزّة، إلى المراهنة على أن يثور الإيرانيون لإسقاط نظامهم، إلى محاولة إشعال حربٍ أهلية جديدة في لبنان كلّ هذه الاستراتيجيات أخفقت إخفاقًا ذريعًا.
كثيرٌ من الإسرائيليين الذين أيّدوا هذه الحروب يجدون أنفسهم اليوم في مأزقٍ حقيقي. ليس فقط لأنّ «النصر المطلق» لم يتحقّق، بل لأنّ التحدّيات العسكرية تفاقمت، والصراع المتواصل أوقع فوضى اقتصادية وكشف ثغراتٍ جوهرية في منظومة الأمن القومي. كثيرٌ من الإسرائيليين يُدركون أنّهم يقفون على أرضٍ هشّة إقليميًّا ودوليًّا، وطالما وجدوا عزاءهم في الانتصارات العسكرية. لكنّهم يبدأون الآن في استيعاب حقيقةٍ مرّة: لهذه القوّة حدودٌ. الجيش منهك، والولايات المتّحدة حليفٌ متقلّب، وتكاليف المعيشة في تصاعدٍ متواصل مع انتفاخ الميزانية الدفاعية.
قد يستلزم الأمر وقتًا أطول قبل أن نشهد تحوّلًا حقيقيًّا في الوعي السياسي الإسرائيلي، وإقرارًا بأنّ القوّة العسكرية ليست حلًّا لكلّ شيء. لكن في المشهد الراهن، ومع اشتداد المنافسة الانتخابية بين خصوم Netanyahu وحلفائه، يتحدّث الجميع ائتلافًا ومعارضةً بالنبرة العسكرية ذاتها، الخاليةً من أيّ أفقٍ سياسي.
أخبار ذات صلة

روبيو يزور البحرين لطمأنة الحليف الخليجي وسط التوترات الإيرانية

ألقت السلطات التايلندية القبض على امرأة بعد العثور على دبلوماسي أمريكي ميتاً في ميانمار

الاحتلال يُفرّغ منشآت الأقصى لتقويض الأوقاف الإسلامية
