وورلد برس عربي logo

تضامن الشيعة النيجيريين مع إيران في وجه الاضطهاد

في نيجيريا، خرج مئات الشيعة في مظاهرات تضامناً مع إيران ضد الضغوط الأمريكية-الإسرائيلية. تعكس هذه الاحتجاجات نفوذ إيران وتأثيرها العميق على الهوية الدينية والسياسية في المجتمع النيجيري. اكتشف المزيد في وورلد برس عربي.

شاب يرتدي ملابس تقليدية يقود دراجة هوائية في شوارع مدينة كانو النيجيرية، حيث تظهر المحلات التجارية والمارة في الخلفية.
رجل يقود دراجة بالقرب من ملعب كانو بيلاز بعد صلاة عيد الفطر، نيجيريا، 30 مارس 2025 (أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في أحد أيام مارس الحارّة، شقّ موكبٌ من مئات الرجال طريقه عبر الشوارع الرئيسية في مدينة كانو النيجيرية، وهم يرتدون الأسود ويحملون صور المرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي، ويرفعون الأعلام الإيرانية.

تعالت هتافاتهم في أرجاء المدينة الشمالية، إذ أدانوا الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ورفعوا شعارات التضامن مع ما وصفوه بـ"أمّةٍ تحت الاضطهاد".

بالنسبة للمارّة في محلّات الطريق وركّاب الحافلات العابرة، بدا المشهد وكأنّه مقتطعٌ من فيلمٍ يصوّر أحداثاً تجري على بُعد آلاف الكيلومترات. لكنّ المسلمين الشيعة في نيجيريا رأوا في هذا الحشد تعبيراً عن شعورٍ عميق بأنّ الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تمسّهم شخصياً.

في الأيام التي أعقبت اندلاع الحرب، شهدت مدنٌ نيجيرية عدّة من بينها كانو وسوكوتو وغومبي وأبوجا مظاهراتٍ مماثلة تضامناً مع إيران.

نظّم هذه الاحتجاجات في معظمها أعضاء وأنصار الحركة الإسلامية في نيجيريا (IMN) المحظورة، وهي من أبرز الحركات الشيعية في أفريقيا. وتعكس هذه المظاهرات قدرةَ التوتّرات الجيوسياسية على إحداث صدىً عميق داخل المجتمعات الدينية المحلية البعيدة عن خطوط المواجهة.

كما تُسلّط هذه التجمّعات الضوء على النفوذ الإيراني الراسخ في أوساط شرائح من الشيعة النيجيريين، وذلك بعد عقود من الثورة الإسلامية عام 1979 التي ألهمت حركاتٍ في أجزاء من أفريقيا والشرق الأوسط.

قال إبراهيم موسى، تاجرٌ في الثانية والثلاثين من عمره شارك في إحدى مظاهرات كانو: "نؤمن بأنّ إيران تقف في وجه الاضطهاد والهيمنة الأجنبية. نحن كمسلمين شيعة نشعر بالارتباط بنضالهم."

وبعد قرابة 100 يوم على الضربات الأمريكية-الإسرائيلية التي انطلقت في 28 فبراير وأشعلت فتيل نزاعٍ أوسع في الشرق الأوسط، لا تزال التداعيات الاقتصادية والسياسية تتردّد أصداؤها خارج المنطقة.

النفوذ الإيراني في أفريقيا

في نيجيريا، حيث يشكّل السنّة الغالبية العظمى من المسلمين، حافظت الأقلية الشيعية منذ أمدٍ بعيد على روابط أيديولوجية وروحية مع إيران، معتبرةً إيّاها رمزاً للمقاومة. وقد تعمّقت هذه الصلات في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات مع تأسيس الحركة الإسلامية في نيجيريا على يد الشيخ إبراهيم الزكزكي.

مستوحياً من الثورة الإسلامية الإيرانية، بنى الزكزكي حركةً تقوم على الناشطية ومبادرات الرعاية الاجتماعية ومناهضة النفوذ السياسي الغربي. وعلى مرّ السنين، طوّرت الحركة روابط تعليمية ودينية مع طهران، وسافر بعض أعضائها إلى إيران لمتابعة دراساتهم الإسلامية. وتبقى إيران اليوم رمزاً قوياً لكثير من الشيعة النيجيريين.

قال عبدالله ساني، رجل دين شيعي في سوكوتو: "دعم إيران ليس سياسةً بحتة. كثيرٌ من الناس يرون في ذلك دفاعاً عن كرامة المسلمين في مواجهة الدول القوية."

و أوضح موسى أبولاد، الخبير في الجيوسياسة الأفريقية، أنّ إيران أمضت عقوداً في بناء علاقاتها عبر القارة الأفريقية من خلال المنح الدراسية والمؤسسات الدينية والمشاريع الإنسانية والتواصل الدبلوماسي.

وعلى الرغم من أنّ نفوذ طهران في القارة يبقى أقلّ حجماً مقارنةً بقوىً كالصين والولايات المتحدة و روسيا، فإنّها نجحت في كسب ولاء بعض المجتمعات الشيعية في دولٍ منها نيجيريا والسنغال وتنزانيا.

قال أبولاد، المستشار في مجال بناء السلام لدى شبكة Peace Education and Practice Network: "تعكس الاحتجاجات الأخيرة لبعض المسلمين الشيعة النيجيريين على خلفية التوتّرات الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية كيف باتت النزاعات العالمية تُشكّل الهويّات المحلية والمشاعر والخطاب العام خارج نطاق الشرق الأوسط."

وأضاف: "بالنسبة لكثيرين، لا تمثّل إيران دولةً فحسب، بل رمزاً للتضامن الديني والسياسي. وإن كانت هذه الاحتجاجات لن يكون لها أثرٌ جيوسياسي مباشر، فإنّها تُسهم في تعزيز روايات التضامن الدولي وترسيخ الموقف الأيديولوجي الإيراني في مواجهة القوى الغربية."

غير أنّ أبولاد نبّه إلى أنّ هذه المظاهرات لا تعبّر عن موقف جميع النيجيريين أو مسلميهم، ودعا إلى الحذر من تعميق الانقسامات الاجتماعية عبر الروايات الطائفية.

وقال: "ما يستدعي القلق الحقيقي هو كيف يمكن للروايات العابرة للحدود ووسائل التواصل الاجتماعي والتوتّرات السياسية أن تُعمّق الاستقطاب والمعلومات المضلّلة وانعدام الثقة الطائفي في مجتمعاتٍ هشّة أصلاً."

وأضاف: "يستوجب تنوّع نيجيريا التعامل مع هذه المسائل بحذرٍ ومسؤولية، تفادياً لاستيراد النزاعات الخارجية وإسقاطها على الواقع المحلي."

وقد تؤدّي هذه الاحتجاجات أيضاً وظيفةً داخلية بالنسبة للشيعة النيجيريين، وهم مجتمعٌ طالما عاش تحت وطأة الشكوك والقمع الدوري من السلطات.

عاشت الحركة الإسلامية في نيجيريا سنواتٍ من العلاقة المتوتّرة مع الدولة، لا سيّما منذ أحداث زاريا عام 2015 حين قتل الجيش مئات من أعضاء الحركة. وفي عام 2019، أصدرت الحكومة قراراً بحظر الحركة، فيما واصلت منذ ذلك الحين تنظيم احتجاجاتٍ دورية تطالب بالعدالة والاعتراف.

وبالنسبة لكثير من أعضائها، يمكن للمستجدّات الدولية المتعلّقة بإيران أن تغدو نقاطَ تجمّع وتوحيد، تُتيح فرصةً لتأكيد الهوية المشتركة والشعور بالوحدة.

ردود فعل متباينة في نيجيريا

وفق العقيد المتقاعد أ.ي. غواندو، كبير مسؤولي الأمن في جامعة عثمان دانفوديو، لا يرى الجميع في هذه المظاهرات أمراً إيجابياً.

قال: "ثمّة قلقٌ حقيقي حين تبدأ النزاعات الخارجية في التأثير على الجماعات الدينية المحلية"، مضيفاً أنّ "الناس يخشون أن يُعمّق ذلك الانقسامات أو يُفضي إلى مخاطر أمنية."

وقد عانت نيجيريا سنواتٍ من التمرّد العنيف المرتبط بجماعاتٍ متطرّفة كبوكو حرام وولاية غرب أفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية. وعلى الرغم من أنّ الحركة الإسلامية في نيجيريا تختلف أيديولوجياً عن هذه الجماعات السنّية، تواصل أجهزة الأمن مراقبة نشاطاتها عن كثب.

وبينما عمدت السلطات أحياناً إلى تفريق تجمّعات الحركة بذريعة اعتبارات السلامة العامة، جاءت المظاهرات الأخيرة المتعلّقة بإيران سلميةً في مجملها. بيد أنّ بعض سكّان المدن الشمالية لا يزالون يخشون أن تُصعّد هذه الاحتجاجات التوتّرات الطائفية في بلدٍ يرزح أصلاً تحت وطأة انعدام الأمن والتطرّف الديني والاضطراب السياسي.

ويرى المراقبون السياسيون أنّ هذه المظاهرات تضع نيجيريا في موقفٍ دبلوماسي بالغ الحساسية، نظراً لعلاقاتها المتشعّبة مع الدول الغربية وإسرائيل ودول الخليج وإيران في آنٍ واحد. وإن كانت التعبيرات العلنية عن دعم طهران من قِبل الجماعات المحلية لن تُغيّر السياسة الخارجية الرسمية مباشرةً، فإنّها تكشف عن عمق تأثير التنافسات الدولية في الخطاب الداخلي.

وقال عالم السياسة عبدالقادر يونس إنّ الحكومة مطالبةٌ بـ"الموازنة بين حرية التعبير واعتبارات الأمن"، مُشيراً إلى أنّ "هذه الاحتجاجات تُثبت أنّ النزاعات الدولية باتت ذات أبعادٍ محلية".

هويّةٌ تتجاوز الحدود

بيد أنّ كثيراً من المحتجّين يرون أنّ الأمر يتعلّق بالانتماء أكثر من الجيوسياسة.

في كانو، سار المتظاهرون رجالاً ونساءً وأطفالاً في الشوارع المزدحمة تحت حراسةٍ أمنية مشدّدة. رفع بعضهم لافتاتٍ تتّهم إسرائيل والولايات المتحدة بالعدوان، فيما طالب آخرون بدعمٍ دولي لإيران.

وتكرّرت مشاهدٌ مماثلة في سوكوتو وولاية غومبي، حيث طالب المحتجّون بالوحدة وأدانوا التدخّل الغربي في نزاعات الشرق الأوسط. وبينما كان التضامن مع إيران المحور الرئيسي لهذه التجمّعات، شكّلت أيضاً تعبيراً عن الهوية الدينية والمقاومة لما وصفه المشاركون بـ"الظلم العالمي".

قال موسى، التاجر الكانوي: "إن كانت أمّةٌ مسلمة تعاني، فلا يمكننا أن نصمت."

وفي أحد التجمّعات في غومبي، ارتفعت الأناشيد الدينية في الهواء، تتخلّلها ملصقاتٌ ضخمة تحمل صور قادة إيران إلى جانب صور الزكزكي.

قد يبدو هذا المشهد لافتاً للناظر من الخارج في دولةٍ غرب أفريقية تعاني ضغوطها الاقتصادية والأمنية الخاصة، لكنّ المحتجّين يؤكّدون أنّ تضامنهم يتجاوز الجغرافيا.

وبالنسبة لطهران، تُشير هذه المظاهر في المدن الأفريقية إلى أنّ رسالتها لا تزال تجد صدىً رغم العزلة الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية. أمّا للشيعة النيجيريين، فهي تُجدّد الروابط مع حركةٍ أوسع.

قالت فاطمة عليو، طالبةٌ جامعية شاركت في المظاهرة أمام المسجد الوطني في أبوجا: "هذه الاحتجاجات تمنحنا صوتاً. رغم بُعد المسافة، نريد أن تعلم إيران أنّها ليست وحدها."

أخبار ذات صلة

Loading...
النائبة Rashida Tlaib تتحدث خلال مؤتمر صحفي، حاملة لافتة تطالب بوقف القنابل، وسط مجموعة من المؤيدين أمام مبنى الكونغرس.

المشرّعون يصوتون لوقف حرب ترامب على إيران قبل خطوةٍ مماثلة بشأن لبنان

في خطوة تاريخية، صوّت مجلس النواب الأمريكي لتقييد صلاحيات ترامب في الحرب على إيران، مما يعكس رفضًا واسعًا لحرب غير شعبية. هل ستنجح هذه الرسالة في مجلس الشيوخ؟ تابعوا التفاصيل التي قد تغير مجرى الأحداث في المنطقة!
Loading...
دمار هائل في منطقة سكنية، حيث تتناثر الأنقاض والمباني المهدمة، مع وجود سيارة مقلوبة وسط الفوضى، مما يعكس آثار الحرب الإسرائيلية على لبنان.

إيران وحرب لبنان: انتقادات متزايدة لموقف طهران "السلبي"

تتزايد الانتقادات داخل إيران تجاه صمتها حيال الهجمات الإسرائيلية على لبنان، حيث يحذر محللون من تداعيات هذا التقاعس. هل ستستيقظ طهران قبل فوات الأوان؟ تابعوا التفاصيل لتكتشفوا ما ينتظر المنطقة.
Loading...
صور الأقمار الاصطناعية تظهر أضراراً واضحة في قاعدة علي السالم الجوية الأمريكية بالكويت، مع وجود حفر متفحمة ومأوى مدمر.

الأقمار الصناعية ترصد أضراراً في قاعدة أميركية بالكويت عقب الهجوم الإيراني

تكشف صور الأقمار الاصطناعية عن أضرار جسيمة في قاعدة علي السالم الجوية بالكويت، مما يثير تساؤلات حول الرواية الأمريكية. تابعوا تفاصيل الهجوم الإيراني وتأثيره على المنطقة.
Loading...
حشد كبير لمؤيدي حزب الله يحملون الأعلام الصفراء في تجمع حاشد، يعكس الدعم المتزايد للحزب في ظل التوترات الإقليمية الحالية.

إيران تؤكد استهدافها سفينة أمريكية وتستأنف المفاوضات مع واشنطن

في ظل تصاعد التوترات في الخليج،قالت إيران إنها استهدفت سفينة أمريكية، بينما نفت الولايات المتحدة ذلك. هل ستنجح المفاوضات مع واشنطن في تهدئة الأوضاع؟ تابعوا التفاصيل المثيرة حول هذه الأزمة المتصاعدة.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية