قضاة المحكمة الجنائية يواجهون عقوبات ترامب المشددة
محكمة أمريكية تلزم ترامب بالرد على دعوى قضائية رفعها ثلاثة قضاة من المحكمة الجنائية الدولية يتهمونه بعقوبات تعسفية بسبب تحقيقاتهم في قضايا إسرائيل والولايات المتحدة وتجميد أصولهم وحقوقهم المالية والإنسانية وورلد برس عربي

أصدرت محكمة فيدرالية في نيويورك أمر استدعاء يُلزم الرئيس الأمريكي Donald Trump بالردّ على دعوى قضائية رفعها ثلاثة قضاة من المحكمة الجنائية الدولية (ICC) لا يزالون في مناصبهم، يتّهمون فيها إدارته بمعاقبتهم بعقوبات مشدّدة بسبب عملهم في تحقيقات تتعلق بإسرائيل والولايات المتحدة.
صدر الأمر يوم الخميس عن محكمة المقاطعة الأمريكية للدائرة الجنوبية من نيويورك، ويمنح الحكومة 60 يوماً للردّ على الشكوى التي تقدّمت بها قبل يومٍ واحد القاضية Kimberly Prost الكندية، والقاضية Solomy Balungi Bossa الأوغندية، والقاضية Reine Alapini-Gansou البنينية.
تُدرج الدعوى Trump مدّعىً عليه رئيسياً، إلى جانب وزير الخارجية Marco Rubio، ووزير الخزانة Scott Bessent، والمدّعي العام بالوكالة Todd Blanche. كما تشمل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة، المسؤول عن إدارة قوائم العقوبات، ومديره Bradley Smith.
وتُعدّ هذه المرّة الأولى التي يلجأ فيها قضاة المحكمة الجنائية الدولية شخصياً إلى القضاء للطعن في تصنيفهم بموجب المرسوم الرئاسي رقم 14203، الذي وقّعه Trump في 6 فبراير 2025. وقد أعلن هذا المرسوم حالةً طارئة وطنية بسبب تحقيقات المحكمة في مواطنين أمريكيين وإسرائيليين، وأجاز تجميد الأصول وفرض قيود السفر على المسؤولين الأجانب المشاركين في تلك التحقيقات أو الداعمين لها.
القضاة الثلاثة هم من بين ثمانية قضاة في المحكمة طالتهم العقوبات، إلى جانب المدّعي العام للمحكمة Karim Khan ونائبيه، والمقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وثلاث منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان.
وقد نظرت كلٌّ من Prost وBossa في هيئات قضائية تتعلق بجرائم مرتكبة في أفغانستان، فيما نظرت Alapini-Gansou في قضايا تتصل بفلسطين.
قال James Goldston، المدير التنفيذي لمبادرة العدالة في Open Society والمحامي المشارك عن Prost، إن العقوبات تمثّل «هجوماً غير مسبوق على استقلالية القضاء وسيادة القانون»، مضيفاً أن هذه الإجراءات ألحقت ضرراً ملموساً وبالغاً بقضاة لم يفعلوا سوى أداء واجبهم.
وتصف الشكوى هذه العقوبات بأنها «بمثابة عقوبة الإعدام المالي».
أوضح Goldston أن Prost جُمِّد حسابها المصرفي في الولايات المتحدة، وباتت عاجزة عن استخدام بطاقاتها الائتمانية، فضلاً عن تقييد أو إلغاء حساباتها لدى شركات أمريكية كـ Amazon وGoogle وExpedia. وقد فقدت فعلياً تغطيتها التأمينية الصحية بعد أن رفضت شركة التأمين سداد مطالباتها الطبية، وامتنعت شركات أخرى عن تأمينها.
قبل انضمامها إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2018، عملت Prost مدّعيةً عامة في وزارة العدل الكندية، ثم أمينةً للمظالم في لجنة عقوبات تنظيم القاعدة التابعة لمجلس الأمن الأممي، حيث كانت تُشرف على آليات مشابهة لتلك المُطبَّقة عليها اليوم.
وعلّق Goldston: «إنها تعرف الكثير عن العقوبات، ومن المفارقات الصارخة حقاً أن تجد نفسها الآن خاضعةً لهذه العقوبات المشدّدة، فقط لأنها أدّت عملها بجدية واحترافية».
ما هي حجج القضاة؟
تستند الدعوى إلى ثلاث حجج جوهرية لإسقاط العقوبات.
الحجة الأولى أن المرسوم يتجاوز الصلاحيات التي منحها الكونغرس للرئيس بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA)، الذي استند إليه Trump لفرض هذه الإجراءات.
ويرى القضاة أن العقوبات تتعارض مع قانون آخر صادر عن الكونغرس، هو قانون حماية أفراد الخدمة الأمريكية (ASPA) الصادر عام 2002، الذي وضع آليات محدودة للتعامل مع احتمال تحقيق المحكمة في مواطنين أمريكيين أو مواطني دول حليفة غير منضمّة إلى نظام روما الأساسي. ولا يُجيز هذا القانون فرض عقوبات، بل يقصر الردّ على تقديم التمثيل القانوني، وعرض أدلة النفي، والدفاع عن المصالح الأمريكية أمام المحكمة، كما أوضح Goldston. بل إن القانون يحظر صراحةً على السلطة التنفيذية استخدام «الحوافز» للتأثير في قرارات المحكمة حتى في الحالات القصوى.
وأكد Goldston أن العقوبات هي بالضبط ذلك: «إنها تسعى إلى حمل القضاة على الإحجام عن البتّ في القضايا على أساس الوقائع والقانون، وإجبارهم على مراعاة مصالحهم الشخصية، أي التهديدات التي تطال وضعهم المالي وسلامتهم الشخصية جرّاء هذه العقوبات».
كما يطعن المدّعون في وجود أيّ حالة طارئة حقيقية، إذ يُشترط قانوناً أن يكون التهديد الذي يُبرّر تفعيل IEEPA «غير عادي واستثنائي». غير أن اعتراض واشنطن على اختصاص المحكمة في محاكمة مواطنين من دول غير أطراف يعود إلى عقود مضت؛ فقد أثار الرئيس Bill Clinton الاعتراض ذاته حين وقّع على نظام روما الأساسي عام 2000، وفي يناير الماضي صرّح مسؤول أمريكي في الأمم المتحدة بأن هذه المخاوف ليست جديدة وأن واشنطن تُرددها منذ ما يقارب ثلاثة عقود.
والجدير بالذكر أن أفغانستان وفلسطين كلتيهما دولتان طرف في المحكمة الجنائية الدولية، وأن نظام روما الأساسي يُجيز للمحكمة منذ أمد بعيد ممارسة اختصاصها على الجرائم المرتكبة في أراضي الدول الأعضاء بصرف النظر عن جنسية مرتكبيها.
الحجة الثانية أن تجميد الأصول الأمريكية لكلٍّ من Prost وBossa يُشكّل انتهاكاً للتعديل الدستوري الخامس من وجهين: حرمانهما من الملكية دون ضمانات المحاكمة العادلة، ومصادرة الملكية الخاصة دون تعويض.
الحجة الثالثة أن هذه التصنيفات تنتهك قانون الإجراءات الإدارية (Administrative Procedure Act) لكونها «تعسّفية وغير مبرّرة وتمثّل إساءة في استخدام السلطة التقديرية». وتُشير الشكوى إلى أن الإدارة لم تُقدّم أيّ دليل محدّد يُسوّغ هذه التصنيفات، ولم تأخذ في الحسبان الضرر الذي يلحق بجهود المساءلة الدولية، بما فيها تحقيقات المحكمة التي تدعمها الولايات المتحدة نفسها في السودان وليبيا وأوكرانيا.
وأكد Goldston أن ما يجمع هذه الحجج الثلاث هو محاولة إجبار القضاة على الموازنة بين مصالحهم الشخصية وقسم اليمين الذي أدّوه: «تسعى العقوبات إلى إكراه هؤلاء القضاة على التخلّي عن قسمهم، والبتّ في القضايا بعيداً عن التقييم المحايد للوقائع والقانون. هذا تهديدٌ جوهري لسيادة القانون».
وتُعدّ هذه الدعوى الخامسة التي تطعن في المرسوم الرئاسي رقم 14203. وفي أربع دعاوى سابقة، خلصت المحاكم إلى أن المرسوم غير دستوري لفرضه قيوداً غير مشروعة على حرية التعبير لمن يُساعدون المحكمة، من بينها دعوى منفصلة رُفعت بالنيابة عن Francesca Albanese، المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة الخاضعة للعقوبات. غير أن الدعوى الراهنة هي الأولى التي تستهدف تصنيف القضاة أنفسهم.
تمثّل مبادرة العدالة في Open Society القاضيةَ Prost، بمشاركة مكتب المحاماة Foley Hoag بوصفه محامياً مشاركاً. وحين سُئل Goldston عن حظوظ النجاح، أجاب: «نأمل أن تكون هذه الحجج مقنعة، لكن هذا هو ما تقوم عليه الإجراءات القضائية. سنرى ما ستؤول إليه النتائج».
أخبار ذات صلة

الولايات المتحدة ستفكّك المحكمة الجنائية الدولية "لبنةً تلو الأخرى"

محكمة سودانية تحكم بالإعدام على قائد بـ RSF في قضية مجزرة غرب دارفور

اعتقال ثلاثة مشبوهين في اليونان بقضية تفجير أودى بحياة والدة سياسية
