انقطاع الكهرباء يكشف تهميش مدن السود في أمريكا
انقطاع الكهرباء في مدينة Gary يكشف أزمة التهميش الاقتصادي والبنية التحتية المتدهورة التي تعاني منها المجتمعات الفقيرة ذات الغالبية السوداء في أمريكا مع تصاعد المخاطر المناخية وتأخر الاستجابة الرسمية وورلد برس عربي.





انقطع التيار الكهربائي عن أكثر من 38,300 منزل وعمل تجاري في مدينة Gary بولاية Indiana الأمريكية، إثر عواصف ضربت المنطقة في الحادي عشر من أغسطس الجاري وهي مدينة تُصنَّف من بين الأفقر والأكثر تمثيلاً للسكان السود في الولايات المتحدة. بعد اثني عشر يوماً، كان جزءٌ كبير من المدينة لا يزال في الظلام، وهو ما وصفه عمدة المدينة Eddie Melton بأنه «غير مقبول».
هذا المشهد ليس مجرّد انقطاع طارئ في الخدمة؛ إنّه إشارةٌ إلى نمطٍ أعمق يربط بين البنية التحتية المتهالكة، والتهميش الاقتصادي الممتدّ لعقود، وتصاعد المخاطر المناخية وهو نمطٌ تتكرّر فيه المدن الفقيرة ذات الغالبية السوداء كضحايا أولى في كلّ موجة طقس قاسية.
ذاكرة كاترينا تعود
كيميا ويليامز، 50 عاماً، كانت من بين من فقدوا الكهرباء. قالت إنّ الانقطاع استدعى ذكرياتٍ مؤلمة من نيو أورليانز عام 2005، حين أطفأ إعصار Katrina الأنوارَ عن مدينةٍ بأكملها.
«كان الأمر مثيراً للذعر جداً. كان الظلام شديداً»، قالت ويليامز.
حاولت في البداية الصمود في منزلها، لكنّها اضطرّت في نهاية المطاف إلى التوجّه إلى Indianapolis للإقامة عند أبنائها. وحين عادت بعد استعادة التيار، وجدت أنّ الطعام قد فسد، وأنّ رائحة العفن تملأ المنزل.
«استخدمت بطارية سيارتي كمولّد كهربائي. وصلت الثلاجة بمحوّل كهربائي. تعلّمت ذلك من كاترينا»، قالت لكنّ المحاولة لم تُجدِ.
شركة الخدمات وتداعيات قانونية
شركة Northern Indiana Public Service Co. (NIPSCO)، مزوّد الكهرباء في المنطقة، أعلنت أنّ أكثر من 370,000 عميل فقدوا الكهرباء في المجمل، وأنّ أكثر من 364,000 منهم استعادوا الخدمة بحلول يوم الاثنين، مع توقّعٍ بإعادة الكهرباء لمن تبقّى بحلول يوم الثلاثاء.
وقالت الشركة في بيانٍ: «فرقنا مُعيَّنة للتعامل مع الانقطاعات الكبيرة والصغيرة، ولن يُترك أيّ عميل دون خدمة».
غير أنّ ساكناً في مقاطعة Porter المجاورة رفع دعوى قضائية أمام المحاكم الولائية، يتّهم فيها NIPSCO بالإهمال، ويطلب تحويلها إلى دعوى جماعية تشمل متضرّري Indiana. وتزعم الدعوى أنّ الشركة أخفقت في إدارة الأشجار والنباتات المحيطة بخطوط الكهرباء، وهو إخفاقٌ «كان متوقّعاً» أن يُفضي إلى انقطاعاتٍ كهذه.
NIPSCO من جهتها رفضت هذه الاتّهامات بشكل قاطع، وأعلنت أنّها ستدافع عن نفسها بحزم أمام القضاء.
على الصعيد الرسمي، أعلن حاكم Indiana Mike Braun أنّه وجّه المحامي العامّ للمستهلكين بتقديم طلبٍ للتحقيق في استعداد NIPSCO لمواجهة العواصف وطريقة تعاملها معها، إضافةً إلى التحقّق ممّا إذا كانت الأموال التي وافق عليها المنظّمون لتطوير البنية التحتية قد أُنفقت فعلاً كما وُعد.
ما قد لا يظهر في العنوان: التهميش الهيكلي
الإشارة الأعمق في هذه الأزمة لا تتعلّق بعاصفة أغسطس وحدها، بل بالنمط الذي تكشفه.
Gary مدينةٌ تضمّ نحو 69,000 نسمة، منهم 55,000 من السود. يعيش أكثر من 29% من سكّانها تحت خطّ الفقر، وفقاً لمسح المجتمع الأمريكي لعام 2024. متوسّط دخل الأسرة فيها يبلغ نحو 40,752 دولاراً، مقارنةً بـ71,959 دولاراً لبقية الولاية فجوةٌ تعكس عقوداً من النزوح السكّاني وإغلاق مصانع الصلب وتراجع الاستثمار.
Stephen Pantano، نائب الرئيس الأول لتحوّل السوق في Impact Lab التابع لـUrban Land Institute، لخّص المعادلة بوضوح: «بعض الناس لا يملكون رفاهية امتلاك سيارة للذهاب إلى مكانٍ آخر، أو الوصول إلى مكانٍ خارج نطاق مجتمعهم المباشر حيث قد تكون الكهرباء متاحة».
وأضاف: «Gary جاء دورها هذه المرّة، لكنّها ستكون مدينةٌ أخرى في المرّة القادمة. ومشكلة البنية التحتية المتقادمة وغياب الاستثمار تُضخّم الأضرار حين تضرب المجتمعات التي تعاني من هذه المشكلات منذ أمد بعيد».
Erin Carreon، 40 عاماً، باحثة في الدكتوراه في العمل الاجتماعي من جامعة Chicago، نشأت في Gary وهي بيضاء وتقيم فيها حتّى اليوم وكانت هي الأخرى دون كهرباء منذ العاصفة. قالت: «نشأت في Gary والتفاوت الاجتماعي كان واضحاً جداً أمامي. رؤية كيف أُهملت المدينة على مرّ السنين كانت جزءاً محورياً من حياتي».
Memphis: نمطٌ مشابه
في الوقت ذاته، كان نحو 34,000 عميل في مدينة Memphis بولاية Tennessee وهي أيضاً ذات غالبية سوداء لا يزالون دون كهرباء بعد عواصف ضربت المدينة يوم السبت، وفقاً لموقع شركة Memphis Light, Gas and Water. بعض السكّان بدأوا يُقارنون وضعهم بما جرى في Gary.
ثلاثة سيناريوهات للمسار القادم
ما تكشفه أزمة Gary ليس استثناءً، بل نموذجٌ قابلٌ للتكرار. ثمّة ثلاثة مسارات محتملة:
الأرجح: استمرار النمط الحالي، حيث تتعرّض المجتمعات الفقيرة ذات البنية التحتية المتقادمة لانقطاعاتٍ أطول وأشدّ وطأةً مع كلّ موجة طقس قاسية، في ظلّ غياب إصلاحٍ هيكلي في تمويل شبكات الكهرباء أو في آليات التنظيم.
المحتمل: أن تُفضي التحقيقات الحكومية والدعاوى القضائية إلى ضغطٍ تنظيمي يُلزم شركات الخدمات بمعايير أعلى في صيانة البنية التحتية وهو مسارٌ بطيء لكنّه ليس مستبعداً إذا تراكمت الضغوط السياسية.
الأقلّ احتمالاً: تحوّلٌ هيكلي حقيقي في نموذج الاستثمار يستهدف المجتمعات المهمَّشة تحديداً، مدعومٌ بتمويلٍ فيدرالي موجَّه وإرادةٍ سياسية محلّية وهو ما تتحدّث عنه الأطر السياسية لكنّه نادراً ما يتحوّل إلى واقع ملموس بالسرعة الكافية.
الإشارة الأضعف هنا هي أنّ تصاعد وتيرة الأحداث المناخية القصوى يعني أنّ نافذة الإصلاح تضيق لأنّ كلّ انقطاعٍ جديد يُعمّق الجرح في مجتمعاتٍ لم تتعافَ بعد من الانقطاع السابق.
أخبار ذات صلة

هاواي تستعدّ لإعصارٍ محتملٍ بعد تعافيها من إعصار لالا

زلزالٌ يعمّق أزمةً ثلاثية في أفقر مناطق كولومبيا

الزلزال المدمّر في إندونيسيا الشرقية يشرّد آلاف الأطفال وسط موجة خوف
