زلزال كولومبيا يكشف معاناة منطقة تشوكو المنسية
زلزال مدمر يضرب منطقة تشوكو المنسية في كولومبيا ويكشف عن إهمال مزمن في البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية. مأساة إنسانية تواجه تحديات كبيرة في التعافي وسط فقر ونزاعات مسلحة مع استمرار نقص الدعم والمساعدات وورلد برس عربي.





زلزالٌ يكشف جراح منطقة كولومبية منسيّة: «نحن متأخّرون عقوداً عن بقية البلاد»
كان إسماعيل أرياس في طريقه إلى السوق حين ضرب الزلزال المدمّر غرب كولومبيا، بقوّة 7.4 درجة على مقياس ريختر، مُخلِّفاً وراءه موتى وخراباً واسعاً. منطقة تشوكو، حيث يقطن أرياس، كانت بؤرة الزلزال.
يقول الرجل إنّ خروجه من المنزل مبكّراً ذلك اليوم أنقذ حياته على الأرجح فالمنزل المؤلَّف من طابقين، الذي أمضى سنواتٍ في بنائه من راتبه المتواضع، انهار تماماً خلال الهزّة.
«البيت دُمِّر بالكامل»، قال أرياس، معلّم الرياضيات البالغ من العمر 66 عاماً، من مدينة كيبدو عاصمة المنطقة.
أودى زلزال 10 أغسطس بحياة 312 شخصاً على الأقل، وفق أرقام نشرتها الحكومة المركزية يوم الأربعاء، فيما دُمِّر 29,000 منزل.
ستكون عملية التعافي بالغة الصعوبة في تشوكو، التي كانت أصلاً تصارع معدّلات فقرٍ مرتفعة، وبنيةً تحتية هشّة، وخدماتٍ صحية وتعليمية تعاني من شُحّ التمويل.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تضرّر أو نزح 69,000 شخص في تشوكو جرّاء الزلزال، أي ما يعادل نحو 10% من سكّانها.
وأفادت الحكومة الإقليمية بأنّ أكثر من 200 مدرسة تضرّرت، وأنّ ضعف الاتصال بالإنترنت سيُعسِّر على الأطفال متابعة الدراسة عن بُعد. تضمّ تشوكو نحو 600,000 نسمة، غالبيّتهم من الكولومبيّين ذوي الأصول الأفريقية أو من السكّان الأصليّين، وهي منطقةٌ ظلّت على مدار عقود من بين أكثر مناطق كولومبيا إهمالاً.
تُغطّي الجبالُ والغاباتُ الاستوائية معظمَ أراضيها، ولا يربطها بباقي كولومبيا سوى طريقَين هشَّين. كثيرٌ من البلدات لا يمكن الوصول إليها إلّا بالطائرة أو بالقوارب عبر أنهارٍ قد تكون خطرة. ولا تتوفّر أيّ طرق تربط المجتمعات المنتشرة على امتداد أكثر من 650 كيلومتراً من ساحل تشوكو المطلّ على المحيط الهادئ بالمناطق الداخلية.
وفي مساحاتٍ واسعة من المنطقة، تتقاتل الجماعات المسلّحة على السيطرة على المناجم غير المشروعة وطرق تهريب المخدّرات، ممّا يُهجِّر السكّان أو يفرض عليهم حظرَ تجوّلٍ يحول دون عملهم في حقولهم لأيّامٍ متواصلة.
«نحن نواجه أزمةً ثلاثية المستويات»، قال لويس مورا، ممثّل صندوق الأمم المتحدة للسكّان في كولومبيا. «لديك الأزمة الإنسانية التي خلّفها الزلزال، تنضمّ الآن إلى أزمة التخلّف التنموي وأزمة النزاع المسلّح في هذه المنطقة.»
وكان الصندوق يوزّع حقائب النظافة الشخصية على النساء المتضرّرات من الزلزال، ويعمل على توفير مساحاتٍ آمنة للنساء داخل مراكز الإيواء.
المستشفى العام الوحيد في العاصمة الإقليمية غير مهيّأ لمواجهة الكارثة
قال كريستيان ماتورانا، طبيبٌ في المستشفى العام الوحيد في كيبدو، إنّ غرفة الطوارئ فاضت بالمرضى الذين يعانون من كسورٍ في العظام وإصاباتٍ متنوّعة في أعقاب الزلزال مباشرةً.
وفي الأيام التالية، نُقل 36 مريضاً يعانون من كسورٍ متعدّدة جوّاً إلى مستشفى في مدينة ميدلّين بمنطقة أنتيوكيا المجاورة لأنّ مستشفى كيبدو يفتقر إلى الكوادر البشرية والمعدّات الكافية لعلاجهم، وفق ما أوضح ماتورانا.
كما تعطّلت الثلّاجة الوحيدة في المستشفى القادرة على تخزين التبرّعات بالدم، إذ تضرّرت جرّاء ارتفاعٍ مفاجئ في التيّار الكهربائي أعقب الزلزال، ممّا جعل عمليات نقل الدم مستحيلة. وقد استُبدلت بها خلال عطلة نهاية الأسبوع ثلّاجةٌ تبرّع بها مجموعةٌ من أطبّاء الأورام في بوغوتا، عاصمة البلاد.
«كانت أيّاماً عسيرة»، قال ماتورانا، مضيفاً أنّ الدعم الوارد من مناطق كولومبية أخرى ومن الخارج «كان بالغ الأهمية».
وأشار إلى أنّ غرفة الطوارئ تعمل حالياً بضعف طاقتها الاستيعابية، مع علاج المرضى على كراسٍ أو نقّالاتٍ في ممرّات المستشفى.
وقد أسهمت التبرّعات من مضاداتٍ حيوية وضماداتٍ وأجهزة قياس ضغط الدم وغيرها في تخفيف الضغط، غير أنّ المستشفى لا يزال بحاجةٍ ماسّة إلى كراسي متحرّكة وأسرّة إضافية.
«تبدو هذه أشياءً أساسية»، قال ماتورانا. «لكنّها عناصر نعاني من شُحّها منذ أمدٍ بعيد.»
وقال كاميلو برييتو، طبيبٌ في الحركة البيئية الكولومبية وهي منظّمةٌ إنسانية إنّ منظّمته أحضرت أكثر من طنَّين من المستلزمات الطبية الأسبوع الماضي، من بينها أجهزة تخطيط القلب والموجات فوق الصوتية. كما نقلت المجموعة جزءاً من المساعدات إلى البلدات النائية بالطائرات المروحية والطائرات الصغيرة.
«بالطريق البرّي كان الأمر شبه مستحيل»، قال برييتو. «لكنّ بعض الشركات وأصحاب الطائرات الخاصة منحونا ساعاتٍ طيران.»
منطقةٌ تحمل تاريخاً طويلاً من الإهمال
قال ويستون موسكيرا، الأسقف الكاثوليكي لأبرشية كيبدو، إنّه يأمل أن يُسلِّط الزلزال الضوء على كثيرٍ من المشكلات الهيكلية التي تعانيها تشوكو، كضعف المرافق الصحية، وانعدام الطرق، والانقطاع المتكرّر للتيّار الكهربائي.
«نحن متأخّرون عقوداً عن بقية مناطق كولومبيا»، قال موسكيرا، الذي وُلد وترعرع في تشوكو.
وقد زار الرئيس الكولومبي أبيلاردو دي لا إسبريّا تشوكو مرّتين منذ وقوع الزلزال، وتعهّد بخطّةٍ تشمل استثماراتٍ في البنية التحتية بمليارات الدولارات وبرامج لتوليد فرص العمل.
وكانت نسبة البطالة في تشوكو الأعلى على مستوى كولومبيا العام الماضي، وفق بيانات وكالة الإحصاء الوطنية DANE. وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلّي الإجمالي للمنطقة 14.3 مليون بيزو كولومبي في 2025، أي ما يعادل نحو 3,500 دولار، وهو ما يمثّل ربع متوسّط دخل الفرد في بوغوتا.
وأعلن دي لا إسبريّا أنّه سيعيّن مسؤولاً حكومياً للإشراف على عملية التعافي في تشوكو، وسيوفّر دعماً مالياً للأسر التي فقدت مساكنها جرّاء الزلزال لتتمكّن من استئجار مساكن بديلة.
أمّا أرياس، معلّم الرياضيات الذي فقد منزله، فيقول إنّه يتشكّك في هذه الوعود نظراً لتاريخ المنطقة مع الإهمال. وأوضح أنّه أنفق نحو 32,000 دولار في بناء منزله، مستعيناً بقروضٍ مصرفية، وأنّه يجد نفسه عاجزاً عن تأمين هذا المبلغ من جديد براتبه الحالي كمعلّم.
«حتّى لو حصلت على مساعدة، لا أعتقد أنّها ستكون كافية»، قال أرياس. وهو يقيم حالياً مع زوجته في منزل أحد أقاربه.
«الأمر ليس كما كان»، يقول. «لا تشعر بالحرية ذاتها التي تجدها في بيتك.»
أخبار ذات صلة

حرائق كندا تهجّر 20 ألفاً: هل بدأ العصر الجديد للكوارث المناخية؟

الزمن الحرج: كم ساعة يبقى الإنسان حياً تحت الأنقاض؟

زلزال كولومبيا يختبر الرئيس الجديد وسط البحث عن الآلاف المفقودين
