جوجل تواجه تحدي الانبعاثات بدعم الصلب الأخضر
Google تواجه زيادة انبعاثاتها الكربونية بسبب توسع مراكز البيانات لكنها تراهن على دعم الصلب الأخضر عبر شهادات بيئية من Stegra لتقليل الأثر. تعرف على كيف تفتح هذه الخطوة سوقاً جديدة للمواد المستدامة في وورلد برس عربي.

ارتفعت انبعاثات Google الكربونية بنسبة 18% بين عامَي 2024 و2025، وهو رقمٌ يصعب تجاهله حين يصدر عن شركةٍ تضع الاستدامة في صدارة خطابها المؤسّسي. الدافع المباشر؟ التوسّع المتسارع في مراكز البيانات التي تغذّي نماذج الذكاء الاصطناعي وما يتطلّبه ذلك من صلب وخرسانة وأجهزة بكمياتٍ غير مسبوقة. لكنّ ما قد لا يظهر في العنوان هو أنّ الشركة تراهن على معادلةٍ مختلفة لإدارة هذا الأثر: لا تشتري الصلب الأخضر، بل تشتري شهاداتٍ بيئية مرتبطة بإنتاجه.
رهانٌ على الصلب السويدي
في يونيو 2024، أعلنت Google عن شراكةٍ مع Stegra، شركة الصلب الخضراء السويدية المعروفة سابقاً بـ H2 Green Steel، لدعم إطلاق مصنعٍ للصلب شبه الخالي من الانبعاثات في مدينة Boden شمال السويد. الصفقة لا تتضمّن شراء الصلب فعلياً؛ بدلاً من ذلك، ستحصل Google على شهاداتٍ بيئية (Environmental Attribute Certificates) تُمكّنها من احتساب تخفيضاتٍ في انبعاثاتها مقابل دعم هذا المشروع.
ما يميّز نموذج Stegra هو أنّه يُحلّ الهيدروجين الأخضر محلّ الفحم في عملية اختزال الحديد. يُنتَج هذا الهيدروجين من الكهرباء المتجدّدة والماء، ما يُتيح وفق ادّعاءات الشركة خفضاً يبلغ 95% في انبعاثات الكربون مقارنةً بالتصنيع التقليدي. وتجدر الإشارة إلى أنّ إنتاج الصلب يُسهم بنحو 9% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن النشاط البشري سنوياً وهو رقمٌ يجعل تحوّل هذه الصناعة شرطاً لا تكملةً في أي مسارٍ جدّي لخفض الانبعاثات العالمية.
ستُنتج منشأة Boden 2.5 مليون طن متري من الصلب في مرحلتها الأولى، مع خططٍ للتوسّع إلى 5 ملايين طن. وفي إطار الاتفاق، ستحصل Google على شهاداتٍ تُغطّي ما يصل إلى 91,000 طن متري من الصلب خلال السنة الإنتاجية الأولى لـ Stegra. والجدير بالذكر أنّ Stegra تبيع صلبها كمنتجٍ قياسي دون أيّ تصنيفٍ خاص بانخفاض الكربون أي أنّ القيمة البيئية تُفصل عن المنتج المادّي وتُتداول بشكلٍ مستقل.
قال المتحدّث باسم Google: "من خلال دعم التقنيات في مراحلها المبكّرة مثل الصلب الأخضر من Stegra، نُساعد على بناء سوقٍ للمواد الأساسية اللازمة لخفض الانبعاثات". وأضاف في سياقٍ آخر: "مشترياتنا تُسهم مباشرةً في تمكين Stegra من الحصول على التمويل اللازم للمرحلة الثانية من توسّع منشأتها الإنتاجية".
الشهادات البيئية: أداةٌ لفتح الأسواق أم مجرّد محاسبة ورقية؟
الفكرة الجوهرية خلف هذه الصفقة هي نظام "الكتاب والمطالبة" (Book-and-Claim)، الذي يُتيح لشركاتٍ مثل Google المطالبة بتخفيضاتٍ في الانبعاثات دون أن تستلم المنتج المادّي. وهو نموذجٌ يُثير تساؤلات مشروعة حول مصداقيّة الإسناد البيئي لكنّه في الوقت ذاته يُعالج عقبةً هيكلية حقيقية في تمويل مشاريع الصلب الأخضر.
توضّح Claire Dougherty، مديرة برنامج إزالة الكربون الصناعي في RMI (معهد الجبال الصخرية)، طبيعة هذه العقبة بدقّة: "منشأة الهيدروجين للصلب قد تكلّف مليارات الدولارات، وهذا يجعل التمويل بالغ الصعوبة، لا سيّما دون ضمانٍ بأنّ أحداً سيشتري منتجك المُخفَّض الكربون بسعرٍ مرتفع". وتُضيف: "الشهادات تُساعد على توسيع قاعدة الطلب، وتُمكّن الموردّين من تحقيق عقود مشترياتٍ قابلة للتمويل المصرفي".
وتعمل RMI حالياً على إعداد إطارٍ لنظام "كتاب ومطالبة" موثوق للحديد والصلب منخفض الكربون وهو ما يُشير إلى أنّ السوق لا تزال في طور البناء المعياري، لا في مرحلة النضج.
هذا النموذج ليس حكراً على Google. فقد أبرمت Stegra العام الماضي صفقةً مزدوجة مع Microsoft تشمل شهاداتٍ وإمدادات صلب لموردّي مراكز البيانات الأوروبية. كما وقّعت Electra، وهي شركةٌ ناشئة في ولاية كولورادو تعتمد تقنية التصنيع الكيميائي الكهربائي للحديد بالاعتماد على الطاقة المتجدّدة متجاوزةً درجات الحرارة العالية اللازمة في الأفران التقليدية صفقةً مماثلة مع Meta لتزويدها بشهاداتٍ بيئية.
تُعلّق Maressa Brennan، المديرة الأولى للسياسات التنظيمية والأسواق في Electra، على مغزى هذه الصفقات: "الاتفاق مع Meta كان مثالاً مبكّراً يُشير إلى وجود اهتمامٍ سوقي بهذه الأنواع من التقنيات". وتُضيف: "العمل الذي نُنجزه الآن يهدف إلى إرساء سوقٍ رسمية تُساعد هذه المقاربات على التوسّع". وتُشير إلى أنّ الاتفاق مع Google يمثّل "خطوةً بالغة الأهمية في توسيع نطاق سوق الشهادات لمنتجي الحديد والصلب منخفضَي الكربون".
وعلى صعيد المعايير، تعمل كلٌّ من Stegra وElectra وCharm Industrial وهيئة Roundtable on Sustainable Biomaterials معاً على وضع معاييرٍ موحّدة لاحتساب الانبعاثات والتحقّق من الشهادات وهو مسارٌ ضروري قبل أن تنضج هذه السوق وتكتسب مصداقيّةً واسعة.
إشاراتٌ ضعيفة ومخاطر هيكلية
ثمّة إشارةٌ تستحقّ التوقّف عندها: مسار Stegra الزمني بات خاضعاً للمراجعة بسبب صعوباتٍ مالية أخيرة. وهو ما يُلقي بظلاله على الجدوى التشغيلية للصفقة برمّتها إذ لا قيمة للشهادات البيئية إن لم يُنتَج الصلب الأخضر فعلياً.
في المقابل، تسير Electra وفق جدولها؛ إذ تخطّط لبدء تشغيل منشأتها التجريبية في كولورادو عام 2024 بطاقةٍ إنتاجية تبلغ 500 طن متري من الحديد سنوياً وهو حجمٌ صغير بالمعايير الصناعية، لكنّه يُمثّل اختباراً حقيقياً للتقنية على أرض الواقع.
ثلاثة سيناريوهات تبدو واقعية لمسار هذا السوق الناشئ خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة:
الأرجح، أن تُسهم الشهادات البيئية في توفير التمويل اللازم لمشاريع الصلب الأخضر، مع بقاء الحجم الإجمالي محدوداً ريثما تنضج المعايير وتُحسم الإشكاليات التمويلية.
المحتمل، أن يُفضي الإطار الذي تعدّه RMI إلى جانب مشاركة شركاتٍ كبرى كـ Google وMicrosoft وMeta إلى تسريع بناء سوقٍ قابلة للتحقّق، تجذب رأس المال المؤسّسي وتُعجّل بالتوسّع.
الأقلّ احتمالاً، أن تتعثّر المشاريع الكبرى كـ Stegra تحت وطأة الضغوط المالية، ما يُقوّض الثقة في نموذج الشهادات قبل أن يثبت جدواه.
ما يبقى ثابتاً في كلّ السيناريوهات هو أنّ الطلب على الصلب والخرسانة سيظلّ مرتفعاً طالما استمرّ التوسّع في بنية الذكاء الاصطناعي. السؤال ليس إن كانت شركات التكنولوجيا الكبرى ستبحث عن حلولٍ لتخفيض انبعاثات سلاسل توريدها بل هل ستكون الأدوات المتاحة، من شهاداتٍ وأسواق وإطارات تحقّق، ناضجةً بما يكفي حين يحين موعد الحساب الفعلي؟
أخبار ذات صلة

غاري فاينرتشوك يراهن على "VeeFriends": "قد تكون أكبر إمبراطورية أبنيها"

صناع المحتوى في Mipcom يواجهون تحوّلاً هيكلياً: «الصناعة تتحرّك تحتنا»

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية
