وورلد برس عربي logo

ألمانيا بين التاريخ والدعم العسكري لإسرائيل

ألمانيا تفشل في الحصول على مقعد في مجلس الأمن، وكشف دعمها للحرب على غزة عن أعباء تاريخية. تتعارض مواقفها مع القانون الدولي، مما يثير تساؤلات حول مكانتها العالمية. كيف ستواجه هذه التحديات؟ اكتشف المزيد في وورلد برس عربي.

وزير الخارجية الألماني السابق يوهان فاديفول يجلس في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع التركيز على التحديات التي تواجه ألمانيا في السياسة الدولية.
يترقب وزير الخارجية الألماني يوهان ويدفول قبل انتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك بتاريخ 3 يونيو 2026 (ديفيد "دي" ديلغادو/رويترز)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في 3 يونيو، أخفقت ألمانيا للمرة الأولى في تاريخها في الحصول على مقعد دوري في مجلس الأمن الدولي، إذ جاءت نتيجة التصويت دون الحدّ المطلوب بفارق 23 صوتاً. وأعلنت النتيجةَ أنالينا بيربوك، وزيرة الخارجية الألمانية السابقة ورئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة حالياً.

كان هذا التصويت حكماً صريحاً على مكانة ألمانيا في العالم، وبرلين نفسها تعرف السبب جيداً.

اعترف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأنّ بلاده خسرت أصواتاً بسبب دعمها للحرب الإسرائيلية على غزة، أو كما صاغها هو: «المسؤولية الخاصة لألمانيا تجاه إسرائيل». ثم أسرع إلى التأكيد بأنّ ألمانيا ستواصل الوفاء بهذه المسؤولية رغم الإحراج الدولي.

في لحظةٍ تشنّ فيها دول خارجة عن القانون الدولي كالولايات المتحدة وإسرائيل حروباً وحملات إكراه ضد دول من اختيارها من إيران واليمن إلى لبنان وفلسطين وفنزويلا يبحث بقية العالم عن شركاء دوليين قادرين على مواجهة العاصفة، لا على إذكائها. وقد أثبتت ألمانيا أنّها مستعدّة لتقويض القانون الدولي وثني مبادئ حقوق الإنسان دفاعاً عمّا باتت دول كثيرة ترى فيه موقفاً لا يمكن الدفاع عنه. فشلت في إقناع العالم بأنّها منارة دبلوماسية، وبدلاً من ذلك كشفت عن أعباء تاريخية قضت عقوداً في محاولة تجاوزها.

دعم الإبادة الجماعية

تُعدّ ألمانيا ثاني أكبر مورّد للأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، إذ كانت مسؤولة عن نحو 30 بالمئة من واردات إسرائيل العسكرية بين عامَي 2019 و2023.

في أغسطس، أعلن المستشار فريدريش ميرتس تقييد صفقات الأسلحة إلى إسرائيل، غير أنّ التعليق لم يشمل سوى تراخيص التصدير الجديدة للأسلحة التي يُحتمل استخدامها في غزة، دون أن يمسّ الصفقات المُجازة مسبقاً التي واصلت تدفّقها.

ثم انهار هذا الواجهة في نوفمبر حين أعلنت برلين رفع حتى هذا القيد الجزئي واستئناف صادرات الأسلحة بالكامل.

لكنّ ما يُثير تساؤلات العالم حول المكانة الدولية لألمانيا لا يقتصر على صفقات الأسلحة، بل يمتدّ إلى المدى الذي تبلغه في تقييد القانون الدولي وتقويضه.

في 4 يونيو، كان وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على وشك التصويت على فرض عقوبات ضد وزيرَين إسرائيليَّين متطرّفَين هما إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، إلّا أنّ ألمانيا حالت دون إجراء التصويت، ولا تزال تعرقل هذه العقوبات الأوروبية.

ولم تكن هذه المرة الأولى. ففي أبريل، عطّلت ألمانيا تصويتاً على تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل التي تمنح إسرائيل وصولاً تفضيلياً إلى السوق الأوروبية وتمويلاً من الاتحاد رغم أنّ أغلبية الدول الأعضاء كانت مؤيّدة للتعليق. و وصفت برلين محاولة إجراء التصويت بأنّها «غير ملائمة»، وحالت دون أي إجراء أوروبي.

في ديسمبر 2023، رفعت جنوب أفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية. ولم تكتفِ ألمانيا برفض هذه الاتهامات علناً وبشكل شبه فوري، بل أعلنت نيّتها التدخّل مباشرةً في إجراءات المحكمة.

وقالت الحكومة الألمانية: «لا سيما في ضوء تاريخها الخاص، فإنّ صون نزاهة اتفاقية الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية هو تعبير عن المسؤولية الخاصة لألمانيا»، مستشهدةً بالتزامها بحماية إسرائيل.

غير أنّه مع تصاعد الضغط القانوني ولا سيما من خلال الدعوى المنفصلة التي رفعتها نيكاراغوا أمام محكمة العدل الدولية تطعن فيها بدعم ألمانيا لإسرائيل تراجعت برلين في نهاية المطاف ولم تُنفّذ تدخّلها المُخطَّط.

التاريخ درعاً واقية

تستحضر ألمانيا باستمرار «المسؤولية التاريخية» مبرّراً رئيسياً كلّما واجهت انتقادات بشأن مواقفها من القانون الدولي ودعمها السياسي والعسكري الثابت لإسرائيل.

ولا يمكن فهم هذا التأطير بمعزل عن مبدأ «Staatsräson» (دولة السبب أو مقتضى الدولة)، الذي رفع الدعم لإسرائيل عملياً إلى مبدأ شبه دستوري يتقدّم في أحيان كثيرة على الالتزامات القانونية الدولية الأخرى واعتبارات حقوق الإنسان.

في مارس 2008، أعلنت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل أمام الكنيست الإسرائيلي أنّ أمن إسرائيل جزءٌ من «Staatsräson» ألمانيا، أي من مقتضيات وجود الدولة ذاتها.

في الممارسة العملية، لا يعمل مبدأ «Staatsräson» بوصفه تذكيراً أخلاقياً محايداً بالمسؤولية التاريخية، بل بوصفه منطقاً سياسياً موجِّهاً يُضيّق مساحة النقد، حتى في الحالات التي تنطوي على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.

والتزام ألمانيا بشعار «لن يتكرّر أبداً» بات يعمل بشكل متزايد إطاراً تفسيرياً انتقائياً، هدفه درء التدقيق الدولي عن نفسها وعن الدول المتواطئة معها، لا حماية الفئات الضعيفة بشكل عالمي من العنف الذي ترعاه الدول.

وبدلاً من ذلك، تتحوّل المواقف الأخلاقية لألمانيا إلى ما يشبه الانتقام. ففي يناير 2024، كانت ألمانيا من بين الدول التي علّقت تمويلها لوكالة الأونروا إثر اتهامات إسرائيلية لا أساس لها تدعي أنّ موظفي الوكالة دعموا الإرهاب وهي اتهامات خلص مراجعة مستقلة لاحقة إلى أنّ إسرائيل عجزت عن إثباتها بأدلة.

وفي أعقاب الهزيمة المُحرجة في الأمم المتحدة مباشرةً، طالب معلّقون سياسيون ألمان بسحب الدعم المالي عن المنظمة الدولية كلياً.

وقال مانفريد بنتز، وزير الشؤون الدولية في ولاية هيسن، لصحيفة Bild: «إذا لم يكن لنا التأثير الذي نستحقّه هناك، فإنّ السؤال يطرح نفسه: لماذا نواصل ضخّ كلّ هذه الأموال في الأمم المتحدة؟»

تجدر الإشارة إلى أنّه في حين تتورّط دول عديدة بما فيها النمسا التي نجحت فعلاً في الحصول على مقعد في مجلس الأمن في التواطؤ السياسي والعسكري والدبلوماسي في الجرائم المستمرّة بحق الشعب الفلسطيني، فإنّ دعم ألمانيا يعمل على مستوى نوعي مختلف تماماً.

فهو ليس مجرّد انسجام مع السياسة الغربية السائدة، بل هو دعمٌ محدَّد بنيوياً وتاريخياً، يتجلّى في صادرات عسكرية مستدامة وتدخّلات قانونية والتزام عقائدي عبر مبدأ «Staatsräson» يرفع الدعم لإسرائيل إلى مرتبة مبدأ جوهري في هوية الدولة.

ومن خلال معاملتها العنيفة للمحتجّين، وملاحقة الصحفيين الذين ينتقدون الخطاب الرسمي السائد، وتجريد الفلسطينيين من جنسيتهم، لا يعكس موقف ألمانيا التواطؤ الدولي الأشمل فحسب، بل يُعمّقه ويُضفي عليه الشرعية من خلال تلك اللغة ذاتها المتعلقة بالمسؤولية التاريخية.

وقد باتت ألمانيا، وفق روايتها الخاصة، تعتبر دعم الإبادة الجماعية من مقتضيات المسؤولية التاريخية.

وكان لافتاً أن تكون بيربوك هي من أعلنت خبر الخسارة الشخصية ذاتها التي قالت أنّ «المناطق المدنية كالمستشفيات قد تفقد حمايتها لأنّها تُستغلّ من قِبَل الإرهابيين».

وكما عبّر عنه دبلوماسي نمساوي بصراحة: «صوّتوا لنا تحديداً لأنّنا لسنا الألمان».

أخبار ذات صلة

Loading...
موقع قصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت، يظهر مبنىً سكنياً متضرراً وعناصر أمنية في الموقع، بعد الهجوم الذي أودى بحياة ثلاثة أشخاص.

غارة إسرائيلية على بيروت تسفر عن استشهاد ثلاثة أشخاص

في تصعيدٍ خطير، استهدفت ضربةٌ إسرائيلية الضاحية الجنوبية لبيروت، مما أسفر عن استشهاد 3 وإصابة 15. هذه الأحداث تعكس توترات متزايدة قد تؤثر على مسار المفاوضات. تابعوا التفاصيل المثيرة حول تداعيات هذا الهجوم.
سياسة
Loading...
شاشة هاتف تعرض تطبيق ChatGPT الرسمي من OpenAI، مع تفاصيل حول تقييمه وعدد التنزيلات، مما يعكس تزايد استخدام روبوتات المحادثة.

ترامب يحاول إجهاض تنظيمات الذكاء الاصطناعي بالولايات، لكن بعضها يمضي قدماً

في زمن يتسارع فيه استخدام الذكاء الاصطناعي، تبرز الولايات الأمريكية كقوة تنظيمية جديدة، مُتجاوزةً قيود ترامب. اكتشف كيف تتشكل القوانين لحماية الأطفال وتعزيز المساءلة. تابع القراءة لتعرف المزيد عن هذه التطورات المثيرة!
سياسة
Loading...
ملصق دعائي يظهر وجه شخصية معروفة مع نص يرفض عزل سويسرا عن أوروبا، في سياق الاستفتاء حول الهجرة.

الناخبون السويسريون يرفضون مقترح اليمين تحديد السكان بـ 10 ملايين نسمة

في استفتاءٍ تاريخي، رفض الناخبون السويسريون فكرة تحديد عدد السكان عند 10 ملايين نسمة، مع تصويت 54% ضد المبادرة. هل ستؤثر هذه النتيجة على مستقبل الهجرة والسياسات الاجتماعية في البلاد؟ اكتشف المزيد حول هذا الموضوع الشائك.
سياسة
Loading...
صورة تظهر منطقة سكنية غير منظمة تضمّ منازل مؤقتة وأشجار، تعكس التحديات التي تواجه المجتمعات في المناطق المحتلة.

إشعار قانوني لمعبد يهودي بلندن يستضيف معرضاً عقارياً إسرائيلياً

تستعد لندن لاستقبال فعالية مثيرة للجدل تحت عنوان "Great Israeli Estate Event"، التي ترتبط بالمستوطنات الإسرائيلية غير المشروعة. انضم إلينا لاكتشاف التفاصيل والمخاوف القانونية التي تحيط بهذه الفعالية.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية