حرية التعبير والمقارنات المثيرة بين إسرائيل والنازية
محكمة ألمانية تؤكد أن مقارنة إسرائيل بالنازية حرية تعبير دستورية وسط جدل متصاعد حول السياسات الإسرائيلية في غزة وتأثيرها على الرأي العام الألماني والتوتر بين الذاكرة التاريخية والواقع السياسي الحالي وورلد برس عربي

قضت محكمةٌ إقليمية ألمانية هذا الشهر بأنّ مقارنة إسرائيل بألمانيا النازية تندرج ضمن حرية التعبير المكفولة دستورياً، في حكمٍ يُجلّي تصاعد التوتّر بين الحماية الدستورية من جهة، والتزامات برلين السياسية تجاه تل أبيب من جهةٍ أخرى.
وكانت المحكمة الإقليمية قد أصدرت حكماً ببراءة امرأةٍ سبق أن أدانتها محكمةٌ أدنى درجةً بسبب منشوراتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي قارنت فيها سلوك إسرائيل في غزة بأساليب النظام النازي.
وفي السنوات الأخيرة، بات الدعم الألماني لإسرائيل يُلقي بظلاله بصورةٍ متزايدة على قرارات الشرطة والإدارة والملاحقات الجنائية على حدٍّ سواء.
فعقب السابع من أكتوبر 2023، حظرت ألمانيا حركة Hamas وجمعية Samidoun، وهي منظمةٌ تدافع عن الحقوق الفلسطينية، فيما لجأت بصورةٍ متصاعدة إلى قوانين صِيغت في الأصل لمنع بعث النازية من جديد، لتوظيفها في ملاحقة منتقدي السياسات الإسرائيلية.
وقد رفض الحكم القضائي الأخير الذي خلص إلى أنّ توظيف المرأة لصور ورموز نازية في سياق الحديث عن سلوك إسرائيل في غزة يُمثّل تعبيراً سياسياً محمياً التصوّرَ الراسخ في الأوساط الألمانية القائل بأنّ مثل هذه المقارنات تُعدّ جريمةً بطبيعتها.
وفي ضوء النقاش المتصاعد حول ارتكاب إسرائيل إبادةً جماعيةً في غزة، وأوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق كبار المسؤولين الإسرائيليين، والدعاوى المنظورة ضد إسرائيل وضد ألمانيا أمام محكمة العدل الدولية، يبدو الحكومة الألمانية بعيدةً عن تحقيق توافقٍ شعبي حول هذه المسألة.
بل إنّ الأمر سبق أن كشف عن انقسامٍ واسع قبل أحداث أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب؛ إذ أعلن أكثر من ثلث الألمان المستطلَعة آراؤهم اعتقادَهم بأنّ ما تفعله إسرائيل بالشعب الفلسطيني هو «في جوهره الشيء ذاته الذي فعله النازيون باليهود في الرايخ الثالث». ومنذ ذلك الحين، ازداد الرأي العام تشدّداً، إذ يؤيّد أكثر من 60 بالمئة من الألمان اليوم فرضَ عقوباتٍ أوروبية على إسرائيل.
التأمّل الأخلاقي
لم تكن المقارنات بين إسرائيل وألمانيا النازية وليدةَ اللحظة؛ فقد حضرت في النقاشات الأكاديمية والفلسفية والقانونية منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، التي تأسّست وسط موجةٍ من التطهير العرقي والتهجير القسري للسكان الفلسطينيين الأصليين.
وقد تجذّرت هذه المقارنات في نقاشات الذاكرة والهوية والمساءلة الأخلاقية على المستويات الفلسطينية والإسرائيلية والألمانية على حدٍّ سواء. ومن اللافت أنّ كلمتَي «شواه» (المحرقة) و«نكبة» تعنيان في الأصل «الكارثة»، وقد تناول باحثون من أمثال Amos Goldberg وBashir Bashir العلاقةَ بينهما بوصفهما صدمتَين وطنيتَين متشابكتَين، تُثيران تساؤلاتٍ عميقة حول المسؤولية التاريخية والذنب الموروث، ولا سيّما كيف تُشكّل ذاكرةُ كارثةٍ ما تفسيرَ كارثةٍ أخرى.
ولا يزال هذا التشابك حاضراً في الخطاب الألماني المعاصر المتعلّق بالذاكرة اليهودية؛ ففي عام 2023، شبّهت الكاتبة Masha Gessen غزةَ بالأحياء اليهودية التي أقامها النازيون، مُثيرةً جدلاً واسعاً حول جائزة Hannah Arendt. وقد كشف هذا الجدل عن ادّعاءٍ ألماني خاص بامتلاك سلطة تحديد الكيفية التي يجوز بها استحضار الذاكرة اليهودية، وما يُسمح بمقارنته بالمعاناة الفلسطينية.
وفي سياقٍ يستحقّ التأمّل، وصف بعض الجنود الإسرائيليين إبّان الانتفاضة الأولى شعورَهم بالتماهي مع النازيين حين شهدوا اضطهاد الفلسطينيين، وقد أفصح أحدهم في دراسةٍ تناولت انتفاضة الأعوام 1987-1993 قائلاً: «شعرتُ وكأنّني... نازيٌّ... بدا الأمر وكأنّنا نحن النازيون فعلاً وهم اليهود».
غير أنّه على مدى العقد الماضي، تحوّل الالتزام الألماني بأمن إسرائيل من مبدأٍ في السياسة الخارجية إلى إطارٍ أشمل يُعيد تشكيل الحوكمة الداخلية. وعلى الرغم من أنّ مفهوم «سبب الدولة» هذا لا يحمل قوّةً قانونية مستقلّة، فإنّه بات يُؤثّر بصورةٍ متزايدة في قرارات الوزارات والجامعات والبلديات وأجهزة إنفاذ القانون. بيد أنّ الحكم القضائي الأخير يُوضّح بجلاءٍ أنّ مثل هذه الالتزامات السياسية لا يمكنها أن تحلّ محلّ المعايير الدستورية حين يتعلّق الأمر بتحديد مشروعية خطابٍ سياسي ما.
فالحكومات قادرةٌ على انتهاج أهدافٍ محدّدة في سياستها الخارجية، لكنّ المحاكم تظلّ مُقيَّدةً بالمبادئ الدستورية لا بتفضيلات السلطة التنفيذية. ومن ثَمّ، فإنّ هذا الحكم يرفض ضمنياً المساعي الرامية إلى تحويل «سبب الدولة» الألماني إلى بنيةٍ شبه دستورية قادرةٍ على تقييد حرية التعبير السياسي، مُعيداً بذلك تأكيد استقلالية القانون الدستوري في مواجهة النفوذ المتنامي للعقيدة السياسية.
تحوّلٌ أشمل
إنّ استحضار ماضي ألمانيا النازية، والدور الذي اضطلع به المشرّعون والجهاز القضائي في دعم ملاحقة الأقليات وتعذيبها، يُلقي على القضاة اليوم التزاماً أخلاقياً بالامتناع عن اعتبار الأيديولوجيا الحكومية مسوّغاً لقمع الآراء المعارضة ولا سيّما في ظلّ دعم برلين لإسرائيل التي تمارس التطهير العرقي في فلسطين وجنوب لبنان.
وتعكس هذه القضية المتعلّقة بحرية التعبير تحوّلاً أعمق في ألمانيا المعاصرة؛ إذ باتت الإجراءات الجنائية المرتبطة بالقضية الفلسطينية تُمثّل في جوهرها صراعاتٍ رمزية حول الهوية الوطنية والذاكرة التاريخية. ونادراً ما تقتصر هذه النقاشات على خصوصيات شعارٍ بعينه أو صورةٍ محدّدة، بل تعمل بوصفها آلياتٍ تسعى الدولة من خلالها إلى ترسيخ تفسيرٍ بعينه لمسؤولية ألمانيا في مرحلة ما بعد الحرب. ومن هذه الزاوية، يتحوّل قاعةُ المحكمة إلى فضاءٍ تُتفاوَض فيه تفسيراتٌ متباينة للتاريخ والديمقراطية وشرعية الدولة.
والجدير بالذكر أنّ الحكم الأخير لا يُرسي حقاً مطلقاً للمعارضين في مقارنة إسرائيل بألمانيا النازية، ولا يُلغي القوانين الألمانية المتعلّقة بإنكار المحرقة أو التحريض على الكراهية. بل إنّه يُقرّر فحسب أنّ القانون الجنائي لا يجوز أن يُصبح أداةً لفرض توافقٍ سياسي. فالحقوق الدستورية موجودةٌ بالأساس لحماية التعبير السياسي، وتحديداً حين تميل المصالح الحكومية إلى تقييده.
أمّا ما إذا كان هذا الحكم يُمثّل بداية تحوّلٍ قضائي أوسع، فذلك أمرٌ لا يزال رهينَ المجهول. فالمحاكم الألمانية لا تزال تُصدر أحكاماً متضاربة في قضايا التعبير المرتبطة بفلسطين، تاركةً الناشطين والصحفيين والباحثين في حالةٍ من الضبابية إزاء حدود التعبير المشروع. وتتواصل حملات تشديد قوانين مكافحة الإرهاب، ويُحاكَم ناشطون بتهمة الانتماء إلى منظمةٍ إجرامية، فيما لا تزال الأحكام القضائية تتباين حول ما إذا كان شعار «من النهر إلى البحر» محظوراً قانونياً.
غير أنّه في ضوء تاريخ ألمانيا ذاتها الحافل بالتواطؤ القضائي في إضفاء الشرعية على اضطهاد الدولة، يقع على عاتق القضاة مسؤوليةٌ دستورية خاصّة: ضمان ألّا تطغى الالتزامات السياسية — مهما بلغت رسوخاً على الحقوق الأساسية.
أخبار ذات صلة

الطلاب والموظفون الفلسطينيون يرفعون دعوى ضد جامعة كولومبيا بتهمة التمييز

مسؤولون فرنسيون يُغلقون مسجداً لاستخدامه آياتٍ قرآنية ونصوصاً إسلامية في العبادة

إسرائيل تستخدم الحيوانات سلاحاً ضد الفلسطينيين
