وورلد برس عربي logo

تصاعد المواجهة القانونية بين ترامب والمحكمة الجنائية الدولية

تصاعد المواجهة بين إدارة ترامب ومنظمات حقوق الإنسان بعد فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية التي تحقق في قضايا حساسة تشمل إسرائيل وفلسطين. دعوى قضائية جديدة تتحدى قرار العقوبات التي تهدد عمل المنظمات الحقوقية وحقوق الإنسان وورلد برس عربي.

شعار المحكمة الجنائية الدولية على جدار خارجي مع أشخاص يلتقطون صورًا، في سياق العقوبات الأمريكية المثيرة للجدل ضد المحكمة ومنظمات حقوق الإنسان.
رجل يلتقط صورة لواجهة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا، في 28 مارس 2026 (جون ثيس/وكالة فرانس برس)

منذ أن وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرَه التنفيذي في أواخر يناير 2025 لفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، تتصاعد حدّة المواجهة القانونية بين إدارته ومنظمات حقوق الإنسان. وفي آخر فصول هذه المواجهة، رفعت أربع منظمات أمريكية دعوى قضائية الثلاثاء ضدّ الإدارة، في خطوةٍ تُضاف إلى ملفٍّ قانوني ودبلوماسي متشعّب.

المنظمات الأربع هي: American Friends Service Committee، وCenter for Constitutional Rights، وHuman Rights Watch، وOpen Society Institute. وفي بيانٍ مشترك، وصفت العقوبات بأنّها "مخالفة صريحة للقانون"، مؤكّدةً أنّها باتت مُكرَهةً على "تقليص نطاق واسع من أعمال حقوق الإنسان والعمل القانوني"، في انتهاكٍ للتعديلَين الأول والخامس من الدستور الأمريكي، وكذلك لقانون استعادة الحرية الدينية (Religious Freedom Restoration Act). ذلك أنّ أيّ جهةٍ تبدو مرتبطةً بقضايا المحكمة أو بمسؤوليها قد تتعرّض لتبعاتٍ قانونية.

جاء الأمر التنفيذي في أعقاب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للبيت الأبيض، وهو مطلوبٌ أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية في غزة منذ أكتوبر 2023. وقد صدرت مذكّرات اعتقال في نوفمبر 2024 بحقّ Netanyahu ووزير دفاعه السابق Yoav Gallant.

يطال الأمر التنفيذي جميع غير الأمريكيين وذويهم ممّن يُسهمون في تحقيقات المحكمة المتعلّقة بمواطنين أمريكيين أو حلفاء الولايات المتحدة؛ إذ تُجمَّد أصولهم، ويُحرمون من الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، ويُمنعون من دخول الأراضي الأمريكية.

المحامي البريطاني Karim Khan، الذي شغل منصب المدّعي العام للمحكمة، كان الشخص الوحيد المُدرَج بالاسم في قائمة العقوبات. وقد أُقيل لاحقاً بتصويت من الدول الأعضاء، وإن كان ذلك بسبب اتّهامات بالاعتداء الجنسي نفاها هو جملةً وتفصيلاً.

"لا أساس واقعي"

تُصرّح الدعوى القضائية الجديدة بأنّ صلاحيات ترامب لفرض العقوبات "تستند إلى حالة طوارئ وطنية زائفة لا أساس لها في الواقع". وتُضيف المنظمات أنّ "العقوبات أوقفت الأنشطة التي كانت تضطلع بها المنظمات الأربع، كتمثيل ضحايا جرائم الحرب بوصفها مستشاراً قانونياً، وتقديم مذكّرات قانونية وسياساتية إلى المحكمة، والتعاون مع منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية المشمولة بالعقوبات في مجالات التقاضي وحملات المناصرة وتوثيق الانتهاكات وتقديم المساعدات الإنسانية".

ولم تكن هذه الدعوى الأولى من نوعها. ففي يوليو الماضي، رفعت منظمات مدافعة عن حقوق الفلسطينيين دعوى أمام محكمة فيدرالية في مدينة نيويورك، تطلب فيها أمراً قضائياً يوقف تطبيق العقوبات على الجهات والأفراد المتعاملين مع المحكمة. وشاركت في تلك الدعوى منظمة Democracy for the Arab World Now (Dawn)، التي أسّسها الصحفي الراحل جمال خاشقجي، إلى جانب Taxpayer Alliance Against Genocide (Taag)، وذلك بعد أن كتب وزير الخارجية Marco Rubio مقالاً أعلن فيه أنّ الولايات المتحدة مستعدّة لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية "لبنةً لبنة".

وفي العام الماضي، فرضت إدارة ترامب أيضاً عقوباتٍ على عدد من منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية التي تتلقّى دعماً قانونياً ومالياً من خبراء ومانحين أمريكيين. كما طالت العقوبات مسؤولين في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بسبب مساعيهم للتقاضي أمام المحاكم الدولية ضدّ إسرائيل، ووصفت وزارة الخارجية الأمريكية هؤلاء المسؤولين دون الإفصاح عن هويّاتهم بأنّهم "يُقوّضون آفاق السلام".

تفكيك المحكمة

في مقالٍ نشرته صحيفة The Wall Street Journal، كتب Rubio أنّ "تدخّل المحكمة الجنائية الدولية في العمليات العسكرية وإنفاذ القانون الأمريكي لا يمثّل تجاوزاً صارخاً لصلاحياتها المزعومة فحسب، بل سيعني موت الولايات المتحدة بوصفها دولةً ذات سيادة ومستقلّة". وأضاف أنّ الأمريكيين على الأرجح لا يعرفون أسماء قضاة المحكمة أو مدّعيها العام أو رئيسها، وأنّه "لا ينبغي لهم أن يعرفوا"، متّهماً المحكمة بشنّ حربٍ على الولايات المتحدة.

أشار Rubio إلى وجود معارضةٍ "من الحزبَين" للمحكمة التي تأسّست عام 2002 في أعقاب الإبادات الجماعية والفظائع في مناطق نزاعٍ كرواندا ويوغوسلافيا السابقة، دون أن يُشير في مقاله إلى مذكّرة الاعتقال الصادرة بحقّ Netanyahu وGallant.

وقد حذّر الاتحاد الأوروبي في وقتٍ سابق من هذا العام من أنّ أمر ترامب قد يُلقي بظلاله على عمل المحكمة في جميع تحقيقاتها، لا في ملفّ فلسطين وحده. وتنظر المحكمة حالياً في 16 وضعاً تشمل دارفور وأوكرانيا وفنزويلا وأفغانستان وميانمار.

غير أنّ الشهر الماضي شهد تطوّراً لافتاً: انسحبت فنزويلا من المحكمة الجنائية الدولية، في ظلّ حكومةٍ تُدار فعلياً وفق ما أفادت به صحيفة The New York Times من بُعدٍ بواسطة Rubio نفسه. وقد رحّبت وزارة الخارجية الأمريكية بهذه الخطوة في منشورٍ على منصة X، معتبرةً إيّاها "شراكةً في الجهود الأمريكية لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية الفاسدة وعديمة القيمة".

واستندت الوزارة إلى التحقيق الذي أجرته المحكمة في حقّ الرئيس الفنزويلي السابق Nicolas Maduro الذي اختُطف من بلاده خلال عملية عسكرية أمريكية في يناير 2026 قائلةً إنّه لم يُسفر عن "أيّ نتيجة". وأضاف البيان: "بدلاً من ذلك، أهدرت المحكمة مواردها في التحقيق مع أشخاص ومحاكمتهم من دولٍ تمتلك أنظمةً قضائية كفؤة ومستقلّة ولم تخضع قطّ لولاية المحكمة"، واصفاً ذلك بأنّه "تجاوزٌ صريح وتحيّزٌ سياسي وانتقائيةٌ في التطبيق"، ومؤكّداً أنّ المحكمة "ليست ذات مصداقية ولا مستقلّة ولا شرعية".

ثمّة هنا تناقضٌ قانوني جوهري لا يمكن إغفاله: الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا طرفَين في نظام روما الأساسي (Rome Statute)، المعاهدة التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي عام 2002. وقد عارضت الدولتان تحقيق المحكمة في الجرائم الإسرائيلية في فلسطين، الذي أطلقته المدّعية العامة السابقة Fatou Bensouda عام 2021. وتستند ولاية المحكمة في هذا الملفّ إلى انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما عام 2015، ممّا يُخوّلها التحقيق مع أفراد إسرائيليين عن جرائم ارتُكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، بما فيها قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

في المقابل، طعنت إسرائيل والولايات المتحدة في ولاية المحكمة، مستندتَين إلى عدم اعترافهما بفلسطين دولةً، وإلى مبدأ التكامل (Complementarity) المنصوص عليه في المادة 17 من نظام روما، الذي يُقرّ بأولوية التحقيق الوطني حين تكون الدولة قادرةً على ذلك وراغبةً فيه. وقد أعاد أمر ترامب التنفيذي التأكيد على هذا الموقف، واصفاً مذكّرات الاعتقال بأنّها إساءةٌ لاستخدام السلطة.

أخبار ذات صلة

Loading...
خريطة توضح موقع أفغانستان وحدودها مع إيران وباكستان، مع إبراز مدينة هرات التي شهدت احتجاز موظفي بعثة الأمم المتحدة.

طالبان تعتقل موظفَيْ بعثة الأمم المتحدة السياسية في أفغانستان

احتجاز طالبان لموظفي الأمم المتحدة في هرات يهدد عمل البعثة الإنسانية ويخالف القانون الدولي. اكتشف المزيد حول تأثير هذا التصعيد على حقوق الإنسان واستقرار أفغانستان. تابع التفاصيل الآن!
Loading...
شاب يمني مصاب يرقد في سرير مستشفى مغطى ببطانية، يعكس آثار الغارات الجوية الأمريكية التي أسفرت عن ضحايا مدنيين في اليمن.

الجيش الأميركي يعترف بمقتل 153 مدنياً في غارات اليمن

أظهرت غارات الولايات المتحدة على اليمن سقوط مئات الضحايا المدنيين بينهم قتلى وجرحى، مما يثير تساؤلات حول تداعيات الحملة العسكرية. اكتشف التفاصيل وكن أول من يعرف الحقائق الكاملة.
Loading...
مهاجرون وأطفال ينتظرون في قاعة محكمة الهجرة في ساكرامنتو وسط إجراءات قانونية معقدة تهدف لدعم حقوق اللاجئين.

برامج قانونية تسعى لمساعدة المهاجرين في محاكمات الترحيل بلا محامٍ

في ظل نظام محاكم الهجرة المعقد، يواجه آلاف المهاجرين خطر الترحيل دون تمثيل قانوني. اكتشف كيف يمكن لمحامٍ متطوع أن يغير مصيرك. تابع القصة لتعرف المزيد وتجد الدعم المناسب.
Loading...
متظاهرون يحملون لافتة تقارن بين بريطانيا عام 1948 و2026 في احتجاج لدعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين أمام مبانٍ حكومية في لندن.

اتفاقية اللاجئين في عامها الـ75: بريطانيا مدينة لفلسطين بإجابة

تمر 75 عاماً على اتفاقية اللاجئين التي أسهمت بريطانيا في صياغتها، لكن الفلسطينيين استُثنوا من الحماية القانونية، ما يطرح تساؤلات حاسمة حول مسؤولية لندن. اكتشف التفاصيل وادعم العدالة الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية