فيدل كاسترو إرث الثورة وأزمة كوبا المستمرة
في ذكرى مئة عام على ميلاد فيدل كاسترو يحتفل الكوبيون بإرثه المليء بالكرامة والعمل والاجتهاد رغم الأزمات الاقتصادية والعقوبات الأمريكية التي تعصف بالجزيرة وتترك أثرها على حياة الشعب. وورلد برس عربي




في الثاني عشر من أغسطس، كان فيدل كاسترو سيبلغ المئة من عمره، وما زال ظلّه الطويل يخيّم على الجزيرة؛ يُجلّه بعضٌ يفتقده في مواجهة حصارٍ أمريكي خانق على الطاقة، فيما يحمّله آخرون مسؤولية تصميم المنظومة التي أفضت إلى الأزمة الراهنة في كوبا.
احتفت كوبا هذا الأسبوع بذكرى كاسترو من خلال فعالياتٍ متعدّدة، شملت معرض الكتاب الدولي، ومعارض فنية، وحفلاتٍ موسيقية، وتجمّعاتٍ لمندوبين من منظّمات يسارية في أرجاء القارة.
تتصدّر صوره المستشفياتِ، فيما تزيّن اللافتات الحاملة لشعاراته شوارعَ العاصمة، ومن بينها شعاره الشهير "الوطن أو الموت". وقد بات حضوره مألوفاً لدرجة أنّ كثيراً من الكوبيين يكتفون بمناداته بـ"فيدل".
قال الكاتب والمفكّر ميغيل بارنيت، العضو في الجمعية الوطنية: "أعتقد أنّ فيدل كاسترو ترك لكوبا إرثاً من الكرامة والأخلاق والعمل الدؤوب والاهتمام بالفقراء، وفلسفةً تُرجمت إلى سياساتٍ ملموسة في مجالات الثقافة والتعليم والصحة العامة."
يأتي هذا الاحتفال بالذكرى المئوية في ظلّ ضغوطٍ متصاعدة على الجزيرة، إذ فرضت إدارة Trump في يناير حصاراً على الوقود، أعقبته جملةٌ من العقوبات الرامية إلى إرغام الحكومة الشيوعية على إجراء إصلاحاتٍ سياسية واقتصادية. وقد عمّقت هذه الإجراءات أزمةً اقتصادية ممتدّة منذ خمس سنوات، تغذّيها عقوباتٌ أمريكية سابقة وإصلاحٌ مالي داخلي فاشل.
وتتجلّى التداعيات في حياة الكوبيين اليومية: انقطاعٌ مطوّل للكهرباء، وشحٌّ في الوقود والدواء، وتراجعٌ في النشاط الصناعي والسياحي، وإلغاءٌ للرحلات الجوية، وقيودٌ على التنقّل، وتقليصٌ لساعات العمل والدراسة.
حكم كاسترو كوبا خمسة عقود، منذ عام 1959 حتى تسليمه الرئاسة لأخيه عام 2008، وكان يعقد تجمّعاتٍ حاشدة ويُلقي خطاباتٍ تمتدّ لساعات. وظلّ مؤثّراً حتى وفاته عام 2016.
قالت أرخيليا موستيلييه، متقاعدةٌ تبلغ 61 عاماً وتقطن في هافانا القديمة: "فيدل تركنا كلّ شيء، كلّ ما هو جيّد جاء من المسيرة الثورية الكوبية. في هذه الأوقات العصيبة التي نعيشها، كان سيجد طريقةً يُدخل بها الفرحة على بلده وشعبه."
من حملات الكفاح المسلّح إلى قيادة الدولة
وُلد فيدل كاسترو روز في 13 أغسطس 1926 في منطقة قصب السكر شرق كوبا، حيث عمل والده المهاجر الإسباني في البداية مجنّداً للعمالة لصالح شركات السكر الأمريكية، قبل أن يبني لنفسه مزرعةً مزدهرة. وما إن تخرّج محامياً حتى انخرط في العمل السياسي.
في عام 1953، قاد كاسترو ومئةٌ من رفاقه هجوماً على ثكنة مونكادا في سانتياغو دي كوبا، في محاولةٍ فاشلة للإطاحة بالديكتاتور فولخنسيو باتيستا. اعتُقل كاسترو ثم أُفرج عنه، فلجأ إلى المنفى في المكسيك، ومنها عاد مع رفاقه ليشنّ حملةً للكفاح المسلّح انتهت بسقوط باتيستا عام 1959 وصعود كاسترو إلى السلطة.
حين استلم كاسترو الحكم، أحدث تحوّلاً جذرياً في بنية كوبا عبر الإصلاح الزراعي، وحملةٍ واسعة لمحو الأمية، وتأميم المشاريع الخاصة وهي سياساتٌ وضعت حكومته في مسارٍ تصادمي مع الولايات المتحدة.
على امتداد أمريكا اللاتينية والدول النامية، غدا كاسترو رمزاً لحركات التحرّر الوطني والثورة. غير أنّ سياساته أجّجت معارضةً شديدة، بدأت في صفوف الكوبيين الميسورين الذين نزحوا إلى الولايات المتحدة، ثم اتّسعت لتشمل المعارضين لاحتكار الحزب الشيوعي للسلطة السياسية.
قال المؤرّخ مانويل كويستا موروا، رئيس مجلس المعارضة للتحوّل الديمقراطي في كوبا: "إنّه شخصيةٌ مثيرة للجدل."
وأضاف: "لم يكن ثمّة ما يبرّر التضحية بالحريات... ولا ما يبرّر حرمان بقية الكوبيين وتنوّع البلاد السياسي وتعدّديتها من حقّ التعبير. لقد أوجد ذلك شرخاً لا نزال نعيش تداعياته حتى اليوم."
بالنسبة لكثيرٍ من الكوبيين الشباب، لا يزال كاسترو أيقونةً، لكنّ تأثيره يبدو أقلّ مباشرةً لديهم مقارنةً بالأجيال الأكبر سنّاً التي عاشت في ظلّ قيادته.
قال كريستيان كوييو، البالغ من العمر 27 عاماً: "جيلنا لم يعايشه قائداً فاعلاً. ما رأيناه كان فيدل الأقلّ حضوراً، الذي نادراً ما ظهر في العلن. ما تبقّى من فيدل كاسترو الآن، ممّا خلّفه وراءه، لا شيء؛ لا شيء على الإطلاق."
وفي معرض حديثه عن الأزمة الراهنة في الجزيرة، قال كوييو إنّه لا حلّ في الأفق: "الآن، حتى لو أتوا بفيدل آخر، لن يستطيع إصلاح هذا.".
أخبار ذات صلة

مسلح يقتل مؤثر مكسيكي خلال بث مباشر

إدارة ترامب تلغي تأشيرة سفير البرازيل لديها في خلافٍ مع لولا

الفنزويليون يترقّبون جولةً جديدة من المفاوضات بين الحكومة والمعارضة بتفاؤلٍ حذر
