إعادة تشكيل غزة بين السيطرة والمقاومة
تسعى إسرائيل وداعموها لترسيخ الهيمنة على غزة بعد التدمير، متجاهلين القوانين الدولية. المقال يستعرض كيف يمكن للفلسطينيين مقاومة الاستعمار الجديد وإعادة بناء هويتهم السياسية، مع التأكيد على أهمية الفعل الجماعي.

بعد أن أتمّت إسرائيل وداعموها الدوليون تدمير قطاع غزة على مدار ثلاثين شهراً، انتقل تركيزهم الأساسي إلى رسم ملامح المرحلة التالية بدقّة مدروسة. يهدف هذا المسعى إلى ترسيخ الهيمنة والسيطرة من خلال فرض بنى كبرى وشروط لـ«اليوم التالي»، وتكريس المشاريع الاستيطانية الاستعمارية تحت غطاء ما يُسمّى بوقف إطلاق النار وإعادة الإعمار.
بدلاً من المساءلة والخضوع لسيادة القانون، تواصل إسرائيل وداعموها فرض منطق القوة القسرية، متجاهلةً الأعراف والقوانين الدولية، ومضيّةً في مشاريعها الاستعمارية بل ومتصاعدةً فيها.
والأخطر من ذلك أنّ كثيراً من الأطراف الدولية والإقليمية تتعامل مع إسرائيل باعتبارها «شريكاً» و«طرفاً شرعياً» و«مديراً» و«منظّماً» لعملية إعادة إعمار غزة، عوضاً عن محاسبتها وعزلها على الجرائم التي ارتكبتها، من النكبة إلى الإبادة الجماعية، على مدار العامين الماضيين ومنذ تأسيسها عام 1948.
إنّ «تطبيع» الجرائم والدمار تحت مسمّى «صنع السلام» لن يُفضي إلى سلامٍ أو عدالة لأحد، بل يمنح إسرائيل وحلفاءها غطاءً لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحهم.
إنّ التعامل مع إسرائيل بوصفها دولةً «طبيعية» لن تقتصر تداعياته على الفلسطينيين وحدهم، بل ستمتدّ أبعد من ذلك بكثير، كما شهدنا مراراً خلال العامين الماضيين وفي المستجدّات التي تتكشّف منذ 28 فبراير 2026.
لا شيء طبيعياً في منح صفة الطبيعية لدولةٍ تنتهك القانون الدولي يومياً من خلال الاستعمار الاستيطاني، والفصل العنصري، والاحتلال العسكري، والإبادة الجماعية، في ظلّ نكبةٍ مستمرّة لا تتوقّف.
إنّ السعي إلى إدارة «اليوم التالي» في غزة وفق الرؤية الإسرائيلية بما تتضمّنه من خطوطٍ جغرافية جديدة وجغرافيا مُعدَّلة وشروطٍ مفروضة على الحوكمة يُعادل الاستسلام للديمومة الاستعمارية، حتى حين تُعاد تسميتها بمسمّياتٍ مختلفة.
تسعى معظم خطط «اليوم التالي» إلى تقليص الفاعلية الفلسطينية وتفتيت الهوية الجماعية، وهو ما يجب مقاومته.
لا يمكن تكرار ما جرى خلال مسار اتفاقيات أوسلو بعد ثلاثة عقودٍ من الانقسام. فالتشرذم السياسي الفلسطيني ليس صدفةً، بل هو آليةٌ متعمَّدة للسيطرة فرضها النظام الإسرائيلي.
لذا، يتعيّن على الفلسطينيين الانخراط في مسارٍ مضادّ؛ مسارٍ يرفض الخضوع لشروطٍ استعمارية جديدة، حتى حين تبدو أقلّ وطأةً أو تُغلَّف في قراراتٍ أممية تُعيد تعبئة الحكم الاستعماري في قوالب جديدة. وثمّة أربعة محاور تستدعي اهتماماً عاجلاً.
التجديد السياسي
أضعف إطار اتفاقيات أوسلو وما أعقبه الجسمَ السياسي الفلسطيني إلى مستوياتٍ خطيرة، ممّا مكّن المستعمِر من الهيمنة. ومن هنا، تغدو إعادة بناء الفاعلية السياسية الفلسطينية ضرورةً لا مناص منها.
يستلزم ذلك خطواتٍ ملموسة تعزّز المقاومة ضدّ الاستعمار وتُقدّم مسيرة التحرّر. إنّها ليست ترفاً ولا خياراً اختيارياً، بل خطوةٌ استباقية ضرورية لاستعادة مصادر القوة الفلسطينية في مواجهة السلطة الاستعمارية المتعمّقة.
وتُشكّل إعادة الإعمار أيضاً لحظةً محوريةً لإعادة تشكيل القيادة السياسية والتقنية الفلسطينية. فإن لم يكن الآن، فمتى؟
قد يفتح نموذج القيادة الجماعية، الذي يتجاوز الهياكل الفاشلة للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية (PLO)، طريقاً نحو تقرير المصير.
لا يبدأ مسار تحويل الرؤية إلى واقعٍ إلّا حين يتخيّل الفلسطينيون ويستشرفون نماذج وهياكل سياسية مختلفة.
في هذه اللحظة من الخطر غير المسبوق، يُعدّ التجديد السياسي مسألةَ بقاءٍ جماعي. غير أنّ من هم في السلطة لا يزالون عاجزين عن مواجهته. وإعادة البناء السياسي شرطٌ ضروري للتحرّر لا يمكن تأجيله.
لم يعد مقبولاً أن يظلّ الحوار الفلسطيني حبيسَ أطرافٍ تفتقر إلى الشرعية والتمثيل، أو فصائل لها مصلحةٌ في إدامة الانقسام. الحوار الوطني الشامل ليس خياراً؛ إنّه واجبٌ ملزمٌ وعاجلٌ لا مفرّ منه.
يجب أن تتغيّر أُطره وأدواته وأهدافه تغييراً جذرياً. فالإخفاقات المتكرّرة للحوار على مدار العقدين الماضيين تُثبت أنّ النماذج القائمة عاجزةٌ عن توحيد الفلسطينيين أو تنسيق العمل الجماعي.
أيّ تهميشٍ لـدور المجتمع المدني في رسم مستقبل غزة لن يجلب سوى مزيدٍ من الضعف والتفتّت والتشرذم لا اجتماعياً فحسب، بل سياسياً أيضاً.
مطالب المجتمع المدني
حدّد نداء المجتمع المدني الفلسطيني الصادر في مارس 2025 مساراً للمضيّ قُدُماً، إذ أولى الصمودَ الفلسطيني مكانةً محوريةً بوصفه آليةً فاعلة لمقاومة التهجير القسري.
دعا النداء إلى تشكيل جبهةٍ فلسطينية موحّدة لإنهاء الانقسام الداخلي، واقترح إنشاء آليةٍ وطنية مؤقّتة لإدارة عمليات التعافي والإغاثة في غزة.
طالب النداء بالإنشاء الفوري لقيادةٍ فلسطينية منتخبة ضمن إطارٍ ديمقراطي، إلى جانب آليةٍ دولية داعمة وغير وصائية ترافق مسار التحوّل، وكذلك بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة وفرض العقوبات ومحاسبة مجرمي الحرب.
وفي ختامه، طالب النداء بضمان السيادة الفلسطينية وحقّ تقرير المصير، ومعالجة الأسباب الجذرية لدوّامة الدمار المتكرّرة.
يجب أن تمتدّ الملكية الفلسطينية لتتجاوز إعادة الإعمار نحو رؤيةٍ إقليمية أشمل. والمواقف الفلسطينية المستقلّة، البعيدة عن الخضوع للمصالح الإقليمية والدولية، باتت حاجةً ملحّة لا تحتمل التأجيل.
تشهد المنطقة تحوّلاتٍ متسارعة مع تبدّل التحالفات وتطوّر الظروف، وعلى الفلسطينيين أن يُطوّروا قراءتهم الخاصة لهذه الديناميكيات.
حتى لو كانت هذه المواقف محدودة الثقل في الحسابات الدولية، فإنّها تُعبّر عن إرادةٍ سياسية في صنع المستقبل بدلاً من استقبال مستقبلٍ يفرضه الآخرون، في مقدّمتهم القوة الاستعمارية المهيمنة.
يكشف مسار إعادة الإعمار عن الرابط الذي لا ينفصم بين الإنساني والاجتماعي والسياسي.
ويزداد هذا الترابط وضوحاً في ظلّ الشروط الاستعمارية، لا سيّما حين تسعى جهود إعادة الإعمار إلى تجميل الحكم الاستعماري وتطبيعه.
مقاومة هذا المسار جزءٌ لا يتجزّأ من إعادة بناء مصادر القوة لدى من يعيشون تحت الهيمنة الاستعمارية.
أخبار ذات صلة

الملك تشارلز الثالث يستقبل ترامب: دبلوماسية ملكية في زيارة الدولة الأمريكية

الولايات المتحدة تدرس نقل الأفغان الذين ساعدوها من قطر إلى دولة ثالثة
