محو غزة بين الإبادة والاحتلال الوهمي
غزة ليست مجرد مدينة محتلة، بل هي ضحية للإبادة الجماعية. مع تدمير شامل للبنية التحتية والحياة، يكشف ما يحدث عن حقيقة مرعبة: محو تاريخ كامل. هذه ليست لحظة عابرة، بل اختبار أخلاقي للجميع. انضموا للحديث عن غزة.

غزة لا يتم "احتلالها"، بل يتم محوها. فالدبابات لا تدخل للسيطرة بل للتدمير. وما حدث في رفح وبيت حانون يتكرر الآن في وسط غزة: ففي الأيام الأخيرة أصبحت أحياء التفاح وصبرا والزيتون بقايا وأطلال.
عندما يتحدّث الناس عن "احتلال مدينة غزة"، فهو مصطلح يهدف إلى خداع العالم. فمنذ ما يقرب من عامين والجيش الإسرائيلي موجود على أراضي غزة، ومع ذلك لا يوجد أي شكل من أشكال الحكم العسكري.
وبدلاً من ذلك، هناك سياسة تدمير شامل تهدف إلى محو ما تبقى من المدينة وسكانها. ومن الناحية العملية، يتم محو واحدة من أقدم مدن العالم من على الخريطة.
تتجلى عملية المحو من خلال الغارات الجوية وإطلاق النار العشوائي، إلى جانب الجرافات التي تحفر وتدمر كتلًا سكنية بأكملها. لم تعد البنية التحتية والكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس موجودة.
الدمار شامل، إلى درجة أن السكان يقولون: "لا يوجد ما يمكن احتلاله. المدينة نفسها لم تعد موجودة".
هذه هي إبادة الحياة البشرية والأرض على حدٍ سواء، أي إبادة كل نفسٍ حي. يهدف خطاب "الاحتلال" إلى إخفاء حقيقة الإبادة الجماعية. الهدف ليس إدارة المدينة، بل جعلها غير صالحة للسكن.
وبهذه الطريقة، أصبحت غزة مثالًا عالميًا على كيفية استخدام اللغة السياسية للسيطرة كستار لسياسة التدمير.
العنف الخام
حتى لو حاولت إسرائيل تصوير تدمير غزة على أنه انتصار، فإن النتيجة الحقيقية ستكون عكس ذلك، مع تكاليف سياسية ووجودية باهظة. وفي مقابل هذه الإبادة الواسعة النطاق، لن تنجو حتى "النجاحات" الدبلوماسية.
لقد سقطت جميع الأقنعة. فالمشروع الصهيوني، الذي غلف نفسه لعقود بشعارات "الديمقراطية" و"التنوير"، قد تعرى من كل شيء. ما تبقى هو العنف الصريح: التفوق العسكري والعنصري، الذي فُرض من خلال الطرد والاقتلاع ومصادرة الأراضي. هذه هي ركائزه الأساسية.
ما يحدث في غزة ليس مجرد لحظة تاريخية في حياتنا. بل هو علامة فارقة، تواجهنا بجوهر مشروع استعماري يهدف إلى محو مدينة بأكملها بسكانها والناجين من وجودها. يأتي هذا في الوقت الذي تم فيه حجب حقوق اللاجئين لأجيال من خلال الإنكار والمحو.
لقد أصبحت غزة مرآة عاكسة تكشف الصهيونية دون فلاتر: التدمير الشامل، ومحو حياة البشر، وإبادة المجتمع. هذه الحملة من العنف والإبادة ضد الفلسطينيين تسلط الضوء على المسؤولية الأخلاقية لكل مواطن إسرائيلي تجاه الحركة الاستيطانية، وتجاه السلطة التي تمتلكها، وتجاه الوطن الذي يرفضون الاعتراف بسياقه التاريخي الحقيقي.
وبهذه الطريقة، فإن غزة هي اختبار تاريخي يجبر الإسرائيليين على مواجهة الأسئلة الأخلاقية حول الحياة التي تم محوها والتاريخ الذي تم قمعه.
شاهد ايضاً: السودان: مصادرة شحنة من صمغ الأكاسيا بقيمة 75 مليون دولار من قبل قوات الدعم السريع خلال عملية نهب في كردفان
إن أولئك الذين ما زالوا يتحدثون عن "السلام" في حين لم يبقَ شيء من هذا القبيل لا يفهمون المغزى. لطالما اعتمد الوجود الإسرائيلي على أنظمة القوة والسيطرة التي تضمن استمرار هيمنة الدولة. وغالبًا ما تكون هذه الأنظمة منفصلة عن المسؤوليات التاريخية.
على كل مواطن إسرائيلي واجب مواجهة هذه التبعية وتحرير نفسه من الموقف الذي يسمح بالإنكار والتهميش. لقد فشلت كل منظمة أو هيئة أو فرد لم يصرخ من أجل غزة.
تأخذ الحياة معنى مختلفًا في غزة: الأسرة الجائعة التي تعطي حفنة من الطحين لجارتها الأرملة؛ الشخص الذي يجمع العظام ثم يلفها ويدفنها؛ أولئك الذين ينجون من إطلاق النار بالقرب من مراكز "المساعدات" ثم يتقاسمون بين الجيران الطحين الذي تمكنوا من الفرار به؛ هذه لقطات من الحياة.
شاهد ايضاً: قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتل خمسة فلسطينيين في الضفة الغربية مع تصاعد الإجراءات العقابية
حتى تقاسم علبة البازلاء مع قطة الشارع، هذه هي الحياة.
ما ينجو من المدينة، وما يتمكن من النجاة من رماد الدمار لن يتلاشى مع الدخان. ما ينجو من غزة سيستمر في النمو في جميع أنحاء العالم، في حركات تحرر جديدة ونضالات من أجل العدالة. وسيتحدث بصوت قوي وواضح: لا مكان للاختباء عندما يصبح الواقع جريمة مستمرة ضد الإنسانية.
أخبار ذات صلة

قوات الاحتلال الإسرائيلي تطلق الخنازير البرية في طولكرم مع توسيع هجومها على نابلس

طائرات تركيا المسيرة تعزز الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع

توقعات بوقف إطلاق النار مع حزب الله تلقى استياءً عميقًا في إسرائيل
