ارتفاع أسعار الديزل يثقل كاهل السائقين والشركات الأوروبية
ارتفاع أسعار الديزل في أوروبا يثقل كاهل سائقي الشاحنات والشركات الصغيرة بينما تحقق شركات النفط أرباحاً قياسية. الأزمة تكشف هشاشة استراتيجية الديزل وتدفع نحو التحول للسيارات الكهربائية لتخفيف العبء الاقتصادي. وورلد برس عربي

على محطة وقود في إحدى ضواحي باريس، يدفع سائق شاحنة نقل بضائع 19 يورو إضافية عند كلّ تعبئة، فيما تتراكم على شركته فاتورة أسبوعية إضافية تتجاوز 236 يورو لكلّ مركبة. هذا ليس رقماً معزولاً، بل انعكاسٌ يوميّ لفاتورةٍ أوروبية أكبر: 203 ملايين يورو تدفعها القارة كلّ يوم كعلاوة إضافية على الديزل بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، بحسب حسابات منظمة "النقل والبيئة" (Transport & Environment - T&E). وبين السائق الذي يشعر بالفرق عند كلّ توقّف عند المضخّة والشركة التي تعيد حساب هوامش ربحها، تتشكّل صورة اقتصادٍ أوروبي بأكمله يدفع ثمن خيارٍ اتّخذه قبل عقود.
لماذا أوروبا بالذات هي الأكثر تعرّضاً؟
تشير المنظمة، في دراستها حول التعرّض الأوروبي لأزمة الديزل، إلى أنّ القارة تدفع اليوم ثمن استراتيجية "الدَّيْزَلة" التي انتهجتها لعقود، إذ يمثّل الديزل والغازوييل وقود القطاع الأكبر من حركة النقل البرّي فيها، بما في ذلك الجزء الأعظم من نقل البضائع. هذا الاعتماد الطويل جعل أوروبا، وفق المنظمة، المنطقة الأكثر عرضة في العالم لارتفاع أسعار الديزل، في وقتٍ ضاقت فيه أسواق المنتجات المكرَّرة عالمياً واتّسعت الفجوة بين أسعار النفط الخام وأسعار الديزل نفسه.
هذه الفجوة لم تكن خبراً سيّئاً للجميع. فبينما يتحمّل السائق والشاحنة الفاتورة، سجّلت المصافي الأوروبية أرباحاً وصفتها المنظمة بأنّها تاريخية، مستفيدةً من اتّساع الهامش بين سعر الخام وسعر الديزل. كما ضاعفت شركات النفط الأوروبية أرباحها الفصلية الأخيرة، وبلغ إجمالي الأرباح الاستثنائية لثماني شركات نفط كبرى داخل الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 7.5 مليارات يورو، بحسب تقدير المنظمة لأرباح شركات النفط في أوروبا. بعبارةٍ أخرى: الفاتورة التي تُثقل كاهل السائق والشاحنة تتحوّل، في الطرف الآخر من السلسلة، إلى أرباحٍ استثنائية لا يشعر بها المستهلك إلا خصماً من جيبه.
يلخّص أنتوني فروغات، المدير الأول في "النقل والبيئة"، هذه المفارقة بقوله: "استراتيجية أوروبا الممتدّة لعقود في التحوّل نحو الديزل بدأت ترتدّ عليها الآن. ارتفاع أسعار المضخّة يضغط على المستهلكين، بينما ترفع تكاليف النقل المرتفعة أسعار كلّ شيءٍ آخر. من السخرية القاسية أنّ الولايات المتحدة هي الأقل عرضة لأزمةٍ هي نفسها من صنعها، بينما يتحمّل الاقتصاد الأوروبي الضربة مجدداً". ويضيف: "الحلّ واضح: كلّ سيارة ديزل نستبدلها بأخرى كهربائية توفّر ألف لترٍ إضافي من النفط".
ماذا يعني هذا لأصحاب الشاحنات وسائقي السيارات؟
بالنسبة لقطاعٍ كامل من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على النقل البرّي من الموزّعين المحليّين إلى المزارعين الذين ينقلون محاصيلهم فإنّ 236 يورو إضافية أسبوعياً لكلّ شاحنة ليست رقماً مجرّداً، بل تكلفة تشغيلية تُضاف مباشرةً إلى هامش ربحٍ ضيّقٍ أصلاً، وغالباً ما تنتقل لاحقاً إلى سعر السلعة النهائية. وعلى مستوى الأفراد، لا يزال الديزل يشكّل وقود 38% من سيارات الركاب على طرقات الاتحاد الأوروبي، ما يعني أنّ ملايين الأسر تتحمّل هذه الزيادة مباشرةً من قوتها الشرائية، لا سيّما في فرنسا التي تضمّ وحدها نحو خُمس سيارات الديزل في أوروبا تقريباً.
المفارقة الأكثر إيلاماً تتعلّق بالأسطول القديم: 30% من سيارات الديزل الأوروبية يتجاوز عمرها 15 عاماً، وهي الفئة الأقلّ كفاءةً في استهلاك الوقود والأكثر تضرّراً من أيّ ارتفاعٍ في الأسعار. وتحسب المنظمة أنّه إذا استمرّت العلاوة الحالية حتى عيد الميلاد، فإنّ ما ستدفعه أوروبا إضافياً يعادل تمويل مدفوعات "خردة" (Scrappage) بقيمة 2,000 يورو لكلّ سيارة ديزل تتجاوز 15 عاماً أي أنّ كلفة الاستمرار في الوضع الحالي تكفي، من حيث المبدأ، لتمويل إخراج شريحة كاملة من السيارات القديمة الملوِّثة من الطرقات.
هل تخفيض الضرائب على الوقود هو الحلّ؟
يزداد الجدل السياسي في أوروبا حول كيفية امتصاص هذه الصدمة، وتحديداً حول اقتراحاتٍ بخفض الضريبة على الوقود لتخفيف الضغط عند المضخّة. لكنّ فروغات يحذّر من هذا المسار: "الساسة يوازنون بين خيارات تخفيض ضريبة الوقود، وهذا لن يفعل شيئاً سوى إطالة أمد الألم ونقل العبء إلى دافعي الضرائب. الدعم يجب أن يكون موجّهاً إلى السائقين ذوي الدخل المحدود. وكلّما طال أمد النزاع، ارتفعت كلفة علاوة الديزل الأوروبية. الاستثمار في برامج الخردة الآن سيبدأ عائده سريعاً".
وتستبعد "النقل والبيئة" صراحةً تخفيضات الضرائب من حساباتها للتكلفة الحقيقية للديزل، لأنّها لا تخفّض الكلفة الفعلية بل تُحوّلها إلى خسارةٍ في الإيرادات العامة يتحمّلها المجتمع لاحقاً بطرقٍ أخرى أي أنّ خفض الضريبة لا يوفّر مالاً، بل يعيد توزيع من يدفعه. بدلاً من ذلك، يقترح فروغات مساراً مختلفاً بعبارة موجزة: "فرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية واستخدام حصيلتها لتمويل التحوّل الكهربائي".
إلى جانب هذا المسار الأطول أمداً، تطرح المنظمة حزمة إجراءات فورية يمكن تطبيقها سريعاً لتقليص الطلب على الديزل، من بينها خفض سرعة السير على الطرق السريعة بمقدار 10 كيلومترات في الساعة، وتعميم إرشادات القيادة الاقتصادية، وتشجيع تشارك السيارات. وبحسب تحليل المنظمة لأربعة إجراءات يمكن للحكومات الأوروبية تطبيقها فوراً، فإنّ الجمع بين هذه الإجراءات القصيرة المدى يمكن أن يخفّض الطلب على الديزل بنسبة تصل إلى 15%، استناداً إلى سيناريو مركزي وضعته الوكالة الدولية للطاقة. أما على المدى الأطول، فتبقى الكهربة إحلال السيارات الكهربائية محلّ سيارات الديزل الأداة الأكثر فعاليةً في خفض الاعتماد البنيوي على هذا الوقود، بحسب المنظمة.
يبقى السؤال معلّقاً أمام صنّاع القرار في بروكسل وعواصم الاتحاد: هل تُترجَم دعوات "النقل والبيئة" إلى برامج خردة فعلية وضريبة على الأرباح الاستثنائية، أم تُفضَّل تخفيضات ضريبية سريعة تريح الناخب اليوم على حساب الخزينة العامة غداً؟ الإجابة، كما يشير التقرير، ستحدّد ما إذا كانت أوروبا ستظلّ الأكثر عرضة لكلّ صدمةٍ جيوسياسية مقبلة، أم ستبدأ فعلياً بتفكيك اعتمادها التاريخي على الديزل عبر قواعد انبعاثاتٍ أكثر صرامة، تصفها المنظمة بأنّها باتت ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل.
أخبار ذات صلة

غاري فاينرتشوك يراهن على "VeeFriends": "قد تكون أكبر إمبراطورية أبنيها"

صناع المحتوى في Mipcom يواجهون تحوّلاً هيكلياً: «الصناعة تتحرّك تحتنا»

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية
