مواجهة إيبولا والشائعات في بونيا بالكونغو
في بونيا، تواجه الإذاعة المحلية فيروس إيبولا وموجة من المعلومات المضللة. برنامج يومي يسلط الضوء على المخاطر ويقدم معلومات موثوقة. كيف يمكن للإعلام أن يغير واقع الوباء وسط انعدام الثقة والتحديات الصحية؟ اكتشف المزيد.





في بونيا، شرق الكونغو الديمقراطية، باتت الأمواج الصوتية لبرنامجٍ إذاعي يومي تشقّ طريقها عبر الأحياء في محاولةٍ لمواجهة عدوٍّ مزدوج: فيروس إيبولا من جهة، والمعلومات المضلِّلة من جهةٍ أخرى.
أعلنت السلطات الكونغولية في 15 مايو 2025 عن تفشٍّ جديد لفيروس إيبولا، من النوع النادر المعروف بـ"بونديبوغيو" (Bundibugyo)، في إقليم إيتوري شرق البلاد. وحتى يوم الأربعاء، سجّلت السلطات 363 حالةً مؤكّدة، توفّي منها 62 شخصاً على الأقل. غير أن التفشّي لم يواجه التحدّيات الوبائية وحدها، بل اصطدم أيضاً بجدارٍ من الشكوك الشعبية والاعتداءات على العاملين في القطاع الصحي وموجةٍ واسعة من الأخبار الكاذبة.
برنامج إذاعي في مواجهة الشائعات
حين أدركت فيريتي جونسون، الصحفية وسكرتيرة التحرير في إذاعة وتلفزيون "مون بلو" (Radio Télévision Mont Bleu) في بونيا عاصمة إقليم إيتوري، أن الشائعات تنتشر بسرعةٍ تفوق انتشار المعلومات الموثوقة، قرّرت إطلاق برنامجٍ يومي مخصّص للتصدّي لهذه الظاهرة.
يُبثّ البرنامج يومياً في العاشرة صباحاً، ومدّته 45 دقيقة، ويستضيف بانتظامٍ متخصّصين في الصحة العامة لتقديم آخر المستجدّات والإجابة عن أسئلة المستمعين الذين يتّصلون مباشرةً بالأستوديو. وتتخلّل البثَّ اليومي نغماتٌ قصيرة تُذكّر السكان بمخاطر الفيروس وسُبل الوقاية منه.
قالت جونسون: "لا يزال هناك طبقةٌ من المقاومة داخل المجتمع، وهنا تحديداً يكمن الدور المحوري للإعلام."
جذور الرفض: انعدام الثقة والمؤامرات المزعومة
ليست هذه المرّة الأولى التي يواجه فيها الكونغو تفشّياً لإيبولا؛ فهذا هو التفشّي السابع عشر منذ أن جرى التعرّف على الفيروس لأوّل مرة في البلاد عام 1976. ومع ذلك، لا تزال المقاومة الشعبية للبروتوكولات الصحية ظاهرةً متكرّرة. ويُضاف إلى ذلك أنه لا يوجد حتى الآن لقاحٌ أو علاجٌ معتمد لنوع "بونديبوغيو" تحديداً، مما يُعمّق حالة الخوف والارتباك.
يرى بعض السكان أن الوباء مبالَغٌ فيه أو مُختلَق لأغراض ماليّة. وفي هذا السياق، قال سامسون جيرسون، وهو مقيمٌ في بونيا يبلغ من العمر 52 عاماً وأبٌ لسبعة أطفال: "لا يُفرَّق في المستشفى بين من يُعاني من إيبولا ومن يُعاني من الإنفلونزا. وبالنظر إلى طريقة التعامل مع المرضى، نستنتج أن الأمر يتعلّق بالمال. لن آخذ اللقاح أبداً، أفضّل أن أموت، لأن اللقاح إن جاء سيُخيفنا أكثر."
وتُشير التحليلات إلى أن انعدام الثقة بالمنظومة الصحية، إلى جانب تقاعس بعض المسؤولين المحليّين عن الانخراط الفعلي في احتواء التفشّي، جعل شرائح من السكان أكثر قابليةً لتصديق المعلومات المضلِّلة.
وفي هذا الإطار، قال باسيل رامبو، مدير برامج الطوارئ في منظمة Mercy Corps بالكونغو: "ما يُعدّ جوهرياً هو إشراك الفاعلين المحليّين على جميع المستويات. إذا حاولنا فرض ما نراه صواباً على المجتمع، فنحن نسير نحو الفشل. حين لا يثق الناس في الاستجابة، يتأخّرون في طلب الرعاية، ويرفضون التدابير الوقائية، ويتحاشَوْن التعاون مع الفرق الصحية، مما يمنح الفيروس مزيداً من الوقت للانتشار."
وقد شهد الإقليم ما لا يقلّ عن ثلاثة اعتداءات على مراكز صحية، نفّذها أهالٍ مطالبون بتسلّم جثامين ذويهم. وفي سياق هذه الاعتداءات، غادر بعض المرضى المشتبه في إصابتهم بإيبولا مراكز العزل، ولم يتمكّن العاملون الصحيون من تحديد أماكنهم لاحقاً.
وعبّرت شانتال فرانسين، إحدى سكان بونيا، عن شكوكها في الوفيات المُبلَّغ عنها، قائلةً: "لا نعرف حتى كيف يبدو جسد شخصٍ مات بسبب إيبولا، لكننا نرى صوراً ومونتاجات على هواتفنا."
الحجم الحقيقي للتفشّي لا يزال مجهولاً
على الصعيد الوبائي، حذّر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الأربعاء، من أن الفيروس "انطلق بزخمٍ كبير"، مشيراً إلى أنه امتدّ من 3 مناطق صحية في البداية إلى 24 منطقة. وأكّد خبراء ومسؤولون في المنظمة أن الأرقام المُعلَنة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للوباء، إذ أسفر التأخّر في تحديد النوع الصحيح للفيروس عن تأخّرٍ مقابل في احتوائه.
ويزيد من تعقيد المشهد الوبائي استمرارُ النزاع المسلّح في شرق الكونغو، حيث تشتعل المواجهات بين الجيش الحكومي وحركة M23 المدعومة من رواندا، فضلاً عن اعتداءات تشنّها جماعة "قوات الديمقراطية المتحالفة" (ADF) المرتبطة بتنظيم داعش، والتي أسفرت الثلاثاء عن مقتل 16 شخصاً في منطقة بيني بإقليم شمال كيفو. وقد أدّت هذه الاضطرابات إلى موجات نزوح واسعة تُعيق جهود الاحتواء.
في مواجهة كل هذه التحدّيات، تواصل إذاعة وتلفزيون "مون بلو" بثّها اليومي. وتختصر جونسون الموقف بوضوح: "الجميع حرٌّ في التفكير كما يشاء، لكن المعلومة تبقى ثابتة. الوباء موجودٌ هنا."
أخبار ذات صلة

النساء الحامياتُ الأولى في وباء إيبولا الحالي والأكثرُ عرضةً للخطر

فريق الكونغو يبحث عن بدائل بعد إلغاء مدينة إسبانية مباراة تحضيرية لكأس العالم

تحسّن الاختبارات لكن الاستجابة متأخّرة: منظمة الصحة العالمية تحذّر من تفشي إيبولا بالكونغو
