اعتقال العقيد الفار يفتح ملف اغتيال فيكتور جارا
في تشيلي تم القبض على عقيد متقاعد متهم باغتيال المغني فيكتور جارا خلال حكم بينوشيه العسكري لكن عائلته ترى أن العدالة لم تكتمل بعد. تعرف على تفاصيل القضية والجهود المستمرة لكشف الحقيقة في وورلد برس عربي.


في مدينة سانتياغو، تشيلي، مرّ أكثر من نصف قرنٍ قبل أن تُلوح في الأفق بوادر عدالةٍ ولو جزئية، في قضية اغتيال المغنّي والملحّن التشيلي الشهير Víctor Jara.
اعتقلت الشرطة التشيلية يوم السبت عقيداً عسكرياً متقاعداً كان فاراً من العدالة منذ ثلاث سنوات، وذلك بعد صدور حكمٍ بإدانته بتهمتَي الاختطاف والقتل العمد في حقّ Jara إبّان الحكم العسكري في تشيلي، وقضى بسجنه خمسةً وعشرين عاماً.
غير أنّ عائلة الموسيقار أعلنت أنّها لم تجد في هذا الاعتقال ما يُشبع شعورها بالعدالة تماماً.
وقالت أماندا خارا، ابنة الفنّان الراحل، في رسالةٍ نشرتها مساء الأحد: "علمنا بالقبض على العقيد المتقاعد Nelson Haase Mazzei، الفارّ من العدالة منذ عام 2023، وسجنه. نُرحّب بهذا الخبر"، إلا أنّها أضافت: "يصعب علينا أن نعتبر هذا عدالةً حقيقية".
كان Haase Mazzei قد صدر بحقّه حكمٌ بالسجن خمسةً وعشرين عاماً ويومَين، بتهمة اختطاف وقتل كلٍّ من Jara ومدير عام السجون آنذاك Littré Quiroga Carvajal.
صدر حكم الإدانة بحقّ Haase Mazzei، البالغ من العمر 80 عاماً، عام 2018، ثم رُفعت عقوبته عام 2023 إلى جانب ستّة ضبّاط عسكريين آخرين. وتُعدّ هذه الجرائم من أبرز الأمثلة على الوحشية التي طبعت سنوات الحكم العسكري السبعة عشر بقيادة الجنرال الراحل Augusto Pinochet.
فرّ المسؤول السابق قبل الشروع في تنفيذ حكم السجن، وظلّ طليقاً ثلاث سنوات، إلى أن جرى تحديد مكانه واعتقاله هذا الأسبوع، بأمرٍ من القاضية Paola Plaza في محكمة استئناف سانتياغو، التي أصدرت قراراً بـ"سجنه الفوري"، وفق ما أعلنه الجهاز القضائي في بيانٍ رسمي. وأشار البيان إلى أنّ Haase Mazzei كان آخر المدانين الذين لم يشرعوا بعدُ في تنفيذ أحكامهم.
كان Jara أحد رموز ما يُعرف بـ"الأغنية التشيلية الجديدة" (Nueva Canción Chilena)، وهي حركةٌ موسيقية واجتماعية نشأت في ستينيات القرن الماضي. وقد اغتيل في 16 سبتمبر 1973، أي بعد خمسة أيامٍ فحسب من الانقلاب الذي أطاح بالرئيس السابق Salvador Allende.
كان Jara حينها في الأربعين من عمره، عضواً في الحزب الشيوعي التشيلي، ويعمل أستاذاً في الجامعة التقنية الحكومية. اعتُقل داخل الحرم الجامعي ونُقل إلى ملعب تشيلي، الذي يحمل اليوم اسمه. وهناك، جرى عزله عن نحو 5000 سجينٍ آخر وأُخذ إلى منطقةٍ منفصلة، حيث تعرّض هو و Quiroga للتعذيب والاعتداء الوحشي قبل إعدامهما. وكشفت نتائج التحقيق في وفاته وجرائم تلك الحقبة أنّ الفنّان عانى كسوراً متعدّدة، وأنّ جثّته أُصيبت بـ44 طلقةً نارية.
في عام 1991، بعد أشهرٍ من سقوط نظام Pinochet وعودة الديمقراطية، خلصت اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة في تقريرٍ رسمي إلى أنّ Jara كان ضحية إعدامٍ سياسي، وصنّفت مقتله بوصفه انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان. وكشف التقرير ذاته أنّه في غضون ثلاثة أشهرٍ فقط، لقي 890 شخصاً حتفهم جرّاء الانقلاب العسكري مباشرةً.
على مدى العقود الماضية، أسّست تشيلي سلسلةً من لجان الحقيقة للتحقيق في الانتهاكات التي ارتُكبت بين عامَي 1973 و1990، وتحديد المسؤوليات عنها، وشملت تلك الانتهاكات القتل والتعذيب والاختفاء القسري والتبنّي غير المشروع للأطفال.
وتُشير الوثائق الرسمية إلى أنّ الحكم العسكري خلّف خلال سنواته السبع عشرة نحو 40,000 ضحية، من بينهم أكثر من 2,000 شخص نُفّذ فيهم حكم الإعدام، و1,469 ضحيةً من ضحايا الاختفاء القسري، فضلاً عن آلاف التعذيب. وأصدرت المحاكم أحكاماً بإدانة مئات من عناصر الجهاز الأمني والمدنيين على ما اقترفوه في أحلك مراحل التاريخ التشيلي الحديث، وإن كانت لا تتوفّر حتى الآن أرقامٌ مؤسسية موحّدة وشاملة لجميع المحكوم عليهم.
ومنذ عام 2024، تعمل تشيلي على تطبيق ما بات يُعرف بـ"خطّة البحث الوطنية"، الرامية إلى توحيد الأرقام ورسم خارطة طريق للبحث عن المختفين قسراً الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً و هي مهمّةٌ ظلّت لسنواتٍ طويلة على عاتق ذوي الضحايا، الذين لا يزالون حتى اليوم يسعون لمعرفة ما جرى لأحبّائهم.
وختمت أماندا خارا رسالتها بالقول: "نأمل أن تتمكّن الشرطة من القبض على جميع الفارّين من العدالة بسبب جرائم ضدّ الإنسانية". وهي تترأس حالياً مؤسسة Víctor Jara.
أخبار ذات صلة

محكمة بريطانيا العليا: البحرين لا تتمتّع بالحصانة السيادية في قضية المراقبة

كريم خان حاول محاسبة إسرائيل - فكان هذا سبب سقوطه

متهمون بالتخريب يواجهون محاكمة بتهم إرهابية
