تصعيد الحوثيين يهدد أمن الملاحة في باب المندب
تصعيد الحوثيين وتهديداتهم بحصار الموانئ السعودية يعيد التوتر إلى باب المندب ويهدد تجارة النفط العالمية. السعودية تحذر من مواجهة شاملة وسط خيارات متضاربة وضغوط إقليمية متزايدة في ظل تصاعد النزاع. وورلد برس عربي

حين أطلق الحوثيون تهديداتهم بـ«الحصار البحري» على الموانئ السعودية الأسبوع الماضي، بات احتمال عودة الحرب إلى شبه الجزيرة العربية واقعاً ملموساً، فضلاً عن خطر تحوّل باب المندب إلى نقطة اختناق نفطية ثانية تحت الضغط، بعد مضيق هرمز.
بدأت التصعيد بضربةٍ سعودية استهدفت مطار صنعاء الدولي قبل أكثر من أسبوعين، في خطوةٍ قد تجرّ اليمن إلى مستنقع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الموسّعة على إيران. وجاءت هذه الضربة رداً على قرار الحوثيين السماح بتسيير رحلات مباشرة من إيران إلى مطار صنعاء، وهي رحلاتٌ كانت ستكون الأولى من نوعها منذ عام 2015. وقد رأت الرياض في ذلك تجاوزاً لخطٍّ أحمر صريح، ومؤشّراً على تنامي النفوذ الإيراني، بما قد يشمل نقل الأسلحة بصورة مباشرة.
يقول هاميش كينير، المحلّل الرئيسي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة Maplecroft للتحليل الاستراتيجي: «غير أنّه كما كانت الرحلات المباشرة بين صنعاء وإيران خطّاً أحمر للسعوديين وحكومتهم اليمنية الحليفة، فإنّ الضربة على مطار صنعاء الدولي كانت بدورها خطّاً أحمر للحوثيين».
وأعلن الحوثيون، المعروفون رسمياً بـ«أنصار الله»، إطلاقَهم صواريخ على مدينتَي جازان وينبع السعوديتين، كما أفادوا باستهداف سفينتَي نفط سعوديتين الأسبوع الماضي، فيما أكّدت الرياض وقوع هجومٍ واحد في البحر الأحمر.
وكانت المملكة العربية السعودية قد حوّلت ما يزيد على 70 بالمئة من صادراتها النفطية من مضيق هرمز إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وذلك في أعقاب الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران وإغلاق طهران لمضيق هرمز.
وقال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع: «لن نتردّد في توسيع تحرّكاتنا وتصعيد خطواتنا بناءً على مستجدّات الموقف في الساعات والأيام المقبلة».
باب المندب: نقطة الاختناق الثانية
يُهدّد القتال المتجدّد مضيقَ باب المندب، ذلك الممرّ الضيّق الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن. وقبل أن تبدأ شركات الشحن بتحويل سفنها بعيداً عن البحر الأحمر، كان هذا الممرّ يستوعب نحو 12 بالمئة من تجارة النفط البحرية العالمية، و8 بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
بيد أنّ الملاحة عبر باب المندب لم تتوقّف كلياً، إذ لا تزال بعض ناقلات النفط المتّجهة إلى آسيا تعبر هذا الممرّ. ويرى كينير في ذلك دلالةً واضحة: «يُشير هذا إلى أنّ الحوثيين منفتحون على التفاوض مع السعوديين والحكومة اليمنية المدعومة سعودياً، وهو ما يوحي أيضاً بأنّ الأخيرة لا ترغب في توسيع المواجهة».
وأيّ اضطرابٍ مستدام سيضع نقطة اختناق نفطية ثانية تحت الضغط، بعد إغلاق مضيق هرمز.
خيارات الرياض المتضيّقة
أكّد خالد المعينة، المحلّل السياسي والإعلامي السعودي والرئيس التحريري السابق لصحيفة Arab News، أنّ «التصعيد جاء مفاجئاً تماماً»، مضيفاً: «كانت تلك الجبهة هادئة، وقد أبدت المملكة العربية السعودية ضبطاً كبيراً للنفس في مواجهة الاستفزازات الإيرانية غير المبرّرة».
وتضع التهديدات الحوثية للموانئ السعودية على ساحل البحر الأحمر تلك المسارَ البديل في مهبّ الخطر. فقد تضطرّ مصافي التكرير الآسيوية إلى تحمّل تكاليف تحويل باهظة، بنقل النفط من ينبع عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط، ثم إلى رأس الرجاء الصالح ومنه إلى آسيا.
وقال المعينة: «الرياض لا تريد الانزلاق إلى مواجهة شاملة، غير أنّ الوضع بات يحمل جدّية حقيقية».
وكانت الهدنة الممتدّة لستّين يوماً، التي أُبرمت بموجب مذكّرة تفاهم إسلام آباد في 17 يونيو، هشّةً منذ البداية. وقد انهارت في نهاية المطاف بعد أن انتهكت واشنطن المادة الخامسة من المذكّرة، التي تنصّ على أن «تُجري إيران الترتيبات اللازمة» لاستعادة حركة الملاحة عبر المضايق خلال فترة الهدنة، بالتنسيق مع عُمان. وسعت الولايات المتحدة إلى التحايل على هذا البند بإنشاء مسارٍ بديل عبر المياه الإقليمية العُمانية دون الرجوع إلى إيران، خلافاً لما ينصّ عليه الاتفاق.
وقد أعاد هذا الانتهاك الأمريكي واستئناف الحرب رسمَ موقف الحوثيين: مع اشتعال الجدل حول مضيق هرمز، باتت قدرتهم على الضغط عبر باب المندب رافعةً إضافية في مواجهة واشنطن والرياض معاً.
وتجنّبت المملكة العربية السعودية حتى الآن الانخراط المباشر في الحرب على إيران، لكنّ تصاعد الهجمات الحوثية قد يجعل الإبقاء على هذا الضبط أمراً عسيراً. وقال المعينة: «الصمت قد يُفسَّر على أنّه ضعف، والسعوديون ليسوا كذلك»، مضيفاً أنّهم «يمتلكون القوة النارية والإرادة على استخدامها».
الحوثيون: عدوٌّ عصيّ على الكسر
أثبت الحوثيون في السنوات الأخيرة أنّهم خصمٌ يصعب إخضاعه. فقد صعّد الرئيس الأمريكي Donald Trump هجماته عليهم في مارس 2025، قبل أن يتراجع عن الحملة في مايو مدّعياً أنّ الجماعة «استسلمت» كلياً. لم يكن ذلك صحيحاً.
اكتشف Trump ما سبق أن اكتشفته المملكة العربية السعودية: أنّ القصف وحده لا يكفي لإجبار الحوثيين على الخضوع أو عزلهم.
وفي هذا السياق، يرى كينير أنّ «التهديد الحوثي الجديد للشحن السعودي عبر باب المندب ينسجم بوضوح مع الهدف الإيراني الأشمل المتمثّل في تعطيل الملاحة وأسواق الطاقة العالمية، للإبقاء على الضغط تجاه الولايات المتحدة، حتى وإن لم يكن الحوثيون مجرّد منفّذين لأوامر طهران».
ويبدو التهديد إذن مصمَّماً لا لإغلاق باب المندب كلياً، بل لإثبات قدرة الحوثيين على رفع الكلفة الاقتصادية على الرياض متى شاؤوا. وهم يملكون من هذه المعادلة الكثير: كما أثبتت إيران قدرتها على انتزاع تنازلات عبر مضيق هرمز قد تموّل إعادة إعمارها، يمتلك الحوثيون اليوم ورقةً لا تقلّ ثمناً، وهي القدرة على تهديد المسار النفطي السعودي الأخير إلى الأسواق العالمية.
وختم المعينة بالقول: «إذا أراد الحوثيون التفاوض على السلام، فالأمر متروكٌ لهم، لأنّ المملكة تحرص على تجنّب إراقة الدماء دون ضرورة».
أخبار ذات صلة

دمج الجيشين الأمريكي والإسرائيلي: خطة مخفيّة في ميزانية الدفاع الجديدة

الكويت والبحرين تشنّان غارات جويّة على إيران

قرار أمريكي جديد لوقف العمليات العسكرية في إيران وسط انشقاقات جمهورية
