برلين تستعيد هدوءها بعد هجوم الفخر وتكشف الأسرار
برلين تحزن بعد هجوم دموي قرب مهرجان الفخر وتساؤلات حول إطلاق سراح المنفذ رغم إدانته بصلات داعش. قصة عبد بلّوط تفتح ملف القضاء الألماني وبرامج إزالة التطرف في مواجهة الإرهاب وورلد برس عربي يكشف التفاصيل.



برلين في حداد بعد هجوم مهرجان الفخر: كيف خرج المنفّذ حرّاً رغم إدانته بصلات مع تنظيم داعش؟
يرزح سكّان برلين تحت وطأة الحزن في أعقاب الهجوم الدامي الذي وقع قرب مهرجان الفخر في المدينة، فيما تتصاعد التساؤلات حول كيف أُتيح للمشتبه به التنقّل بحرية رغم إدانته السابقة بتهم تتصل بتنظيم داعش.
عبد بلّوط، البالغ من العمر 21 عاماً والحامل للجنسية الألمانية، لقي حتفه عقب عملية بحث امتدّت قرابة 24 ساعة، وذلك في أعقاب الهجوم الذي شنّه ليلة السبت في وسط برلين. ويُشتبه في أنّه دهس حشداً من المارّة بشاحنة صغيرة بالقرب من فعاليات مهرجان الفخر، ثم انهال على آخرين بمقطعة في ما تعتبره السلطات هجوماً إرهابياً ذا طابع متطرّف.
وقد لقيت امرأة حتفها جرّاء الهجوم؛ وأكّد عمدة برلين كاي فيغنر أنّها مواطنة بولندية كانت في زيارة للمدينة برفقة ابنتها. فيما أُصيب 29 شخصاً آخرون.
تساؤلات المستشار: كيف كان يمكن منع هذا؟
طالب المستشار فريدريش ميرتس يوم الاثنين بإجابات واضحة حول ما كان يمكن فعله لمنع الهجوم. وكان المدّعون العامون قد كشفوا أنّ بلّوط سعى في وقت سابق إلى الانضمام لتنظيم داعش.
وقال ميرتس: «يجب علينا أن نفعل كلّ ما بوسعنا لحماية الناس في ألمانيا من هؤلاء المجرمين، من الأشخاص الخطرين الذين لا يمكن لأيّ سبب كان احتجازهم».
من هو عبد بلّوط؟
بلّوط مولود في ألمانيا من أصول لبنانية. وبحسب ما أفاد به المدّعون العامون في برلين، سافر عام 2025 إلى لبنان بهدف العبور إلى سوريا والانضمام إلى تنظيم داعش، وأجرى اتصالات مع عدد من الأشخاص يُشتبه في انتمائهم إلى التنظيم، أو كان هو على الأقل يعتقد ذلك.
جرى اعتقاله في لبنان وصدر بحقّه حكم من محكمة عسكرية بالسجن ثلاثة أشهر بتهم من بينها التحريض على النزاع الديني والطائفي. وبعد انقضاء محكوميته، عاد إلى ألمانيا حيث اعتُقل فور وصوله في مطار برلين.
وفي مايو الماضي، أصدرت محكمة الأحداث في برلين حكماً بإدانته بتهمة التخطيط لعمل عنيف خطير يستهدف أمن الدولة، إضافةً إلى نشر دعاية لتنظيم داعش عبر حسابه على Instagram وتهم أخرى. وقُضي بسجنه سنةً وعشرة أشهر في مؤسسة إصلاح الأحداث، وهو حكم طعن فيه المدّعون العامون في برلين.
وتجدر الإشارة إلى أنّ القانون الألماني يُجيز محاكمة من هم في الفئة العمرية بين 18 و21 عاماً أمام قضاء الأحداث.
لماذا كان طليقاً؟ جدل حول قرار المحكمة
أفاد مسؤولون بأنّ بلّوط صدر بحقّه حكم موقوف التنفيذ، غير أنّ محاكم برلين نفت ذلك، مؤكّدةً أنّها كانت بصدد البتّ في مسألة وقف تنفيذ الحكم لا أنّها أوقفته فعلاً. وأوضحت المحكمة أنّها أفرجت عنه لأنّه لم يعد في الحبس الاحتياطي الذي امتدّ وقتاً طويلاً بشكل استثنائي، وأنّه لم تتوافر فيه الشروط القانونية المتعلقة بخطر الفرار أو تكرار الجريمة وغيرها من المعايير.
وأبدى عدد من المسؤولين الألمان تشكيكاً صريحاً في قرار المحكمة، متعهّدين بالتحقيق في ملابسات الإفراج عنه، وفي ما إذا كانت منظومة قضاء الأحداث التي يرى بعضهم أنّها متساهلة أكثر مما ينبغي بحاجة إلى إصلاح.
وفي مقابلة مع القناة العامة ZDF، قال وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت إنّه في ضوء إدانة بلّوط وسجلّه في دعم تنظيم داعش، لا يوجد ما يبرّر وجوده طليقاً في الشارع.
وأضاف: «يمكن الافتراض بأنّه كان من المنطقي تماماً إبقاء هذا الشخص رهن الاحتجاز».
أمّا عمدة برلين، فقد صرّح في مقابلة مع القناة الإقليمية RBB بأنّه لا يريد التشكيك في استقلالية القضاء، لكنّه في هذه الحالة بالذات قال: «تخذلني الكلمات».
خبراء إزالة التطرف: كان يُخفي حقيقته
أمرت المحكمة بلّوط بالمثول أمام برنامج لإزالة التطرف مخصّص للمعتدين عالي الخطورة. وقد خضع لتقييمَين من قِبَل شبكة منع العنف (Violence Prevention Network) ومقرّها برلين، وهي منظمة تعمل مع الأشخاص المعرّضين لخطر التطرف اليميني والإسلاموي. وتُعرّف المنظمة إزالة التطرف بأنّها انفصال الشخص الناجح عن الأيديولوجيا المتطرّفة وابتعاده عن العنف.
وكان بلّوط مقرّراً له حضور جلسة تقييم ثالثة وأخيرة مع كوادر المنظمة يوم الاثنين، وفق ما أفادت به كورنيليا لوتهامر، مديرة العلاقات العامة في المنظمة.
وكان الكوادر يعتزمون إبلاغ المحكمة بأنّ بلّوط ليس مرشّحاً مناسباً لبرنامجهم، إذ كان يسعى إلى تقديم نفسه على أنّه شخص ودود وغير متطرّف، وبالتالي لا يحتاج إلى إزالة تطرّف.
وقالت لوتهامر: «عادةً ما يكون الأشخاص عالو الخطورة مقتنعين جداً بأنفسهم وبأيديولوجيتهم، ويروّجون لها خلال الجلسات، وهذا يجعل التعامل معهم أسهل. هذه الحالة ليست نموذجية».
وأضافت أنّ بلّوط بدا وكأنّه يحاول استباق ما يريد الكوادر سماعه، مشيرةً إلى أنّ المنظمة كانت تدرك أنّه يمثّل خطراً.
وقالت: «الجميع كان يعلم أنّه شخص عالي الخطورة. لكن إن كان لا يتعاون مع زملائنا، فلا يسعنا فعل شيء».
وأردفت: «لكن لم يكن أحد ليقول إنّه لا يشكّل تهديداً، فقط اتركوه يذهب».
ولفتت لوتهامر إلى أنّه لم تكن ثمّة مؤشرات على أنّه يخطّط لأيّ هجوم، مؤكّدةً أنّ الكوادر كانوا سيُبلغون الجهات الأمنية فوراً لو توافرت لديهم أيّ قرائن من هذا القبيل. وأشارت إلى أنّه كان سيُحال إلى منظمة أخرى، أو ربّما يُعاد إرساله إلى السجن.
وامتنعت لوتهامر عن التعليق على ما إذا كانت منظمتها ترى أنّه كان ينبغي إبقاؤه رهن الاحتجاز، معتبرةً ذلك من اختصاص القضاء.
الهجوم يُلقي بظلاله على انتخابات ثلاث ولايات ألمانية
تُجري ثلاث ولايات ألمانية، من بينها برلين، انتخاباتها في سبتمبر المقبل. ومن المرجّح أن يُغذّي هذا الهجوم الحملاتِ الانتخابية، في ظلّ مخاوف من أن تُعزّز خطابات معاداة الهجرة شعبيةَ اليمين المتطرّف.
وكانت سلسلة من الهجمات الدامية التي نفّذها مهاجرون قد شكّلت أحد العوامل في الانتخابات الوطنية عام 2025، حين احتلّ حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرّف المرتبة الثانية. ويواصل الحزب هجومه على الحكومة في ملفّ الهجرة، مستثمراً حالة السخط الشعبي على قضايا أخرى. وفي ولاية ساكسونيا-أنهالت الشرقية، يأمل الحزب في الفوز بمنصب حاكم الولاية للمرّة الأولى.
وكتبت كريستين برينكر، زعيمة حزب AfD في برلين، على منصة X متسائلةً: كيف تمكّن مؤيّد لتنظيم داعش من التجوّل بحرية في ألمانيا بعد خروجه من الاحتجاز؟
وأضافت: «من يتحمّل المسؤولية عن ذلك في حكومة المدينة؟».
ما يعنيه هذا لمستقبل السياسة الأمنية الألمانية هو أنّ النقاش لم يعد مقتصراً على الهجرة، بل امتدّ ليطال منظومة قضاء الأحداث وآليات إزالة التطرف وحدود ما تستطيع الدولة فعله حين تعلم بوجود خطر لكنّها تعجز قانونياً عن الاحتجاز الوقائي. وهي معادلة ستجد الأحزاب الألمانية جميعها نفسها مضطرّة للإجابة عنها قبل سبتمبر.
أخبار ذات صلة

ألمانيا تجرّم إنكار وجود إسرائيل وترفض الاعتراف بفلسطين

ألمانيا تتخفّى خلف "الحوار البنّاء" لإخفاء دعمها نظاماً إبادياً

محاكمة نشطاء " أولم فايف" المتهمين باقتحام مقرّ Elbit تُؤجّل في ألمانيا
