رحيل بيتيي سار رمز الفن الأسود وإرثه الخالد
رحلت Betye Saar رائدة فن التجميع والتوثيق البصري التي جسدت الهوية السوداء وتحولت رموز العنصرية إلى قوة تحررية. إرثها الفني العميق يضيء تاريخ وثقافة الإنسان الأسود ويُلهم أجيال الفن في وورلد برس عربي.



رحلت فنّانة التجميع والتوثيق البصري Betye Saar صباح الأحد في لوس أنجلوس، عن عمرٍ ناهز 99 عاماً، تاركةً خلفها إرثاً فنياً حفر عميقاً في ذاكرة الهوية السوداء وثقافتها. أكّد ذوو الفنّانة خبر رحيلها يوم الاثنين وكانت ستُتمّ مئة عامٍ في غضون أيام.
كانت Saar شخصيةً محوريةً في حركة الفن الأسود التي انطلقت في ستينيات القرن الماضي، وقد رسّخت مكانتها رائدةً في فنّ التجميع (Assemblage)؛ أي النحت من المواد والأشياء المُلتقطة. ما ميّزها أنّها لم تكتفِ بالإبداع، بل استعادت تذكارات حقبة قوانين جيم كرو العنصرية وأعادت توظيفها رموزاً لتحرّر الإنسان الأسود وكرامته.
تقول Roberts Projects، وهي الغاليري اللوس أنجلوسي الذي كان يمثّلها: "تطوّر حسها الفنّي الغنيّ بالرمزية عبر الزمن ليُجسّد السياق البيئي والثقافي والسياسي والعرقي والتكنولوجي والاقتصادي والتاريخي الذي نشأ فيه."
بداية متأخّرة ومسيرة لا تتوقّف
بدأت Saar مسيرتها في مجال التصميم، قبل أن تنتقل إلى الفن التشكيلي في سنّ الخامسة والثلاثين. لم تتوقّف عن الإبداع حتى بعد أن تجاوزت التسعين. نشأت في مدينة Pasadena، وكانت جزءاً من مجتمع فنّانين سود في Altadena المجاورة، وكثيراً ما استشهدت بـ Watts Towers التي شيّدها Simon Rodia مصدراً باكراً لإلهامها.
"إنّ استيلاءها على المقتنيات والموروثات والأدوات اليومية السوداء وتحويلها عبر الإسقاط والتقليب هو ما يجعل عملها استثنائياً"، كما يصف الغاليري ذلك. "إنّها بين جيل الفنّانين الأمريكيين السود الأكبر سنّاً الأكثر تفرّداً دون منازع."
تنوّعت ممارستها الفنية لتشمل الرسم والطباعة والنحت، إلى جانب المواد الملتقطة كالدمى وألواح الغسيل وسائر القطع الأثرية اليومية.
"نافذة الفتاة السوداء" و"تحرير عمّة جيميما"
في عام 1969، أنجزت Saar عملها الرائد "Black Girl's Window"، غير أنّ الاحتفاء الواسع به لم يأتِ إلا بعد عقود، حين اقتنى متحف الفن الحديث MoMA في نيويورك هذا العمل عام 2019. قالت في مقابلة سابقة: "لم تكن هناك غاليريهات كثيرة في لوس أنجلوس آنذاك، وبالتأكيد لم يكن ثمّة أيٌّ منها للفنّانين السود."
أمّا عام 1972، فقد أنجزت ما يُعدّ من أبرز أعمالها: "The Liberation of Aunt Jemima". يضمّ العمل تذكاراتٍ جمعتها تُصوّر الإنسان الأسود بصورة مهينة، من بينها شخصية "الماما" (mammy) وهي نمطٌ ساخرٌ من القرن التاسع عشر يُجسّد امرأةً سوداء مبتسمة في خدمة أسيادها البيض. لكنّ Saar قلبت المعادلة: الشخصية تبتسم، لكنّها تحمل في يديها بندقيةً وقنبلةً يدوية.
قالت Angela Robinson Witherspoon: "جاء هذا العمل ردّاً على اغتيال الدكتور King"، في إشارةٍ إلى اغتيال القسّ Martin Luther King Jr. عام 1968 في Memphis بولاية Tennessee. وأضافت: "كانت تربّي ثلاث بنات صغيرات، وأرادت أن تكون جزءاً من حركة الحقوق المدنية."
وكانت علامة Aunt Jemima التجارية جزءاً من شركة Quaker Oats لأكثر من 130 عاماً، قبل أن تُعلن الشركة عام 2020 سحب العلامة، مُقرّةً بأنّ شعارها "مبنيٌّ على قالبٍ نمطي عنصري."
طاقة لا تنضب وإرثٌ يمتدّ
أنتجت Robinson Witherspoon وأخرجت وثائقياً عن Saar عام 2023 بعنوان "Betye Saar: Ready to Be A Warrior"، ضمّ مقابلات مع John Legend وTina Knowles وشخصيات بارزة أخرى. تقول: "أعتقد أنّها كانت تمتلك طاقةً لا تنضب في صنع الفن. كان لديها الكثير لتقوله، وكانت قد ضاقت ذرعاً بهيمنة الذكور البيض على عالم الفن."
على الرغم من أنّ أعمالها عُرضت في معرضٍ فردي بمتحف Whitney عام 1975، إلا أنّ المؤسسات الكبرى لم تُولِها الاهتمام الكافي على مدى عقود. بيد أنّ عام 2019 شهد تحوّلاً: أقام كلٌّ من متحف Los Angeles County Museum of Art ومتحف MoMA معرضَين فرديَّين متزامنَين لأعمالها.
علّمت Saar وأرشدت جيلاً كاملاً من الفنّانين السود، من بينهم الرسّام Kerry James Marshall، وظلّت لفترةٍ طويلة من أبرز الأسماء في مشهد الفنون على الساحل الغربي الأمريكي.
في ربيع عام 2026، انضمّت Saar إلى American Academy of Arts and Letters، تقديراً لمسيرتها الاستثنائية.
أمّا معرضها الحالي "Let's Get It On: The Wearable Art of Betye Saar"، الذي يُركّز على تصميم الأزياء، فلا يزال مفتوحاً في Roberts Projects.
أخبار ذات صلة

فيلم «مينوتور» عن القتل والفساد في روسيا بوتين يهزّ مهرجان كان

الفن كملاذ: الأوكرانيون يجدون الصمود في معرض كييف للفنون وسط ويلات الحرب

سرقة القرن من متحف بوسطن: كيف اختفى نصف مليار دولار من اللوحات
