وورلد برس عربي logo

تدقيق الكتب في كشمير وصراع الحرية الأكاديمية

تدقيق شامل في مكتبات كشمير لإزالة كتب ومواد تُعتبر معادية للوطن وسط احتجاجات على تقييد الحرية الأكاديمية واتهامات بـفرض أيديولوجيا الدولة. تفاصيل الصراع حول المحتوى التعليمي وأثره على المجتمع في كشمير في وورلد برس عربي.

مكتبة عامة في كشمير تضم رفوفاً مليئة بالكتب، تعكس أهمية التدقيق الشامل للمواد التعليمية في المكتبات العامة والمؤسسات التعليمية بالمنطقة.
بائع ينتظر الزبائن في مكتبة بسري ناگار، 7 أغسطس 2025 (توصيف مصطفى/وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

أصدرت السلطات في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية أمراً بإجراء تدقيق شامل متعدّد المستويات في جميع المكتبات العامة والمؤسسات التعليمية، بهدف تنقيتها من الكتب والأرشيفات الرقمية التي وُصفت بأنّها "معادية للوطن" أو "تمجّد الإرهاب".

وقد استدعى هذا القرار ردود فعل حادّة من علماء وأكاديميين وسكّان المنطقة، الذين يرون أنّ الحرية الأكاديمية في كشمير تتعرّض لتدمير ممنهج.

وجاء في الأمر الذي أصدرته إدارة جامو وكشمير المعيَّنة مباشرةً من نيودلهي في وقتٍ سابق من هذا الشهر، دعوةٌ إلى "مراجعة شاملة لجميع الكتب والمجلّات والمواد التكميلية وكتب المراجع والدوريات وسائر الموارد التعليمية المتاحة في المكتبات أو مراكز التعلّم".

وأضاف الأمر: "يمتدّ هذا الإجراء ليشمل المجموعة المكتبية بأكملها".

وجاء فيه أيضاً: "لا يجوز اقتناء أيّ مطبوعٍ يحتوي على مضامين مرفوضة أو تحريضية أو غير ملائمة، بما في ذلك أيّ مادّة تروّج للتطرّف أو العنف أو الانفصالية أو الأيديولوجيا المعادية للوطن، أو أيّ مادّة تُعدّ ضارّة بسيادة الهند ووحدتها وتكاملها، أو التوصية بها أو الاحتفاظ بها أو تداولها أو إتاحتها بأيّ شكلٍ في المكتبات أو المرافق الأكاديمية".

الشرارة التي أشعلت التدقيق الشامل

كان الدافع المباشر لإطلاق هذا التدقيق الإقليمي الشامل اعتراضاتٍ أثارها أعضاء في حزب Bharatiya Janata Party (BJP)، حزب رئيس الوزراء Narendra Modi الحاكم، على مضمون كتابَين اثنَين، ممّا دفع إدارة جامو وكشمير إلى إصدار أمرٍ بسحبهما فوراً بعد توزيعهما على أكثر من 250 مدرسةً في المنطقة.

الكتاب الأوّل بعنوان Personalities and Legends of Jammu and Kashmir، من تأليف Hilal Ahmad وSantosh Meena، وصدر عن Oberoi Book Service في جامو وكشمير. والثاني بعنوان Great Personalities of Jammu and Kashmir، من تأليف الدكتور Sushant Giri، وصدر عن Anurag Prakashan في نيودلهي. وقد وُزّع الكتابان على المدارس في إطار مخطّط Samagra Shiksha المموَّل حكومياً.

وقال زعيم المعارضة في المنطقة عن حزب BJP، Sunil Sharma، إنّ الكتابَين استخدما مصطلح "كشمير المحتلّة هندياً"، واصفاً وجودهما في مكتبات المدارس بأنّه "تحدٍّ مباشر لسيادة الهند وتكاملها الإقليمي". وذهب Sharma إلى أنّ إدراجهما يمثّل ما أسماه "الجهاد الأكاديمي" الرامي إلى تلقين عقول الشباب.

وعلى إثر هذه الاحتجاجات، علّق المسؤول الإداري الأعلى في المنطقة Manoj Sinha ثمانيةَ مسؤولين في دائرة التعليم المدرسي، وأمر بفتح تحقيقٍ رسمي في القضية وفي المؤلِّفَين. كما أُدرج الناشران على قائمة المحظورين، مع توجيه أوامر بسحب أيّ مواد سبق أن نشراها من التداول.

قادة الحرية بوصفهم "شهداء"

نبع غضب قيادات حزب BJP من بعض المداخل في كتاب Personalities and Legends of Jammu and Kashmir الذي يقع في 240 صفحة، والذي ضمّ إلى جانب شخصياتٍ أدبية كSalman Rushdie وHari Kunzru، ترجماتٍ لقادة من حركات المطالبة بالحرية.

فقد وصف الكتاب Maqbool Bhat، مؤسّس جبهة تحرير جامو وكشمير المسلّحة، بلفظ "شهيد". وكان Bhat قد نُفّذ فيه حكم الإعدام شنقاً بعد صدور قرارٍ بإدانته من المحكمة العليا الهندية، ودُفن جثمانه سرّاً داخل سجن Tihar في نيودلهي.

كما أورد الكتاب نقلاً عن الزعيم الراحل Syed Ali Shah Geelani وصفَه كشمير بأنّها "منطقة متنازَع عليها تنتظر حلّاً سياسياً في إطار الأمم المتحدة".

أمّا تفاصيل مضمون الكتاب الثاني الخاضع للتدقيق، فلا تزال غير متاحة.

وليست هذه المرّة الأولى التي تستهدف فيها الإدارة المعيَّنة من نيودلهي الكتبَ في كشمير؛ ففي أغسطس 2025، حظرت السلطات 25 كتاباً، معلنةً "مصادرتها" للدولة استناداً إلى أحكام القانون الجنائي الهندي.

وكان من بين العناوين المستهدفة نصوصٌ سياسية مرجعية، منها: The Kashmir Dispute لـAG Noorani، وKashmir in Conflict: India, Pakistan and the Unending War لـVictoria Schofield، فضلاً عن مجموعة مقالات Arundhati Roy بعنوان Azadi: Freedom. Fascism. Fiction.

كما طالت القائمةُ أعمالاً أكاديمية رفيعة، من بينها: Contested Lands وKashmir at the Crossroads لـSumantra Bose، وColonising Kashmir: State-Building Under Indian Occupation لـHafsa Kanjwal، وA Dismantled State لـAnuradha Bhasin التي وثّقت المشهد ما بعد عام 2019، إضافةً إلى Independent Kashmir لـChristopher Snedden.

أيديولوجيا مفروضة بقوّة الدولة

يُحذّر علماء كشميريون من أنّ التدقيق المكتبي الراهن ليس مجرّد إجراءٍ سياسي معزول، بل هو الحلقة الأخيرة في سلسلة متواصلة من فرض الحدود الأيديولوجية بقوّة الدولة في المنطقة.

وقد وصفت الدكتورة Ather Zia، أستاذة الأنثروبولوجيا ودراسات النوع الاجتماعي في جامعة Northern Colorado في Greeley والتي طال التدقيقُ عملَها البحثي Resisting Disappearances هذه الخطوةَ بأنّها محاولةٌ لفرض الامتثال الفكري.

وقالت Zia : "إزالة ما يُسمّى 'المواد المرفوضة' ليس أمراً جديداً في نظري، بل هي حلقةٌ في سلسلة طويلة من الرقابة وقمع التفكير النقدي والبحث العلمي في كشمير".

وأضافت: "إنّها تهدف إلى تعزيز المحو الممنهج للمعارف الأصيلة وتواريخ الناس. أيّ مجتمعٍ سليم ومعافى فكرياً يقوم على الاختلاف والنقد وتناول التواريخ الصعبة ووجهات النظر المتعدّدة بصراحة".

وتابعت: "هذا التطهير المتطرّف المتكرّر، الذي يجتثّ كلّ صوتٍ مخالف أو نقدي من الخطاب الأكاديمي والعام، يكشف أنّ المشاركة الديمقراطية في كشمير ليست سوى وهمٍ حقيقي. إنّه يحكي عن منظومةٍ تفرض الامتثال المطلق في الفكر والسلوك شرطاً للبقاء، وقد طبّعت القمع حتى غدا أمراً عادياً".

من جهته، كتب زعيم الحرية Mirwaiz Umar Farooq على منصّة X أنّ حظر الكتب "لن يمحو الحقائق التاريخية والذاكرة الحيّة المتراكمة لأبناء كشمير".

وفي العام الماضي، داهمت الشرطةُ المكتباتِ وبيدها قوائم مطبوعة بعناوين محدّدة، وأخلت المحلّات من الزبائن، وصادرت نسخ الكتب المحظورة من الأرفف. وفي فبراير 2025، صادرت السلطات مطبوعاتٍ إسلامية من المكتبات والمنازل في أرجاء الوادي.

وقال أحمد، باحثٌ في دراسات الإعلام يبلغ من العمر 27 عاماً ورفض الكشف عن اسمه الأوّل: "باتت الحكومة تراقب عن كثبٍ وبصورة مستمرّة ما يُكتب وما يُطبع وما يُقرأ في كشمير".

القمع منذ عام 2019

منذ أن ألغت الحكومة التي يقودها حزب BJP من جانبٍ واحد المادّة 370 من الدستور الهندي التي كانت تكفل للمنطقة المضطربة وضعاً شبه ذاتيّ الحكم في أغسطس 2019، جرت حملةٌ ممنهجة لتنظيم الأدب والفكر من قِبَل الجيش الهندي والإدارة المدنية.

كانت تلك المادّة تحظر على غير الكشميريين تملّك الأراضي، بوصفها تدبيراً لحماية البيئة الهشّة للمنطقة ومواردها، وتنظيم سوق العمل لصالح أبناء المنطقة، وتوفير ضماناتٍ دستورية لصلاحياتٍ سياسية محدودة. ومنذ أن قرر البرلمان الهندي انتزاع هذه الحماية، انخرطت أجهزة الأمن الهندية في مراقبةٍ تقنية متطوّرة، وتوسيعٍ لصلاحيات الشرطة، وإجراءاتٍ قسرية ضدّ الصحافة المحلية وناشطي حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين.

كما أقرّت الهند قوانين مثيرةً للجدل تتيح للمواطنين الهنود الاستيطان في كشمير، فيما جرى تقسيم المنطقة إلى وحداتٍ إدارية متعدّدة تُدار مباشرةً من نيودلهي.

ومنذ عام 1947، حين أفضى تقسيم المستعمرة البريطانية إلى ميلاد دولتَين هما الهند وباكستان، ظلّت منطقة كشمير الهمالايية واحدةً من أشدّ مناطق العالم نزاعاً. تطالب كلٌّ من الدولتَين النوويّتَين بالمنطقة بأسرها، في حين لا تسيطر كلٌّ منهما إلّا على جزءٍ منها. وقد أفضى هذا التنافس الجيوسياسي إلى حروبٍ متعدّدة، وتصعيداتٍ متكرّرة على طول الحدود، وانتفاضةٍ مسلّحة في الجانب الكشميري. وتُعدّ كشمير الخاضعة للإدارة الهندية من أكثر المناطق تعسكراً في العالم، إذ يواصل القمع الرسمي تأثيره في حياة ملايين السكّان.

الرقابة والخوف

قال Dean Accardi، المؤرّخ في Connecticut College والمتخصّص في الدراسات الكشميرية، إنّ رقابة الحكومة على الكتب والمطبوعات "تحدث دائماً تقريباً حين يخشى أصحاب السلطة معارضةً شعبية لسياساتهم أو لنظامهم برمّته".

وأضاف: "بدلاً من معالجة أسباب استياء الناس، تسعى الرقابة إلى تضييق معرفة الجمهور بالحقائق، وإخماد النقاش العام المفتوح، لتحلّ محلّ هذَين الركيزتَين الأساسيّتَين لأيّ ديمقراطية حقيقية الدعايةُ والعقوبةُ باسم 'الأمن'".

وتابع Accardi: "تاريخ كشمير وأهلها ينطوي على صراعاتٍ عميقة وحقائق مؤلمة مزعجة. لا ينبغي للدولة أن تسعى إلى قمع هذه الحقائق بالرقابة، بل عليها مواجهتها بصراحة والعمل على تحسين أحوال الكشميريين".

أمّا Goldie Osuri، عالمة الاجتماع والباحثة في الدراسات الكشميرية النقدية في جامعة Warwick، فقد رأت أنّه في أعقاب حظر 25 كتاباً العام الماضي، يبدو أنّنا "نشهد حرباً مستمرّة ضدّ أيّ مادّة أكاديمية" قد تتعارض مع روايات الدولة الهندية فيما يخصّ كشمير.

وقالت Osuri: "يبدو أنّ الدولة الهندية لا تتحمّل أيّ رواية تشهد على طعن الكشميريين في الحكم الهندي. هذه في جوهرها حربٌ على الحرية الأكاديمية. إذا كان العمل الأكاديمي لا يجوز له إلّا أن يخدم 'المصلحة الوطنية'، فلا يمكن تسميته عملاً أكاديمياً. وتغدو المدارس والجامعات حينئذٍ أماكن لا يمكن اعتبارها فضاءاتٍ حقيقية للتعلّم".

وأضافت: "فيما يتعلّق بالمواد الأكاديمية، يبدو أنّ المؤسسات التعليمية تُجبَر على أن تكون نقاطَ تفتيش لصالح الدولة الهندية، بدلاً من أن تكون أماكن يتعرّض فيها الطلاب لروايات متعدّدة ويفهمون سياقاتها".

ولا يقتصر الخوف من هذا التدقيق على الأوساط الأكاديمية، بل تسرّب إلى البيوت في أرجاء كشمير، حيث يعمد كثيرٌ من الناس في صمتٍ إلى تدمير أرشيفاتهم الخاصّة.

ومن هؤلاء نفيس، موظّفٌ حكومي ومحبٌّ للقراءة، أفرغ مؤخّراً رفوفه من الكتب المتعلّقة بكشمير والتاريخ السياسي والإسلام.

وقال نفيس : "بعضها كان جزءاً من مكتبة والدي الراحل. لم أكن أريد التخلّي عنها، لكنّني كموظّفٍ حكومي لم أستطع المجازفة بالاحتفاظ بها. لقد استولى الخوف على كلّ شيء. لا تعرف أبداً ما الذريعة التي قد تجد فيها السلطات مسوّغاً لإيذائك".

أخبار ذات صلة

Loading...
ديفيد هويرتا، قائد نقابي في كاليفورنيا، يتحدث مع وسائل الإعلام خلال احتجاجات ضد سياسات الترحيل في لوس أنجلوس.

مدّعون يسعون لإسقاط تهمة عن زعيم عمالي كاليفورني اعتُقل في احتجاج هجري

في تطور مثير، وزارة العدل الأمريكية تطلب إسقاط التهم عن قائد نقابي بارز اعتُقل خلال احتجاجات ضد سياسة الترحيل. اكتشف تفاصيل القضية وتأثيرها على حقوق العمال والمهاجرين، وكن جزءًا من الحوار المستمر.
حقوق الإنسان
Loading...
شابة فلسطينية ترتدي الحجاب وسط مجموعة من الأشخاص، تعبير وجهها يعكس القلق والتوتر في سياق التمييز العنصري ضد الفلسطينيين في أماكن العمل بإسرائيل.

الدولة اليهودية: منع اللغة العربية عن الموظفين الفلسطينيين في إسرائيل

تعيش سلمى تجربة التمييز اللغوي في مكان عملها، حيث يُمنع الحديث بالعربية رغم كونها لغة أصلية. اكتشف تفاصيل هذا التحدي الاجتماعي والقانوني وكيف يؤثر على الفلسطينيين في إسرائيل. تابع القراءة لتعرف أكثر.
حقوق الإنسان
Loading...
راهبة ليتيشيا أوغبواجا ترتدي زيها الديني وتحضر مؤتمراً صحفياً في كنيسة Our Lady of Sorrows بمكالين، تكساس، لمناقشة قضيّة حمايتها القانونية من الترحيل.

راهبة تروي تجربتها: احتجاز ICE أثناء ذهابها للقداس في تكساس

في حادثة جديدة بولاية تكساس، احتُجزت الراهبة ليتيشيا رغم حمايتها القانونية من الترحيل، مما يسلط الضوء على تحديات سياسة الهجرة الأمريكية. اكتشف التفاصيل وادعم حقوق اللاجئين الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
silhouettes لأعضاء مجتمع الأشانينكا الأصلي في الأمازون مع زخارف رأس تقليدية، تعبير عن مقاومتهم للحفاظ على أراضيهم من تهديدات تهريب المخدرات والعنف.

حماية أراضٍ أصلية في الأمازون البرازيلية من عصابات الجريمة المنظمة

تتعرض أراضي الأشانينكا في الأمازون لتهديد متزايد من تجار المخدرات الذين يستخدمون الأنهار لتهريب الكوكايين، مما يهدد حماية الغابات والحياة الأصلية. اكتشف التفاصيل وادعم مقاومتهم.
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية