خطر الأقصى وأزمة القوة الإسلامية الحقيقية
المسجد الأقصى في خطر حقيقي مع تصاعد محاولات تغيير هويته والسيطرة عليه. هل ستتحرك الأمة الإسلامية بجدية للدفاع عنه بعد معاناة غزة؟ الوقت حان للمراجعة والعمل الجماعي قبل فوات الأوان وورلد برس عربي يدعو للتضامن الفاعل.

المسجد الأقصى في خطر.
منذ عقود، يتلقّى المسلمون تحذيراتٍ متواصلة من أنّ الوضع القائم حول ثالث أقدس البقاع في الإسلام بات يترنّح على أرضٍ هشّة. أمّا اليوم، فتلك التحذيرات لم تعد تبدو ضرباً من التكهّن.
انتقلت النقاشات المتعلّقة بتغيير إدارة الموقع، وتوسيع وصول غير المسلمين إليه، وتحويل طابعه في نهاية المطاف، من هوامش الخطاب السياسي إلى صلب النقاش العام الإسرائيلي. ويخشى كثير من المسلمين أنّ هذه المستجدّات ليست سوى حلقةٍ في مشروع أبعد مدىً، لا يسعى إلى الوصاية على الأقصى فحسب، بل إلى تغيير هويّته من جذورها.
سواء اعتقد المرء أنّ هذا المآل وشيكٌ أم بعيد، فإنّ المسار واضحٌ بما يكفي لطرح سؤالٍ ملحّ: ماذا يعتزم المسلمون في العالم أن يفعلوا لمنع ذلك؟
يكتسب هذا السؤال ثقلاً مضاعفاً في ضوء ما جرى في غزّة. فعلى مدى ما يقارب ثلاث سنوات، شاهد مسلمو العالم الفلسطينيين يتجرّعون مستوياتٍ غير مسبوقة من العنف والتهجير والحرمان والدمار. شاهدوا البيوت تُسوَّى بالأرض، والأحياء تُمحى من الخريطة، والعائلات تُبادُ، والسيادة السياسية تُفتّت قطعةً قطعة. ومع ذلك، ورغم الغضب العارم والاحتجاجات وموجات التضامن، ظلّ ميزان القوى السياسي على حاله إلى حدٍّ بعيد.
ولا تقتصر دلالة غزّة على فلسطين وحدها. فالحرب لم تُعِد رسم حدود العنف المسموح به في السياسة الدولية فحسب، بل كشفت أيضاً عن مقدار المعاناة التي يمكن إلحاقها بشعبٍ مسلم دون أن تُفضي إلى ردٍّ جماعي حاسم من الأمّة الإسلامية. والجواب، على ما يبدو، مروّع: مقدارٌ هائل.
الشلل العالمي
يُروى عن النبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم أنّه أخبر بزمانٍ تتداعى فيه الأمم على المسلمين كما يتداعى الآكلة على قصعتهم. فلمّا سُئل عن السبب، أجاب بأنّ ذلك سيكون بسبب «حبّ الدنيا وكراهية الموت».
هذا الحديث النبوي بالغ الصلة بما نشهده. فكيف يُفسَّر الشلل الذي اعترى الاستجابة العالمية إزاء القضية الفلسطينية إن لم يكن بهذا المنظور؟
لماذا توقّف التضامن في أغلب الأحيان عند حدود المشاعر والغضب والمواقف الرمزية؟ ولماذا عجزت معاناة الفلسطينيين عن إنتاج حراكٍ سياسي مستدام يتناسب مع حجم الكارثة؟
ربّما لا يكمن الجواب في غياب الاهتمام، بل في الأولويات التي تحكم الحياة المعاصرة. هل استهلكت المسيرات المهنية والمشاريع التجارية والطموحات الشخصية انتباهنا؟ أم كان التعلّق بالراحة والروتين والاستقرار الفردي هو الحائل؟ أم الرغبة في تجنّب الجدل والتدقيق والإزعاج، أو ربّما الخشية من التبعات القانونية والإقصاء الاجتماعي والانعكاسات المهنية والمساس بالسمعة؟
تُتيح المجتمعات الحديثة أساليب لا تُحصى للانشغال: الالتزامات المدرسية، وأقساط السكن، وعضويات النوادي الرياضية، والمناسبات العائلية، والعطل، وحفلات العشاء، والإدمان الرقمي الذي لا ينتهي. لا شيء من هذا في ذاته مذموم، غير أنّ مجموعه قادرٌ على تغذية حالةٍ من الخمول السياسي والأخلاقي؛ حالةٌ تغدو فيها الراحة أثمن من التضحية، والأمن الشخصي أهمّ من التضامن الجماعي.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تحذير النبيّ لا بوصفه نبوءةً عسكرية فحسب، بل تشخيصاً لانحطاطٍ روحي وسياسي. فالأمّة التي تُفرط في التعلّق بأمان الدنيا تُصبح أقلّ استعداداً لتحمّل تكاليف العدالة، وبذلك تُعرّض نفسها للهشاشة. والشعب الذي يرفض المجازفة بالانزعاج دفاعاً عن غيره سيكتشف في نهاية المطاف أنّ أمنه الشخصي ذاته لا يعدو أن يكون وهماً.
القوّة الجماعية
الدرس الذي تُقدّمه غزّة ليس مجرّد تأكيدٍ لهشاشة الفلسطينيين. إنّه كشفٌ عن عجز المسلمين في كلّ مكان عن ترجمة الغضب الأخلاقي إلى قوّةٍ سياسية جماعية فاعلة. بهذا المعنى، لم تكشف غزّة عن القوّة العسكرية الإسرائيلية وحدها، بل عرّت الضعف الإسلامي.
ولهذا السبب تحديداً يكتسب مستقبل المسجد الأقصى هذه الأهمية البالغة. فإذا كان الدمار المتواصل في غزّة لم يُفضِ إلى ردٍّ كافٍ، فأيّ ثقةٍ يمكن أن يمتلكها المسلمون في أنّهم سيتصرّفون بصورة مختلفة حين يُمسّ وضع الأقصى؟ وإذا كان الفلسطينيون قد تعرّضوا لكلّ هذا الدمار والعالم يتفرّج، فأيّ دروسٍ يمكن أن يستخلصها الآخرون من هذه التجربة؟
هذه أسئلة مزعجة، لكنّها لا بدّ أن تُطرح.
الخطر الذي يتهدّد الأقصى ليس خارجياً فحسب، بل هو أيضاً داخلي. إنّه يتعلّق بحال الأمّة الإسلامية ذاتها: مدى استعدادها للتضحية والتنظيم والفعل. ينبغي أن تدفع السنوات الماضية المسلمين إلى محاسبةٍ حقيقية، تدفعهم إلى مراجعة ليس ما فُعل بالفلسطينيين فحسب، بل ما أخفقوا هم في فعله: الفرص الضائعة، والمسؤوليات المُهدَرة، والتضحيات المُتجنَّبة.
غير أنّ المراجعة وحدها لا تكفي. فالندم قد يتحوّل إلى ضربٍ آخر من الخمول إن لم يتحوّل إلى فعل. والغرض من النقد الذاتي ليس الجلد، بل التجديد.
درس غزّة لا ينبغي أن يكون اليأس، بل العزيمة. لا يملك المسلمون تغيير ما أخفقوا في فعله بالأمس، لكنّهم يستطيعون أن يقرّروا ما سيفعلونه غداً.
قد يكون الأقصى الاختبار الكبير القادم، اختباراً لا تتوقّف نتيجته على طموحات من يسعون إلى تغيير هويّته فحسب، بل على ما إذا كان المسلمون قادرين على تجاوز عادات الراحة والخوف والخمول السياسي التي طبعت هذه المرحلة بطابعها.
لم يعد السؤال هو: هل الأقصى في خطر؟ السؤال الحقيقي هو: هل تعلّم المسلمون شيئاً من غزّة؟.
أخبار ذات صلة

الأكراد بين الأمل والحذر: حل قوات سوريا الديمقراطية والالتحاق بالجيش النظامي

الصحفيون الفلسطينيون بين الواقع والحياد: هل يبقى الصمت خياراً؟

الفلسطينيون المحاصرون بالمستوطنين: «نحن نموت جوعاً»
