رحيل كارلو غينزبورغ رائد التاريخ المصغّر
رحيل المؤرّخ الإيطالي كارلو غينزبورغ عن 87 عاماً يترك فراغاً في عالم التاريخ. اشتهر بمفهوم "التاريخ المصغّر" وكتابه الشهير "الجبن والديدان"، حيث أعاد تشكيل فهمنا للتاريخ من خلال دراسة التفاصيل الصغيرة.

رحل المؤرّخ الإيطالي كارلو غينزبورغ يوم الأربعاء عن عمر ناهز 87 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً أعاد تشكيل طريقة كتابة التاريخ من جذورها. أعلنت مدرسة Scuola Normale Superiore في مدينة بيزا التي كان طالباً فيها ثم أستاذاً فخرياً أنه فارق الحياة في مدينة بولونيا شمالي إيطاليا.
اشتُهر غينزبورغ بوصفه أحد مؤسّسي ما يُعرف بـ"التاريخ المصغَّر" (Microhistory)، وهو منهجٌ يُركّز على وحدات تحليل صغيرة ومحدّدة كفردٍ واحد، أو مجتمعٍ بعينه، أو حادثةٍ منفردة بهدف الكشف عن أنماطٍ أوسع وإشكاليات كبرى مضمرة في طيّات التاريخ. وقد طوّر ما بات يُعرف بـ"النموذج الاستدلالي" (evidential paradigm)، وهو منهجٌ يقوم على قراءة الأدلّة والآثار والتفاصيل الهامشية الظاهرة التافهة، لإعادة بناء تجارب أولئك الذين أقصتهم الروايات الرسمية السائدة.
انصبّ اهتمامه في بداياته على جماعة تُعرف بـ"البيناندانتي" (benandanti)، وهي طائفة خصوبة وثنية في منطقة فريولي الإيطالية خلال القرنَين السادس عشر والسابع عشر، كان أعضاؤها يُمارسون طقوساً شفائية ذات طابع شاماني، قبل أن تتّهمهم محاكم التفتيش بالهرطقة. أسفر هذا البحث عن كتابه الأوّل الصادر عام 1966، الذي تتبّع فيه جذور هذه الطائفة حتى معتقداتٍ أقدم في وسط أوروبا.
ثم جاء كتابه الأبرز عام 1976 بعنوان "الجبن والديدان" (The Cheese and the Worms)، الذي يُعدّ اليوم من أهمّ الأعمال في الكتابة التاريخية الإيطالية. أعاد فيه غينزبورغ تشييد محاكمة طاحونيٍّ فريولي من القرن السادس عشر، اتُّهم بحمل أفكارٍ مخالفة للعقيدة حول نشأة الكون والمسيح. واعتمد في ذلك على سجلّات محاكم التفتيش، ليُبيّن كيف تتشابك السلطة والمقاومة في الوثيقة ذاتها، وكيف تكشف القضايا الصغيرة عن توتّراتٍ عميقة بين الثقافة النخبوية والثقافة الشعبية، وبين السلطة والمعارضة.
وُلد غينزبورغ في تورينو عام 1939، لأبٍ هو الناشط المناهض للفاشية ليوني غينزبورغ، ولأمٍّ هي الكاتبة ناتاليا غينزبورغ. درّس في جامعاتٍ من بينها Harvard وYale وPrinceton وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وتُرجمت كتبه إلى أكثر من 30 لغة. حصل على جوائز دولية رفيعة، منها جائزة Prix Aby Warburg، وجائزة Balzan، وجائزة Antonio Feltrinelli، وجائزة Humboldt للبحث العلمي.
في مقابلة أجرتها معه المجلة الثقافية الإيطالية Lucy عام 2023، قال غينزبورغ إن منهجه لا يقتصر على البحث التاريخي، وإنه ينبغي تطبيقه "في الحياة اليومية" لفهم الآخرين على نحوٍ أعمق.
أصدرت Scuola Normale Superiore بياناً رثت فيه الراحل، جاء فيه أنه "غيّر طريقة ممارسة حرفة المؤرّخ"، وأنه "يُعيد الصوت إلى من لا صوت لهم، ويُثبت أن صرامة الدليل ضربٌ من العدالة، ويدافع عن فكرةٍ مطلوبة من الحقيقة."
يخلّفه وراءه ابنتاه سيلفيا، المؤرّخة المتخصّصة في تاريخ الفن، وليزا، الكاتبة والمقالية، من زواجه بالمؤرّخة الراحلة آنا روسي دوريا.
أخبار ذات صلة

الاتحاد الأوروبي وبريطانيا يستهدفان ضباط المخابرات الروسية في حملة تجسس إلكترونية واسعة

فرنسا تُعيد حساب علاقاتها بتركيا وسط تحوّلات الأمن الأوروبي

سلطات موناكو تحتجز ثم تفرج عن شخص في تحقيقها حول انفجار هذا الأسبوع
