وورلد برس عربي logo

فرنسا وتركيا تبنيان تحالف أمني جديد في أوروبا

تقترب فرنسا وتركيا من شراكة أمنية ودفاعية جديدة تعزز الاستقرار في أوروبا والشرق الأوسط تشمل تعاوناً في منظومات الدفاع الجوي وتطوير الطائرات المسيّرة وسط تحولات استراتيجية في علاقاتهما الإقليمية والدولية وورلد برس عربي

الرئيسان إردوغان وماكرون يتصافحان بحفاوة خلال قمة الناتو في لاهاي 2025، في سياق تعزيز التعاون الدفاعي الفرنسي-التركي.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) يصافح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال لقائهما على هامش قمة الناتو في لاهاي بتاريخ 25 يونيو 2025 (كريستيان هارتمان/وكالة فرانس برس)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في أكتوبر الماضي، حين صطفّ الزعماء الأوروبيون والإقليميون خلف الرئيس الأمريكي Donald Trump في مؤتمر صحفي بالقاهرة خُصّص للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، غاب وجهان لافتان عن المشهد.

بدلاً من أن يقف وراء Trump كديكورٍ في واجهة عرض، اقترح الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron على نظيره التركي Recep Tayyip Erdogan أن يجلسا معاً في مقاعد الجمهور. Erdogan، البالغ من العمر 72 عاماً، أعجبه الاقتراح.

كانت الصورة معبّرةً أكثر من أيّ تصريح: زعيمان طالما جمعتهما علاقةٌ متوتّرة، يجلسان الآن جنباً إلى جنب في ظلّ Trump لحظةٌ تشبه ما يُعرف بـ«الكبار في الغرفة».

يقول مطّلعون على الملف إنّه بعد مرحلةٍ طويلة من الخلافات حول سوريا وأرمينيا وشرق المتوسط، قد تكون فرنسا على أعتاب صفحةٍ جديدة مع تركيا.

يقول مصدرٌ غربي مطّلع: «فرنسا تتصوّر مستقبل الأمن الأوروبي وتركيا أحد ركائزه الأساسية».

ويُضيف المصدر أنّ الشراكة التركية-الفرنسية ستكون محوريّةً في السنوات القادمة، إلى جانب «تحالف الراغبين» المبادرة الأوروبية بقيادة فرنسية لتقديم ضماناتٍ أمنية للقارة، والأولى من نوعها خارج إطار NATO منذ الحرب العالمية الثانية.

وهذا كلّه لا يجري في فراغ.

فبالنسبة لفرنسا، وفق مصادر مطّلعة، شكّل التبرّد التدريجي في العلاقات التركية-الروسية إشارةً لا يُمكن تجاهلها. تراجع عدد اللقاءات بين Erdogan والرئيس الروسي Vladimir Putin تراجعاً ملحوظاً، ولم تشهد البلدان أيّ زيارةٍ رئاسية ثنائية منذ عام 2023. فضلاً عن ذلك، باتت السلطات التركية تلتزم بصورةٍ متزايدة بالعقوبات الغربية المفروضة على موسكو، ولم تُجدّد أنقرة عقودها الكبرى لشراء الغاز الروسي.

التموضع بين روسيا وإسرائيل

يرى السفير الفرنسي السابق Gerard Araud أنّ كثيرين في فرنسا أُعجبوا بالطريقة التي أدارت بها تركيا موقفها من الحرب في أوكرانيا منذ اليوم الأوّل: لم تُعادِ أحداً بشكلٍ صريح، وفي الوقت ذاته وقفت فعلياً إلى جانب كييف.

قال Araud إنّ تركيا أعادت تموضعها كقوّةٍ كبرى خلال العقدين الماضيين، والسؤال الآن هو: ما الدور الذي ستؤدّيه هذه القوّة المتجدّدة في منظومة الأمن الإقليمي؟

«أعتقد أنّ ثمّة شعوراً قوياً في باريس بأنّ الأمريكيين يتركوننا جميعاً، وأنّه أيّاً كان الفائز في انتخابات 2028، لن نعود إلى العلاقة المعتادة مع واشنطن»، قال Araud. «سنواجه ضغطاً روسياً، وفي هذه المعادلة، تركيا عاملٌ لا يمكن تجاهله».

وأشار Araud إلى تقاطعٍ واسع في المصالح بين البلدين: في سوريا، دعمت كلٌّ من فرنسا وتركيا الرئيس Ahmed al-Sharaa. في لبنان، يريد الطرفان دولةً مركزيةً قويّة ويرفضان الإجراءات الإسرائيلية. وعلى الملف الإيراني، يؤيّد الجانبان الحلّ السلمي.

«إسرائيل لا تريد فرنسا في لبنان وفي المنطقة»، قال مصدرٌ آخر مطّلع على التفكير الفرنسي، مضيفاً أنّ التصعيد الإسرائيلي تجاه تركيا يُغذّي في الوقت ذاته سلسلةً من الأزمات مع باريس حول الملف اللبناني.

التعاون الدفاعي الفرنسي-التركي

تتجاوز الصورة الملفاتِ الإقليمية لتصل إلى أرضٍ أكثر صلابةً: التعاون الدفاعي.

أعلن وزير الدفاع التركي Yasar Guler الأسبوع الماضي أنّ أنقرة مهتمّةٌ جدياً بشراء منظومة الدفاع الجوي SAMP/T، المنتَجة بشراكةٍ فرنسية-إيطالية. وكانت باريس قد عرقلت هذه الصفقة في السنوات الأخيرة بسبب التوتّرات السياسية مع أنقرة، إضافةً إلى اشتراطات تركية تتعلّق بالإنتاج المشترك.

كشفت Intelligence Online في مايو أنّ Macron أصدر تعليماتٍ بمراجعة ملف SAMP/T لإيجاد صيغةٍ تستوعب المطالب التركية بالإنتاج المشترك، وذلك قبيل زيارته لأنقرة في قمّة NATO المرتقبة الأسبوع القادم.

وفي هذا السياق، زارت Alice Rufo، المندوبة الوزارية لوزير القوّات المسلّحة الفرنسية والدبلوماسية المحنّكة التي كانت حتى وقتٍ قريب ضمن الدائرة المقرّبة من Macron، أنقرةَ وأجرت محادثاتٍ مع كبار مسؤولي وزارة الدفاع التركية ممّا يرفع احتمالات التوصّل إلى صفقةٍ خلال القمّة.

وفي الكواليس، بدأت الشركات بالفعل في بناء جسور التعاون. فقد وقّعت Safran، إحدى كبرى شركات الدفاع الفرنسية، شراكةً استراتيجية مع Baykar، الشركة التركية الرائدة في صناعة الطائرات المسيّرة، بهدف «التطوير المشترك لحلولٍ متكاملة تجمع بين أجهزة الاستشعار البصرية والإلكترونية وأنظمة الملاحة وقدرات الأسلحة الموجَّهة لمهمّات المسيّرات والضربات الجوّية-الأرضية». وبموجب هذه الاتفاقية، ستُجهَّز طائرات TB2 التابعة لـBaykar بنظام Euroflir البصري-الإلكتروني من إنتاج Safran.

وأشار مصدرٌ ثانٍ مطّلع على التفكير الحكومي الفرنسي إلى أنّ باريس تدرس توسيع الحوار ليشمل شراكاتٍ في مجال المسيّرات والمروحيّات.

لقد باتت الشركات التركية قوّةً صناعيةً لا يُستهان بها؛ إذ بلغت صادرات أنقرة الدفاعية 10 مليارات دولار العام الماضي، وتبيع اليوم سفناً حربية ومسيّراتٍ وذخائر لدولٍ حول العالم، بما فيها حلفاء في NATO.

يرى Araud أنّ أوروبا تعاني أزمةً حقيقية في صناعتها الدفاعية، مستشهداً بانهيار برنامج «نظام القتال الجوّي المستقبلي» (Future Combat Air System) البالغة قيمته 114 مليار دولار في وقتٍ سابق من هذا الشهر، بسبب خلافاتٍ بين الشركات الفرنسية والألمانية.

«الأتراك أثبتوا كفاءةً حقيقية في هذا المجال»، قال Araud. «ما يصنعه الأتراك، أوّلاً أرخص، وثانياً أكثر متانة».

وأضاف أنّه رغم أنّ بعض الأسلحة التركية ليست بالغة التطوّر التقني، فإنّ الحرب في أوكرانيا أثبتت أنّ هذا قد يكون ميزةً لا عيباً. «حرب الغد تعني القدرة على تصنيع كمّياتٍ ضخمة ضخمة جداً من الأسلحة الرخيصة»، قال.

الخلافات الهيكلية

تحمل Dorothee Schmid، رئيسة قسم تركيا والشرق الأوسط في مركز الأبحاث الفرنسي IFRI، نظرةً أكثر تحفّظاً إزاء مسار العلاقة الثنائية.

«فرنسا ترى أنّ تركيا سلكت مساراً استبدادياً وتنتهج سياسةً قائمة على القوّة تمحورت حول مصالحها الخاصة، وهي مصالح لا تتوافق مع المصالح الأوروبية»، قالت Schmid.

ثمّة تحدّياتٌ متجذّرة لا يمكن تجاهلها. فـMacron تجنّب زيارة أنقرة رغم الدعوات المتكرّرة من Erdogan منذ عام 2022. وأشار مصدرٌ ثالث مطّلع على التفكير الفرنسي إلى أنّ زيارةً رسمية من Macron قد تصبح ممكنةً إذا قرّرت أنقرة فتح حدودها مع أرمينيا، لا سيّما أنّ فرنسا تضمّ جاليةً أرمنيةً كبيرة، وأيّ انفراجٍ في العلاقات بين أنقرة وييريفان قد يدفع باريس نحو هذه الخطوة.

يُضاف إلى ذلك أنّ المسؤولين الفرنسيين يُشيرون باستمرار إلى قرار أنقرة بمنع المواطنين الأتراك من الالتحاق بالمدارس التي تديرها السفارة الفرنسية في تركيا، معتبرين إيّاه عاملاً يُسمّم العلاقة. في المقابل، يؤكّد المسؤولون الأتراك أنّهم بحاجةٍ إلى مبدأ التبادلية واتفاقٍ قابلٍ للمرور عبر البرلمان لتحديد الأطر. وقد بدا الملف كأنّه غارقٌ في متاهات بيروقراطية، في حين تتراجع هذه المدارس ببطءٍ بسبب شحّ الطلاب.

«باختصار، الطرفان يواصلان التفاوض، لكن في مناخٍ يفتقر إلى الثقة»، قالت Schmid. «قمّة NATO في أنقرة تُتيح لتركيا فرصةً لاستعراض نفوذها، وهو ما لا يكفّ عن مفاجأة الفرنسيين: البلدان دخلا في نوعٍ من التنافس الرمزي الممنهج».

شرق المتوسط: البحر الذي لا يهدأ

يبقى ملفّ شرق المتوسط حاضراً بثقله.

فرنسا واليونان تجمعهما معاهدةٌ دفاعية. وخلال زيارته لأثينا في وقتٍ سابق من هذا العام، أكّد Macron هذا التحالف بمشهدٍ علني في الأغورا الرومانية، في رسالةٍ واضحة مفادها أنّ فرنسا ملتزمةٌ بالدفاع عن السيادة اليونانية.

يرى Araud أنّ Macron يتناقض في الواقع مع مبدئه الدبلوماسي الشهير «en même temps» أي «في الوقت ذاته» الذي يقوم على المضيّ في مبادراتٍ قد تبدو متعارضة، لكنّها مصمَّمة للحفاظ على علاقاتٍ مع أطرافٍ متعدّدة.

«كبار المسؤولين الفرنسيين يتّفقون معي على أنّ باريس يجب أن تُحسّن علاقتها مع تركيا، وأنّ Macron ذهب بعيداً في انحيازه لليونان. وهو نفسه يدرك ذلك ويريد إصلاح العلاقة مع أنقرة»، قال Araud. «لكنّني قلت: أفهم ذلك، غير أنّني لست متأكّداً أنّ هذا هو الطريق الصحيح. Macron يمتلك تحليلاً دقيقاً للسياسة الخارجية، لكنّه حين يُنفّذ، يجد نفسه أحياناً يصل إلى النتيجة المعاكسة تماماً».

في المقابل، يؤكّد المسؤولون الأتراك أنّ تركيا لن تهاجم اليونان قطّ، وأنّ خطاب Macron عن الدفاع عن أثينا ليس سوى ذريعةٍ تُتيح لباريس بيع المزيد من الأسلحة لليونان. «الأمر لا يساوي شيئاً في الحقيقة»، قال مسؤولٌ تركي.

ما بعد Macron

ثمّة تحدٍّ أخير لا يمكن تجاهله: Macron مقرَّرٌ له مغادرة السلطة في أبريل من العام القادم، وخلفاؤه المحتملون قد يسلكون مساراً مختلفاً تماماً لا سيّما زعيمة اليمين الفرنسي Marine Le Pen أو نجمها الصاعد Jordan Bardella.

غير أنّ مصادر عدّة أشارت إلى أنّ تركيا باتت تُجري اتصالاتٍ مع Le Pen منذ فترةٍ ليست بالقصيرة.

أخبار ذات صلة

Loading...
فلافيو بولسونارو يتحدث بحماس في مؤتمر، في سياق النزاع السياسي حول الرسوم الجمركية الأمريكية على البضائع البرازيلية.

الرئيس لولا وفلافيو بولسونارو يتبادلان الاتهامات حول الرسوم الجمركية الأمريكية

تصاعدت حدة المواجهة السياسية في البرازيل حول الرسوم الجمركية الأمريكية التي أثرت على الانتخابات. اكتشف كيف يستغل لولا وبولسونارو هذا الملف لتحقيق مكاسب انتخابية، تابع التفاصيل الآن!
سياسة
Loading...
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يلتقي رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في بيروت لمناقشة العلاقات اللبنانية السورية وحزب الله.

الزيارة السورية إلى لبنان: خطوةٌ حذرة نحو حوارٍ مع حزب الله

زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت تكشف تحولات دبلوماسية مهمة بين دمشق وبيروت وسط ضغوط أمريكية على حزب الله. اكتشف تفاصيل اللقاءات والرسائل السياسية في قلب الأزمة اللبنانية السورية. اقرأ المزيد الآن!
سياسة
Loading...
رئيس تركيا رجب طيب أردوغان خلال مؤتمر صحفي يعكس التوترات حول حرية التعبير والقضايا القانونية في البلاد.

الممثل الكوميدي التركي يُحتجز في انتظار محاكمته بتهمة إهانة أردوغان

في تركيا، يواجه الكوميدي دينيز غوكتاش احتجازاً بتهمة إهانة الرئيس والقيم الدينية بعد عرضه الساخر الذي انتشر على يوتيوب. اكتشف تفاصيل القضية وتداعياتها من خلال موقعنا. اقرأ المزيد الآن!
سياسة
Loading...
الكوميدي التركي Deniz Goktas يؤدي عرضًا ساخرًا على المسرح في إسطنبول، وسط جدل حول حرية التعبير وانتقاده للرئيس أردوغان.

الكوميدي التركي المعتقل بتهمة "الإساءة" إلى أردوغان والدين يثير غضبا واسعا

اعتقال الكوميدي التركي Deniz Goktas بعد عرضه الذي انتقد الرئيس أردوغان والدين. اكتشف تفاصيل القضية وتأثيرها على المشهد السياسي في تركيا الآن.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية