كندا تواجه أمريكا بحرب الرسوم والضغط الاقتصادي
كندا ترد برسوم جمركية على بضائع أمريكية بقيمة 20 مليار دولار في مواجهة تجارية حادة مع الولايات المتحدة وتعزيز لموقفها السياسي والاقتصادي وسط تهديدات ترامب وتصعيد التوترات بين البلدين في وورلد برس عربي.





دخلت كندا مرحلةً جديدة من المواجهة التجارية مع الولايات المتحدة، حين بدأ سريان حزمة رسوم جمركية على بضائع أمريكية بقيمة 20 مليار دولار، اعتباراً من الساعة 12:01 فجر الثلاثاء، بموجب مرسوم تنفيذي صادر عن مجلس الوزراء الكندي. الخطوة ليست مجرّد إجراءٍ انتقامي، بل هي إعلانٌ سياسي بامتياز: أوتاوا تقول إنّها لن تقبل بالضغوط الأمريكية دون ثمن.
الرسوم الكندية الجديدة تعكس نظيراتها الأمريكية دولاراً بدولار ومعدّلاً بمعدّل، وتتراوح بين 15% و25% و50% على طيفٍ واسع من السلع، يشمل الصلب والألومنيوم والجبن والأجهزة المنزلية والملابس ومستحضرات التجميل ومعدّات الزراعة. وتمثّل هذه السلع نحو 6% من إجمالي الصادرات الأمريكية إلى كندا، التي بلغت 333.6 مليار دولار في عام 2023.
حرب الأرقام: من يتحمّل أكثر؟
يبدو التوازن في الأرقام خادعاً حين يُقاس بالأحجام الاقتصادية. الاقتصاد الأمريكي أكبر من الكندي بنحو 13 ضعفاً، وكندا تُصدّر ما يزيد على 70% من بضائعها إلى الولايات المتحدة، ما يجعلها الطرف الأكثر هشاشةً في هذا النزاع. غير أنّ الاعتماد ليس في اتجاهٍ واحد: مصافي التكرير الأمريكية تستهلك 4 ملايين برميل يومياً من النفط الكندي، والمزارعون الأمريكيون يعتمدون اعتماداً كبيراً على البوتاس الكندي كسماد زراعي وهو ما يمنح أوتاوا ورقةَ ضغطٍ حقيقية لم تستخدمها بعد.
في المقابل، اتّخذت ثماني مقاطعات كندية من أصل عشر إجراءاتٍ تقييدية أو حظراً صريحاً على مبيعات الكحول الأمريكي، وهو ما أسهم في تراجع صادرات المشروبات الروحية الأمريكية إلى كندا بأكثر من 70% مقارنةً بالعام السابق. هذه الأداة، التي تبدو رمزيةً في ظاهرها، تحمل دلالةً سياسية واضحة: المقاطعات الكندية تنسّق مع الحكومة الفيدرالية في مواجهة مشتركة.
تهديدات ترامب: من Bombardier إلى إعادة تسمية البحيرات
لم يكتفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرسوم الجمركية، بل لجأ إلى أسلوبٍ مألوف في خطابه: التهديد المباشر والاستفزاز الرمزي. على منصّة Truth Social، كتب ترامب: "NO MORE SELLING BOMBARDIER IN THE UNITED STATES! Their products aren't good enough! If they want our Market, they must build here, and stop treating America like a 'piggybank'."
التهديد يطال شركة Bombardier الكندية لصناعة الطائرات، في حين أنّ الشركة ذاتها توظّف نحو 3,000 عامل أمريكي، وتستخدم محرّكاتٍ نفّاثة أمريكية الصنع من إنتاج GE وHoneywell. وهو تناقضٌ لم يفته المراقبون. وذهب ترامب أبعد من ذلك حين أصدر أمراً بإعادة تسمية بحيرة أونتاريو إلى "Lake America" على الخرائط الأمريكية، وهو إجراءٌ قوبل في كندا بمزيجٍ من السخرية والتجاهل. يقول دانيال بيلاند، عالم السياسة في جامعة McGill: "بعد إعادة تسمية خليجٍ وبحيرة، ربّما تكون الخطوة التالية له إعادة تسمية نهر؟"
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ؛ إذ هدّد ترامب بفرض رسوم بنسبة 50% على السيارات الكندية وقطع الغيار والصلب، قائلاً: "نريد أن تُصنَع السيارات في ديترويت وفي ساوث كارولاينا وفي تينيسي وفي كلّ أماكننا التي نصنع فيها السيارات. لا نريدها أن تُصنَع في كندا."
كارني في مواجهة ترامب: مقاومةٌ بلغة الاقتصاد
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي سبق له أن حذّر في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في يناير 2024 من مخاطر الإكراه الاقتصادي، يجد نفسه اليوم في قلب المواجهة التي توقّعها. يرى كارني أنّ المطالب الأمريكية تهدّد بإفراغ صناعاتٍ كندية أساسية من محتواها، وتُقيّد استقلالية البلاد في صنع قراراتها. وقد ردّ ترامب على مواقفه بنبرةٍ استعلائية صريحة: "كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة"، مضيفاً في إشارةٍ مباشرة إليه: "مارك، تذكّر ذلك في المرّة القادمة حين تُدلي بتصريحاتك."
يصف المؤرّخ الكندي روبرت بوثويل هذه الديناميكية بدقّة: "كارني وكندا أصبحا رمزاً للمقاومة في مواجهته." وهو توصيفٌ يعكس كيف تحوّلت هذه الأزمة التجارية إلى مسألة هويةٍ وطنية في الوجدان الكندي.
وزيرة الصناعة الكندية ميلاني جولي أكثر حسماً في تعبيرها: "أنا مقتنعة بأنّنا سنتمكّن من إثبات للعالم أنّ كندا ستنتصر في هذه الحرب التجارية."
ما الذي تغيّر فعلاً؟
انهارت محادثات التجارة بين البلدين في 21 أغسطس 2023، وفُرضت الرسوم الكندية في اليوم التالي مباشرةً. قبل تدهور العلاقات، كان نحو 400,000 شخص يعبرون الحدود بين البلدين يومياً، وهو رقمٌ يُجسّد عمق الترابط الذي بات مهدَّداً.
لكنّ الأعمق من الأرقام هو التحوّل في المزاج العام. يرى نيلسون وايزمان، الأستاذ الفخري في جامعة Toronto، أنّ "إعادة انتخاب ترامب عام 2024 عمّقت انعدام ثقة الكنديين في الولايات المتحدة ليس في حكومتها فحسب، بل في حكمة الأمريكيين أنفسهم." ويذهب أبعد من ذلك حين يقول: "العلاقات الكندية-الأمريكية، حتى بدون مواجهة، لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه قبل ترامب."
في المقابل، تُظهر الأرقام الاقتصادية أنّ كندا دخلت هذه المواجهة من موقعٍ ليس ضعيفاً بالكامل: نمت اقتصادها بمعدّل سنوي 3.2% في الربع الثاني من 2023، مقارنةً بـ1.5% للاقتصاد الأمريكي في الفترة ذاتها.
السؤال المفتوح الآن ليس ما إذا كانت كندا قادرةً على الصمود اقتصادياً فهي تملك من الأوراق ما يكفي لإطالة أمد النزاع بل ما إذا كانت واشنطن مستعدّة لتحمّل تكاليف حربٍ تجارية مع شريكها الأوثق، في وقتٍ يترقّب فيه العالم كيف ستُعيد إدارة ترامب رسم خريطة العلاقات الاقتصادية الدولية. وكارني، الذي يستعدّ للخطاب أمام البرلمان الأوروبي، يبدو مصمّماً على أن تكون كندا في قلب تلك الإجابة.
أخبار ذات صلة

غاري فاينرتشوك يراهن على "VeeFriends": "قد تكون أكبر إمبراطورية أبنيها"

صناع المحتوى في Mipcom يواجهون تحوّلاً هيكلياً: «الصناعة تتحرّك تحتنا»

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية
