وورلد برس عربي logo

المخا ملاذ المقاتلين وأمان العائلات في زمن الحرب

في المخا اليمنية تحوّلت لهجة الشوارع من صيادين إلى مقاتلين هاربين من الحوثيين وسط هجمات متكررة على الميناء. قصص المقاتلين وعائلاتهم تكشف تحديات البحث عن الأمان في ظل الحرب. تابع التفاصيل على وورلد برس عربي.

ميناء المخا اليمني يظهر فيه رصيف متضرر وسفينة غارقة جزئياً في البحر الأحمر بعد هجمات الحوثيين المتكررة.
جسر الملاحة لسفينة غارقة في المخا بعد يوم من هجوم الحوثيين على المدينة التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في 10 أغسطس 2026 (خالد زياد/وكالة فرانس برس)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في مدينة المخا الساحلية اليمنية، لم تعد اللهجة السائدة في الشوارع والأسواق هي لهجة الصيادين الذين نشأوا على ضفاف البحر وعاشوا من خيراته، بل باتت لهجة المقاتلين الفارّين من المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

كانت المخا في ما مضى بلدةً صيدية صغيرة هادئة، قبل أن تتحوّل إلى مركزٍ نابض تتوفّر فيه معظم الخدمات الأساسية، وذلك إلى حدٍّ بعيد بفعل استقرار المقاتلين فيها برفقة عائلاتهم.

المخا مدينةٌ تجارية ذات تاريخ ممتدّ لقرون، تقع على الساحل الجنوبي الغربي لليمن على البحر الأحمر، ضمن محافظة تعز. وقد اشتُهر ميناؤها تاريخياً على المستوى العالمي بتصدير البنّ اليمني.

غير أنّ الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2014 بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دولياً أفضت إلى إغلاق الميناء عام 2015، ليُعاد افتتاحه عام 2021 بعد إعادة تأهيله على يد قيادة الحرس الجمهوري، وهو أحد فصائل النخبة العسكرية اليمنية السابقة بقيادة طارق صالح بدعمٍ إماراتي.

كان صالح قد قاتل في البداية إلى جانب الحوثيين، إلا أنّه بعد مقتل عمّه الرئيس السابق علي عبدالله صالح على أيديهم في ديسمبر 2017، فرّ من صنعاء وشرع في بناء قوّاته الخاصة في المخا.

ومنذ ذلك الحين، باتت المخا مقرّاً للحرس الجمهوري. وقد انضمّ إليه كثيرٌ من اليمنيين الفارّين من مناطق الحوثيين، مدفوعين برواتب مرتفعة تُصرف بالريال السعودي.

تحتلّ المخا موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية على البحر الأحمر، إذ تبعد نحو 60 كيلومتراً عن مضيق باب المندب. وقد جعلها ذلك هدفاً متكرّراً للهجمات الحوثية خلال الأسبوعين الماضيين؛ ففي الأسبوع الأخير وحده، تعرّض ميناء المخا لأكثر من 25 هجوماً. وبينما أكّد الحوثيون أنّهم يستهدفون تعزيزاتٍ وأوضاعاً عسكرية، أفاد مسؤولون حكوميون بأنّ غارات يوم الجمعة أسفرت عن مقتل 16 مدنياً وإصابة 22 آخرين.

العائلات يجب أن تكون في أمان

إبراهيم سالم، الأربعيني القادم من محافظة ذمار الواقعة على بعد نحو 300 كيلومتر شمال المخا، انضمّ إلى الحرس الجمهوري قبل سبعة أشهر فحسب، بعد أن نجح في الفرار من المناطق الخاضعة للحوثيين، حيث كان يقاتل سابقاً في صفوفهم.

قال سالم وهو يقف مع أطفاله الثلاثة أمام دكّانٍ في إحدى قرى منطقة المعافر بمحافظة تعز، على بعد نحو 100 كيلومتر شرق المخا: «الحوثيون لا يفرّقون بين الأهداف العسكرية والمدنيين، لذا من الأفضل ألّا نُبقي عائلاتنا في المخا. لهذا السبب اخترت استئجار منزلٍ لعائلتي في هذه القرية الآمنة».

وأثنى سالم على حفاوة استقبال أهل القرية، مشيراً إلى أنّ كثيراً من المقاتلين فعلوا الشيء ذاته ونقلوا عائلاتهم إلى المناطق الريفية في محافظتي تعز ولحج شرقاً.

وأضاف: «من الأفضل دائماً إبقاء العائلات بعيداً عن خطوط المواجهة والمناطق المستهدفة. في البداية أحضرتهم إلى المخا لأنّها كانت هادئة ولم تكن هناك معارك ضارية فيها أو في المناطق المحيطة».

وكانت اليمن قد دخلت في حالةٍ شبيهة بالهدنة منذ وقف إطلاق النار الذي توسّطت فيه الأمم المتحدة في أبريل 2022، غير أنّ الحوثيين استأنفوا في وقتٍ سابق من هذا الشهر هجماتهم على القوات اليمنية والبنية التحتية الحيوية في محافظات حضرموت ومأرب وتعز والضالع والحديدة.

وأقرّ سالم بأنّ المخا باتت وجهةً معروفة للمقاتلين الفارّين من مناطق الحوثيين، قائلاً: «حين أمشي في شوارع المخا، أشعر أحياناً أنّني لا أزال في ذمار، لكثرة ما أصادف من وجوهٍ مألوفة. هذا يجعلني أنسى كم أنا بعيدٌ عن بيتي — لكنّ العائلات تحتاج إلى البقاء في أمان، وهذا يعني البقاء بعيداً عن المخا».

هذه المرّة الثانية التي تُهجَّر فيها عائلة سالم: أوّلاً من ذمار إلى المخا، ثمّ من المخا إلى إحدى القرى. وعلى الرغم من افتقار القرية إلى الخدمات الحديثة المتوفّرة في المخا، قال سالم إنّ عائلته ذات الأصول الريفية تتأقلم بسهولة مع الحياة القروية.

أمّا رامز، البالغ من العمر 38 عاماً والمنضمّ إلى الحرس الجمهوري منذ عامين، فقد قال أنّه استأجر منزلاً لعائلته في قريةٍ بعيدة عن المخا منذ اليوم الأوّل، مشيراً إلى أنّ سمعة المخا بوصفها تجمّعاً للمقاتلين جعلته يشعر بأنّ الحوثيين قد يستهدفونها في أيّ لحظة.

وقال: «القرى والمدن البعيدة عن المخا آمنةٌ للعائلات، لكنّنا نفضّل القرى لأنّ الإيجار فيها أرخص من المدن».

وأضاف: «في هذه الأيام، معظم من كانت عائلاتهم في المخا يتسابقون للعثور على منازل في القرى دفعةً واحدة، لأنّهم لم يتوقّعوا أن تبلغ الأمور هذا المستوى من الخطورة في وقتٍ سابق».

وخلال زيارات لبعض قرى محافظة تعز، لاحظنا أنّ عائلات المقاتلين باتت تقطن هناك بأعدادٍ ملحوظة، ممّا أسهم في رفع أسعار الإيجارات المحلية بصورة واضحة.

ورامز، الذي يمتلك خبرةً عسكرية تتجاوز 15 عاماً، يرى أنّ توفير السكن الآمن لعائلات المقاتلين ينبغي أن يُعدّ اعتباراً أمنياً جوهرياً قبل أن ينضمّ أيٌّ منهم إلى المعسكرات العسكرية، مؤكّداً أنّ إحضار العائلات إلى مناطق النزاع خطأٌ فادح.

وقال: «ليس في المخا وحدها، بل في أيّ مكانٍ تدور فيه حرب، يجب ألّا تبقى عائلات الجنود في المدينة أو المنطقة التي تنتشر فيها المعسكرات العسكرية؛ عليهم البقاء بعيداً في مناطق آمنة».

وأضاف: «أعتقد أنّ الغالبية لا يُبقون عائلاتهم في المخا؛ هم قلّةٌ فحسب».

«نفتقد الحياة التي كنّا نعيشها»

يزداد الوضع في المخا صعوبةً يوماً بعد يوم، وقد مُنع الصيادون المحليون من الإبحار جرّاء التصعيد المتواصل. ويرى كثيرٌ منهم أنّ اختيار المخا مقرّاً للحرس الجمهوري قد جرّدهم من مصدر رزقهم الوحيد.

قال أكرم، الصياد الأربعيني الذي فضّل الاكتفاء باسمه الأوّل: «منذ بداية هذه الحرب عام 2015، ونحن ننتقل من أزمةٍ إلى أخرى، والصيادون دائماً أكثر المتضرّرين».

وأضاف: «الحوثيون يعلمون أنّ المخا مليئةٌ بالمقاتلين، ولهذا يستهدفوننا كلّ يوم».

وتابع بمرارة: «الحقيقة أنّ هؤلاء المقاتلين أفسدوا مدينتنا، وهم السبب الرئيسي في فقداننا لأعمالنا».

وبنبرةٍ لا تخفي الإحباط، قال أكرم إنّ جميع سكّان المخا يعانون اليوم:

«قبل الحرب، كان معظم السكّان هنا يعملون صيادين ويعيشون حياةً هادئة. منذ أن وصل هؤلاء المقاتلون إلى المدينة واعدين إيّانا بحياةٍ أفضل، لم نرَ أيّ تحسّن؛ نحن فقط نفتقد الحياة التي كنّا نعيشها».

وأشار أكرم إلى أنّ بعض الصيادين تخلّوا عن مهنتهم للانضمام إلى الحرس الجمهوري، إذ يتقاضى المقاتلون رواتبهم بالريال السعودي بما يعادل أربعة أضعاف ما يكسبه الصياد في العادة.

وقال: «أنا لا أؤمن إلّا بالسلام والأعمال المدنية. ما نحتاجه هو السلام، لكنّ هناك من لا يفكّر إلّا في المال ولا يأبه بمستقبل منطقتنا ولا بالأجيال القادمة».

وأضاف: «كان البحر مصدر رزقنا الأوّل، لكنّه اليوم يبدو أشبه بساحة حرب».

ويأمل أكرم أن ينتهي هذا التصعيد قريباً ليعود السكّان إلى حياتهم الطبيعية في البحر: يُبحرون بحرّية لصيد أجود الأسماك وبيعها في الأسواق المحلية وتصديرها إلى الدول المجاورة.

أمّا زاهر، البالغ 46 عاماً والمقيم في المخا، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه الحقيقي، فيعمل سائقاً لمنظمة إنسانية دولية. وعلى الرغم من ارتياحه لما تشهده المخا من نموٍّ متواصلٍ يجذب منظمات الإغاثة والاستثمارات الجديدة، فإنّه يرى أنّ أمن المدينة يجب أن يأتي أوّلاً.

قال: «أيّ شخصٍ سيسعده أن يرى فرصاً جديدة تأتي إلى مدينته، لكنّ أكبر تحدٍّ يواجهنا اليوم هو أنّنا لا نشعر بالأمان».

وأضاف: «كلّ ما نحتاجه هو الأمن، وأتمنّى أن يتجنّب الحوثيون استهداف البنية التحتية المدنية لأنّنا نريد فقط أن نعيش».

ومع استمرار الهجمات الحوثية على المخا دون توقّف، توقّفت العمليات في الميناء البحري بصورة شبه كاملة، ممّا حرم أكثر من 1500 عاملٍ في الميناء من مصدر رزقهم.

أخبار ذات صلة

Loading...
الأخوان Andrew وTristan Tate، شخصيتان مثيرتان للجدل على منصات التواصل الاجتماعي، يرتديان نظارات ويجلسان معاً في حدث عام.

الأخوان تيت في المحكمة يطلبان الإفراج عنهما قبل جلسات التسليم

الأخوان Tate يواجهان اتهامات خطيرة بالاغتصاب والاتجار الجنسي وسط جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، ومحاموهما يطالبون بالكفالة. اكتشف تفاصيل القضية واستمر في القراءة لمعرفة الحقيقة.
سياسة
Loading...
مسؤول يعرض وثيقة قانونية خلال مؤتمر صحفي يتعلق بإطلاق سراح ضابط ICE المتهم بإطلاق النار في مينيابوليس وسط معركة قانونية بين ولايتي تكساس ومينيسوتا.

ضابط الهجرة المتهم بإطلاق النار في مينيابوليس يُفرج عنه في تكساس بعد رفض التسليم الفوري

أُفرج عن ضابط الهجرة الأمريكي المتهم بإطلاق النار وتقديم بلاغ كاذب خلال حملة ترحيل في مينيابوليس بعد معركة قانونية بين تكساس ومينيسوتا. تعرف على تفاصيل القضية وتأثيرها على قانون التسليم بين الولايات. تابع المزيد الآن.
سياسة
Loading...
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يقف أمام أعلام الولايات المتحدة في سياق نقاش حول مرسومه التنفيذي لتقييد التصويت بالبريد.

انتخابات أمريكية: دعاوى قضائية ضد قيود ترامب على التصويت البريدي

تتصاعد المعركة القانونية بين الديمقراطيين وإدارة ترامب حول تقييد التصويت بالبريد في انتخابات 2026، وسط تحذيرات من تهديد حق ملايين الأمريكيين في التصويت. اكتشف التفاصيل وكيف تؤثر على مستقبل الانتخابات.
سياسة
Loading...
دخان كثيف يتصاعد من حريق مستودع شركة Wildberries في تامبوف بعد هجوم طائرات مسيرة أوكرانية على منشآت لوجستية روسية.

الأوكرانيون يستهدفون مستودع Wildberries الروسي بضربة درونز جديدة

تتصاعد الهجمات الأوكرانية بطائرات مسيّرة على منشآت روسية استراتيجية، مستهدفة اقتصاد موسكو وبنية التحتية النفطية. اكتشف كيف تؤثر هذه الضربات على الصراع وادعم متابعة التطورات الحصرية.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية