وورلد برس عربي logo

رحلة الخمسين كيلومتراً عبر الحواجز الإسرائيلية

تستعرض الرحلة من رام الله إلى نابلس واقع الحواجز الإسرائيلية وتأثيرها على حياة الفلسطينيين. من الأعلام إلى الاعتداءات، يكشف المقال عن التوترات اليومية والمعاناة التي يواجهها السكان. اقرأ المزيد في وورلد برس عربي.

مشهد لقرية فلسطينية تظهر فيها قافلتان بيضاوتان متوقفتان بجانب منزل متضرر، مع شخصين يسيران في المنطقة. تعكس الصورة التوترات المستمرة في الضفة الغربية.
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

رحلة الخمسين كيلومتراً من رام الله شمالاً إلى نابلس في الضفة الغربية المحتلة كانت تستغرق ساعةً واحدة. أما اليوم، فالحواجز الإسرائيلية جعلت منها رحلةً قد تمتد لنصف يوم أو أكثر.

صباح الجمعة، على متن حافلة تضمّ طلاباً وعائلات شابة في طريقها لقضاء عطلة نهاية الأسبوع عند ذويها.

تنعطف الحافلة يساراً لتلتحق بالطريق رقم 60، الذي يمتد على طول الطريق القديم من الخليل جنوباً حتى جنين والناصرة شمالاً.

في العهد العثماني كان يُعرف بـ«طريق اللصوص»، إذ كان قطّاع الطرق يترصّدون المسافرين الغافلين. أما اليوم، فاللصوص هم المستوطنون الإسرائيليون.

لو أصبحت فلسطين دولةً مستقلة، لغدا الطريق رقم 60 ركيزةً أساسية من ركائز البنية التحتية الوطنية. لكنّه اليوم لا يكاد يمرّ مئة متر إلا وعلمٌ إسرائيلي يرفرف فوقه.

على متن الحافلة، دار نقاشٌ حول من زرع هذه الأعلام. أجمع الجميع على أنها لم تكن موجودة قبل عام.

وبجانب الأعلام، تتناثر ملصقاتٌ تصوّر حاخاماً يرتدي معطفاً أسود وقبعة هومبورغ (Homburg) سوداء تتدلّى من تحتها لحيةٌ كثيفة.

مات الحاخام مناحيم مندل شنيرسون (Menachem Mendel Schneerson) منذ ثلاثين عاماً، غير أنه لا يزال موجودا في أفعال كثير من المستوطنين. يؤمن أتباعه بأن أرض إسرائيل التاريخية بأكملها ملكٌ لليهود.

يلصق المستوطنون شعاره تاجٌ أزرق على خلفية صفراء فوق كلمة عبرية تعني «المسيح المنتظر»على قرى فلسطينية ومفترقات طرق. ويعتقد أتباع الحاخام أن ظهور المسيح المنتظر بات وشيكاً.

تتجمّع مجموعاتٌ من المستوطنين على جانبي الطريق، يحمل بعضهم رشاشات، وتلبس النساء فساتين طويلة منسوجة.

كثيرٌ من المستوطنين، ولا سيما أولئك المقيمون في البؤر النائية، ينظرون إلى الفلسطينيين بعين الكراهية والاحتقار.

تمرّ بقرية ترمس عيا التي تتعرّض لاعتداءاتٍ متكررة؛ مستوطنون هائجون، كثيرٌ منهم مسلّحون، يدمّرون المحاصيل ويحرقون السيارات والمنازل ويعطّلون الآلات الزراعية.

وتمرّ الحافلة قرب شيلو، مستوطنةٌ دينية تحمل اسم مدينة شيلو التوراتية القديمة.

ارتجفت أمٌّ شابة جالسة بالقرب مني على الحافلة وقالت: «هذه هي التي تقتل الجميع. رأس الأفعى.»

جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وفق ما قضت به محكمة العدل الدولية عام 2024.

كثيرٌ من مستوطني شيلو أمريكيون إسرائيليون، في حين يقيم كثيرٌ من الفلسطينيين الأمريكيين في ترمس عيا. ربما كانوا في الولايات المتحدة جيراناً وأصدقاء، لكن في الضفة الغربية يسعى مستوطنو شيلو إلى تهجير الفلسطينيين أو قتلهم والاستيلاء على أراضيهم.

نمرّ بالطريق المؤدي إلى بيتا، القرية التي تعرّضت لاعتداءاتٍ متكررة ودموية منذ إنشاء بؤرة استيطانية تُسمّى إيفياتار (Evyatar) ومعناها «الله عظيم» بدعمٍ من حركة ناحالا (Nachala) الاستيطانية المتطرفة التي تلقّت تمويلاً من منظمات في الولايات المتحدة.

كل جمعة يخرج شبابها في مسيرةٍ لحماية أرضهم، يرشقون الحجارة في الغالب ويشعلون الإطارات. لكنهم لا يشكّلون خطراً حقيقياً على المستوطنين أو الجنود الإسرائيليين المدجّجين بالسلاح.

في سبتمبر 2024، كان قد ارتقى ستة عشر شهيداً برصاص الاحتلال، فضلاً عن جرحى كثيرين. من بين الشهيدة عائشة نور أيجي (Aysenur Ezgi Eygi)، المواطنة الأمريكية التركية ذات الجنسية المزدوجة، التي استهدفها جنديٌّ إسرائيلي برصاصةٍ في رأسها.

الطريق المباشر إلى نابلس يفترض أن يمرّ عبر حوارة، مسرح مجزرة استيطانية مشهودة قبل ثلاث سنوات. لكن حوارة اليوم محاصرةٌ بأحد البوابات الحديدية المنتشرة في أرجاء الضفة الغربية، والتي تستخدمها سلطات الاحتلال الإسرائيلية لعزل المدن والقرى.

ينعطف سائق الحافلة يساراً صعوداً نحو التل. نحن الآن بالقرب من يتسهار (Yitzhar)، المستوطنة الأشدّ عنفاً المعروفة بشعارها «اطرد أو اقتل»، المكتوب على جدران المنازل وأسوار القرى الفلسطينية.

يتضمّن موقعٌ إلكتروني للمستوطنين صورةً لعلمٍ يحمل شعار الحاخام شنيرسون يرفرف فوق موقعٍ عسكري في يتسهار. وتحت العلم نصٌّ يقول إنه موجودٌ لتذكير «سكان القرى العربية بمصيرهم الحقيقي أن يكونوا عبيداً لأبناء إسرائيل».

قافلتان بيضاوتان

أشار الراكب المجاور إليّ نحو قافلتين بيضاوتين متوقّفتين على قمة تلّة.

«لم تكونا هنا الأسبوع الماضي. الأسبوع القادم سيُنصب هناك بيتٌ صغير. ثم بيتٌ آخر.

«سينزلون من التل. سيستولون على المواشي. سيأخذون الأرض. هم مسلّحون. إن قاومنا، سيقتلوننا. سيقتحمون بيوتنا.»

يتحدّث النبي إيليا في سفر الملوك عن «سحابةٍ صغيرة بحجم كفّ الرجل». هاتان القافلتان البيضاوتان في الأفق البعيد تُنذران بالنهاية الحتمية للبيوت الفلسطينية وسُبل عيشها.

هذه البؤر الصغيرة غير المسجّلة تتكاثر في أرجاء الضفة الغربية. وبحسب مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، زُرع منها 94 بؤرة العام الماضي وحده. تبدأ حفنةً من المتعصّبين المسلّحين في بيوتٍ متنقّلة، ثم تنمو بمرور الوقت وتحصل على اعترافٍ رسمي وتتحوّل إلى مستوطناتٍ دائمة.

يبني الإسرائيليون مستوطناتهم على قمم التلال. أما القرى الفلسطينية العريقة فتفضّل المنحدرات اللطيفة في السفوح السفلى، حيث تكون أقرب إلى الأراضي الزراعية وتستفيد من الينابيع والنسيم الطبيعي.

«المستوطنون يسيطرون على كل شيء»، يعلّق أحد ركاب الحافلة. «هم يحكمون الضفة الغربية الآن. الجيش يُنفّذ أوامرهم.

«كان الأمر أفضل حين كان الجيش يتولى الأمور. كانوا وحشيين، لكنهم كانوا يلتزمون بقواعد. كانوا أكثر قدرةً على التنبّؤ.»

اليوم يتمتّع المستوطنون بإفلاتٍ شبه تام من المساءلة القانونية، ويعتمدون على الدعم العسكري حين يقاومهم الفلسطينيون. ينزلون من تلالهم ويفعلون ما يشاؤون: يحرقون، وينهبون، ويسرقون، ويقتلون.

الفلسطينيون ضحايا برنامجٍ منظّم وشرس من التطهير العرقي.

وفق منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية B'Tselem، أجبرت إسرائيل 59 تجمّعاً فلسطينياً يسكنها أكثر من 4,000 شخص على النزوح منذ 7 أكتوبر 2023.

وكثيرون غيرهم يعيشون في خوفٍ يومي.

علاوةً على ذلك، تُفيد B'Tselem بأن الجيش الإسرائيلي هجّر أكثر من 32,000 شخص من منازلهم في مخيمات اللاجئين، مع تدميرٍ متعمّد لكثيرٍ من المنازل. وبحسب الأمم المتحدة، قُتل أكثر من 1,000 فلسطيني بينهم 200 طفل على يد إسرائيل خلال هذه الفترة.

زار تامير باردو (Tamir Pardo)، المدير السابق لجهاز الموساد، الضفة الغربية الشهر الماضي. وبعد زيارته قال: «كانت أمي ناجيةً من المحرقة، وما رأيته ذكّرني بالأحداث التي جرت ضد اليهود في القرن الماضي.»

وأضاف: «ما رأيته اليوم جعلني أشعر بالخجل من كوني يهودياً.»

وبينما أجّجت موجة الاعتداءات الاستيطانية الشرسة الجديدة جزئياً رغبةٌ في الانتقام إثر هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023، يبقى التفسير الجوهري في التحالف السياسي الذي أبرمه رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu مع الأحزاب الدينية اليمينية المتطرفة في أواخر عام 2022.

بعد إخفاقه في تأمين الأغلبية في الكنيست (Knesset)، دخل Netanyahu في ائتلافٍ مع حزب «القوة اليهودية» بقيادة Itamar Ben Gvir وحزب «الصهيونية الدينية» بقيادة Bezalel Smotrich.

وفي مقابل دعمهما، عيّن Netanyahu كلاً من Smotrich وزيراً للمالية ومنحه السيطرة على الضفة الغربية.

وهذا انتهاكٌ صريح للقانون الدولي. فإسرائيل تحتل الضفة الغربية منذ استيلائها عليها من الأردن في حرب عام 1967. ويقضي القانون الدولي بأن تُدار الأراضي المحتلة عبر آليةٍ عسكرية، إذ تقع على عاتق أي احتلالٍ عسكري مسؤولية الحكم لصالح الشعب المحتَل لا المحتِل.

ولتمكين Smotrich من السيطرة على الضفة الغربية، أنشأ Netanyahu هيئةً جديدة أسماها «إدارة المستوطنات» (Settlement Administration). وعلى الرغم من إدراجها إدارياً ضمن وزارة الدفاع، فإن Smotrich، بوصفه سياسياً مدنياً، هو من يُشرف عليها ويتحكّم بها.

وقد أفرز ذلك إطاراً قانونياً وأخلاقياً جديداً بالكامل.

كما تُشير منظمة Peace Now الإسرائيلية غير الحكومية في تقريرها، فإن إدارة المستوطنات «هيئةٌ ملتزمة قانونياً بخدمة مصالح دولة إسرائيل ومواطنيها». في حين كان الجيش مُلزَماً نظرياً بالعمل لصالح الفلسطينيين، فإن إدارة المستوطنات لا تخدم سوى المواطنين الإسرائيليين بل المستوطنين تحديداً.

وقد استثمر Smotrich، الذي يقيم بنفسه في مستوطنة وبنى مسيرته السياسية على الدفاع عن مصالح المستوطنين العنيفة، صلاحياته إلى أقصاها. فخلال ما يقارب ستين عاماً من احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية، أقامت إسرائيل نحو 150 مستوطنة. وفي وقتٍ سابق من هذا العام، أقرّت الحكومة الإسرائيلية إنشاء 34 مستوطنة جديدة، ليبلغ مجموع ما وافق عليه ائتلاف Netanyahu 103 مستوطنات. وفي الوقت ذاته، تجري الموافقة على عشرات البؤر الاستيطانية غير النظامية بما يُلحق دماراً فادحاً بالفلسطينيين.

المال والسلاح

يحتاج المستوطنون إلى أسلحةٍ ومنازل وآلاتٍ زراعية وطائرات مسيّرة وطرقٍ جديدة ومركباتٍ للطرق الوعرة وهم يطردون الفلسطينيين من أراضيهم. هذا البرنامج من التطهير العرقي لا يأتي بلا ثمن.

والأهمّ من ذلك أن Smotrich ليس مسؤولاً عن الضفة الغربية وحسب، بل بوصفه وزيراً للمالية أقرّ زيادةً ضخمة في التمويل لدعم حملة المستوطنين، في حين تتقلّص ميزانيات الحكومة الوطنية في ظل ائتلاف Netanyahu المُثقَل بالأعباء.

تقول Peace Now: «هذا سطوٌ موضح في وضح النهار على المال العام لصالح فئةٍ صغيرة من قاعدة الحكومة الانتخابية.»

حين تمت زيارة مكتب المدير التنفيذي لـ Peace Now ليور أميهاي (Lior Amihai) في تل أبيب، قال بأن Smotrich خصّص سبعة مليارات شيكل (2.4 مليار دولار) لخطةٍ خمسية لإنشاء طرق المستوطنات، كثيرٌ منها مبنيٌّ على أراضٍ فلسطينية.

أي 1.4 مليار شيكل سنوياً أو ما يعادل 30 بالمئة من الميزانية الوطنية للطرق. وهذا يعني أن ما يقارب ثلث ميزانية الطرق بين المدن في إسرائيل يُنفَق على 300,000 مستوطن لا يمثّلون سوى نحو ثلاثة بالمئة من إجمالي السكان الإسرائيليين.

والتجربة تُثبت أن بناء الطرق يُفضي إلى تضاعف أعداد المستوطنين بصورةٍ متسارعة، مع تهجير الفلسطينيين المحليين.

وبينما يُموّل Smotrich المشروع الاستيطاني، يُسلّحه شريكه في الائتلاف (ورفيقه الأيديولوجي) Ben Gvir. ففي يناير، أقرّ منح تراخيص حمل أسلحة شخصية في 18 مستوطنة غير قانونية «لتعزيز الدفاع عن النفس وزيادة الأمن الشخصي».

والمستوطنون، الذين يقيمون جميعهم بصورةٍ غير قانونية في الضفة الغربية، يتمتّعون بوصولٍ سهل إلى أسلحةٍ تتراوح بين بنادق الاقتحام M16 والمسدسات والطائرات المسيّرة.

ولا غرابة في أن تُسجّل الأمم المتحدة ما يقارب 2,000 اعتداءٍ استيطاني أي نحو خمسة اعتداءات يومياً خلال عام 2025.

على مدار السنوات الثلاث الماضية، تحوّلت الضفة الغربية إلى مكانٍ خارج عن القانون ومثيرٍ للرعب، حتى بات الإسرائيليون أنفسهم غير آمنين فيه.

وقال أميهاي،الذي تعرّض للاعتداء من قِبَل مستوطنين أثناء قيادته جولةً في وادي الأردن لناشطين إسرائيليين من اليسار. ومقاطع الفيديو الموثِّقة للحادثة تُظهر مستوطنين يضربونه قبل أن يدفعوه بعنفٍ نحو جانب مركبة، سائلين: «لماذا أحضرت عرباً إلى هنا؟»

مثل هذه الاعتداءات على الإسرائيليين باتت أمراً مألوفاً.

وأخبر الناشط الحقوقي أفيف تاتارسكي منظمة السلام عير عميم (Ir Amim) كيف تعرّض للاعتداء الشهر الماضي في قرية دير استيا، القرية الصغيرة الواقعة على بُعد 15 كيلومتراً جنوب نابلس، حين تدخّل لنجدة مزارعين كانوا يتعرّضون للاعتداء.

وأفاد تاتارسكي، المواطن الإسرائيلي كأميهاي، بأن معتدييه جاؤوا من مستوطنة عمانوئيل (Emmanuel) الحريدية ومعناها «الله معنا».

وقال: «اعتدوا عليّ وضربوني بخرطوم بلاستيكي وأصابوني في وجهي.»

وقلّل تاتارسكي من شأن الاعتداء، مؤكّداً أن الفلسطينيين يتعرّضون لما هو أشدّ منه يومياً. ومع ذلك، اضطرّ إلى أخذ إجازةٍ أسبوع كامل من العمل.

وأضاف: «نعرف أسماءهم. ومعروفٌ أين يسكنون. قدّمنا شكوى للشرطة، لكننا لم نتلقَّ أي ردّ حتى الآن.»

حتى وسائل الإعلام الأجنبية باتت هدفاً مشروعاً للمستوطنين، كما أثبت الاعتداء على فريقٍ تلفزيوني ألماني في يوليو الماضي، واحتجاز صحفيين من CNN في مارس.

أما الفلسطينيون فلا حيلة لهم في المقاومة.

يقول جمال جمعة، منسّق حملة «وقف الجدار»: «كل من يرمي حجراً يُقتَل برصاصة.»

تمتلك السلطة الفلسطينية 70,000 جندي، لكنهم لا يأتون أبداً لنجدة الفلسطينيين المهدَّدين. بدلاً من ذلك، يُنشَرون لمساعدة إسرائيل في قمع المقاومة الفلسطينية.

ويعترف ضابطٌ رفيع في السلطة الفلسطينية: «نحن متعاونون مع الاحتلال. نحن تحت أوامر إسرائيل. ومن ينكر ذلك فهو كاذب.»

مع اقتراب الحافلة من نابلس، خفّ التوتر أخيراً. هذه المدينة العريقة التي أسّسها الإمبراطور الروماني فيسباسيان (Vespasian) في القرن الأول الميلادي تتعرّض لاعتداءات المستوطنين والجيش الإسرائيلي، لكن ليس بالحجم المدمّر الذي تعانيه مدنٌ كبرى أخرى كطولكرم شرقاً أو جنين شمالاً.

وربما لن يدوم هذا الهدوء النسبي طويلاً.

رمزٌ للصمود

في فبراير، أعلن Smotrich إعادة هيكلة قانون تسجيل الأراضي في الضفة الغربية بما يُيسّر على الإسرائيليين المطالبة بالأراضي الفلسطينية.

وتباهى Smotrich قائلاً: «سنواصل إجهاض فكرة الدولة الفلسطينية.»

ومن المتوقّع أن يطال الأثر الأكبر لهذا القانون المناطق الريفية في الضفة الغربية، إذ يجعل إثبات ملكية الأرض أمراً بالغ الصعوبة. وتقع معظم المناطق الريفية ضمن المنطقة C، التي تمثّل 60 بالمئة من الضفة الغربية وظلّت تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة منذ اتفاقيات أوسلو التي أسّست السلطة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي.

أبدى فلسطينيون مخاوفهم من أن الآلية الجديدة التي تُلزم الفلسطينيين بإثبات حقوق ملكيةٍ تاريخية قديمة قد تُستخدَم لتدمير مدنٍ كنابلس.

ويستشهدون بمثال الخليل، حيث استولى المستوطنون على عقاراتٍ في قلب المدينة، وجرى نشر القوات العسكرية لحمايتهم، وأُفرغت مساحاتٌ واسعة من المدينة القديمة من سكّانها الفلسطينيين.

بيد أن روح المقاومة لا تزال حيّة. شهدتُ هذا الصمود الأبيّ حين غادرتُ نابلس لأستقلّ حافلةً إلى قرية برقة المجاورة لزيارة أصدقاء.

كمثيلاتها من القرى الفلسطينية، برقةُ مجتمعٌ عريق يبدو وكأنه امتزج بالأرض المحيطة به. في وسطها تقف مبانٍ أنيقة من الحقبة العثمانية، من بينها كنيسةٌ قديمة. والمنظر جنوباً نحو نابلس ساحرٌ بتلاله المتموّجة وأشجار زيتونه.

لكنّ تلّة فوق برقة باتت تعلوها اليوم مستوطنة حومش (Homesh) ذات التاريخ المعقّد. أُسّست عام 1978 على أراضٍ فلسطينية مسلوبة، وجرى إخلاؤها عام 2005 في إطار خطة الانسحاب التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق Ariel Sharon. لكن المستوطنين لم يغادروا كلياً قط؛ لم تُردَّ الأراضي المسلوبة إلى أصحابها الفلسطينيين، وحافظ المستوطنون على وجودهم ببناء يشيفا (Yeshiva) مدرسةٌ دينية في الموقع.

ولا يُخفي شموئيل ويندي (Shmuel Wendy)، مدير يشيفا حومش، طموحاته. ففي مقاطع فيديو متاحة على YouTube، قال مؤخراً لمؤيّديه: «تطالب أمة إسرائيل بالعودة للاحتلال والاستيلاء والعودة إلى أرضنا المقدّسة... إنه مجرد عودةٍ إلى مكانٍ يعود لنا.»

ويشمل طموحه تدمير اتفاقيات أوسلو وأي أملٍ في قيام دولةٍ فلسطينية.

ينزل مستوطنو حومش إلى برقة عدة مرات أسبوعياً لإرهاب الفلسطينيين؛ يسرقون السيارات والأغنام والمعدات الزراعية. وقبل يومين من زيارتي، كانوا قد اجتاحوا حقول الزيتون وأشعلوا النار فيها.

لكن أهالي القرية أخبروني أن المستوطنين يخشون دخول القرية نفسها.

«وضعنا لافتةً عند مدخل قريتنا: ابتعد لتكون بأمان. حين يدخلون القرية نُرسل رسالةً إلى جميع رجال برقة ليخرجوا»، قال أحدهم.

«يحمل الناس العصي. نهاجم. مرةً في الأسبوع يدخلون فنطردهم.»

صعدنا التلة عبر أشجار الزيتون باتجاه مستوطنة حومش. وجدنا مزارعاً مسنّاً يُنظّف أرضه تمهيداً لزراعة الفاصوليا.

أخبرنا أنه يعمل في أرضه لأن «اليوم سبتٌ، يوم الراحة اليهودي المقدّس، وفي الأيام الأخرى نخشى أن يأتي المستوطنون ويقتلوننا».

وقال مأمون، المعلم والأخصائي الاجتماعي المتقاعد:"برقة تقليدٌ راسخ في المقاومة".

«نحن متعلّمون. لدينا مدارس في برقة. نعرف ما يحدث إن خسرنا أرضنا. في دمائنا وفاءٌ لهذه الأرض.»

وأخبرنا مأمون، الذي قاتل في الانتفاضة الأولى، بفخرٍ واضح: «جاء شمعون بيريز (Shimon Peres) بسيارته إلى برقة. قال إنه لم يتعرّض للهجوم من أي قرية إلا برقة.»

بعد القهوة، ذهب مأمون إلى جدار الشهداء قرب مدخل القرية، حيث نُقشت أسماء من بذلوا أرواحهم في سبيل المقاومة. وتكاد لا تخلو قريةٌ فلسطينية من هذا التقليد في تخليد الشهداء.

«هذا الجدار بمثابة تحدٍّ»، قال مأمون. «نحن مستمرّون في مقاومتنا للاعتداءات الإسرائيلية.»

أكثر من 70 اسماً مسجّلٌ على الجدار، تعود أقدمها إلى الثورة العربية الكبرى ضد الانتداب البريطاني عام 1936. الشهداء الثمانية عشر الأوائل سقطوا وهم يقاتلون الإنجليز. عشرةٌ استشهدوا خلال النكبة. وآخرون في أحداث أيلول الأسود عام 1970، ثم في الانتفاضتين الأولى والثانية.

أحدث الشهداء هو نضال شقنوبي، الذي لم يبلغ السادسة عشرة من عمره. لا يزال مكانٌ على الجدار خالياً في انتظار نقش اسمه.

بجانب جدار الشهداء كان يقف تمثالٌ لـ«حنظلة»، الشخصية الكرتونية التي باتت رمزاً للصمود الفلسطيني. بيداه خلف ظهره ووجهه مُدار عن العالم، يرفض حنظلة أن ينظر إليه حتى تتحرّر فلسطين.

يتذكّر مأمون: «جاء الجنود وأزالوا حنظلة لأنهم يعلمون أن هذا الرمز يُبقي أهل قريتنا يقظين.»

ثم يشير إلى الأسفل. قدما حنظلة لا تزالان هناك. لم يستطع الجنود اقتلاعهما. ظلّتا راسختين، عنيدتين، لا تتزحزحان، مغروستين في تراب فلسطين.

أخبار ذات صلة

Loading...
طفلة لبنانية ترتدي سترة وردية، تستند إلى حائط، بجوار علم لبنان ومناشف معلقة، تعكس الظروف الإنسانية الصعبة في لبنان.

تمديد الولايات المتحدة حماية اللاجئين اللبنانيين حتى نوفمبر

في ظل الأزمات المتزايدة، جاء قرار تمديد وضع الحماية المؤقتة للمواطنين اللبنانيين في الولايات المتحدة ليعكس التحديات الاستثنائية التي يواجهونها. هل ترغب في معرفة المزيد عن تفاصيل هذا القرار وتأثيراته؟ تابع القراءة!
سياسة
Loading...
رجال الشرطة يضعون شريطًا أمنيًا في موقع الهجوم الإرهابي بمحطة قطار في مدينة فينترthur، حيث طعن رجل ثلاثة أشخاص.

رجل يطعن ثلاثة أشخاص في محطة قطار سويسرية في "عملية إرهابية" حسب السلطات

في حادثة مروعة هزت مدينة فينت السويسرية، طعن رجل ثلاثة أشخاص في عمل إرهابي مفاجئ. تعرف على تفاصيل الهجوم وأسباب تصرف المشتبه به، وكن على اطلاع دائم بالأحداث. تابعنا لمزيد من المعلومات.
سياسة
Loading...
تظهر الصورة عبد ربه منصور هادي، الرئيس اليمني السابق، وهو يتحدث أمام منصة الأمم المتحدة، مع خلفية خضراء.

الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي يتوفى عن عمر 80 سنة

توفي عبد ربه منصور هادي، الرئيس اليمني المعترف به دولياً، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد مسيرة مليئة بالتحديات. انضموا إلينا لاستكشاف تفاصيل حياته السياسية وتأثيرها على اليمن، ولا تفوتوا فرصة معرفة المزيد عن إرثه.
سياسة
Loading...
تصريح Jonathan Pollard حول احتمالية اندلاع صراعات جديدة بين إسرائيل ومصر وتركيا، مع التركيز على التوترات الإقليمية.

الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد يقترح أن مصر وتركيا هما الهدفان التاليان للحرب

في ظل التصريحات المثيرة للجدل للجاسوس الأمريكي-الإسرائيلي جوناثان بولارد، تتصاعد المخاوف من احتمالية تصعيد النزاع مع مصر وتركيا. هل ستشهد المنطقة عواصف جديدة؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في هذا المقال.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية