رحيل وليد الخالدي رمز التاريخ الفلسطيني
توفي المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي، الذي أسس التأريخ الفلسطيني الحديث. ترك إرثًا غنيًا من الأبحاث التي تحدت الروايات السائدة، مؤكدًا على أهمية الذاكرة والتراث الفلسطيني في فهم الصراع المستمر.

وليد الخالدي: سيرة حياة مؤرخ فلسطيني بارز
وُلد المؤرخ الفلسطيني البارز وليد الخالدي (1925-2026)، الذي أُعلن عن وفاته يوم الأربعاء 8 مارس/آذار، في إحدى أقدم العائلات الفلسطينية في القدس.
على مر القرون، أنجبت عائلة الخالدي عددًا لا يحصى من العلماء والفقهاء والقضاة المسلمين. ومثل العديد من عائلات الأعيان الأخرى في فترة ما بعد التحديث العثماني، اتجهت أعداد متزايدة من شباب الخالديين نحو التعليم الحديث.
تلقى أحمد سميح الخالدي (ت 1951)، والد وليد، تعليمه في إسطنبول والجامعة الأمريكية في بيروت. بعد الاحتلال البريطاني، أصبح أحمد سميح عميداً للكلية العربية في القدس، وهي المؤسسة الرئيسية لتدريب المعلمين في فلسطين الانتدابية، والتي تخرج منها العديد من أبرز المثقفين والعلماء الفلسطينيين.
تلقى وليد تعليمه المبكر في القدس. حصل على درجة البكالوريوس من جامعة لندن عام 1945، ودرجة الماجستير من جامعة أكسفورد عام 1951.
عمل محاضراً في معهد أكسفورد للدراسات الشرقية، لكنه استقال من منصبه احتجاجاً على الهجوم البريطاني على مصر عام 1956. وفي العقود التالية، درّس في جامعة برنستون وجامعة هارفارد والجامعة الأمريكية في بيروت.
دروس مبكرة في التاريخ الفلسطيني
يعتبر وليد الأب المؤسس للتأريخ الفلسطيني الحديث والحارس الأمين للذاكرة والتراث الفلسطيني.
كنت أخطو خطواتي الأولى نحو الحصول على الدكتوراه، بكثير من القلق وفقدان الاتجاه، عندما ذهبت لمقابلة الأستاذ ألبرت حوراني لطلب نصيحته.
فسألني عن عدد من المراجع في قائمة قراءاتي وطرح علي سؤالين محددين: الأول يتعلق بما أتصوره من أسباب تبني بريطانيا لمشروع إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين؛ والثاني يتعلق بالأسباب التي أدت إلى هجرة غالبية الفلسطينيين من مدنهم وبلداتهم عام 1948، وما تلا ذلك من نجاح الحركة الصهيونية في إقامة دولة ذات أغلبية يهودية كبيرة في فلسطين.
كانت إجاباتي على كلا السؤالين تشبه إجابات مؤرخ هاوٍ. في إجابتي على السؤال الأول، استشهدت بالقصة المعروفة على نطاق واسع عن تأثير وايزمان وغيره من القادة الصهاينة على السياسيين البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى.
وفيما يتعلق بالسؤال الثاني، أشرت إلى الشعور العميق بالشرف في المجتمع الفلسطيني المسلم، من جهة، والدور الذي لعبته الجيوش والأنظمة العربية من جهة أخرى.
لم يعلق الأستاذ حوراني كثيرًا على إجاباتي. إلا أنه نصحني بالبحث في الدوريات وقراءة مقالات المؤرخ الإسرائيلي مئير فيريت والمؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي.
وعلى الرغم من أن بحثي اتخذ فيما بعد مسارًا مختلفًا مبتعدًا عن دبلوماسية الحرب العالمية الأولى في الشرق العربي الإسلامي ومنتهيًا في الأربعينيات دون التطرق إلى نكبة 1948 وتداعياتها إلا أن الدرس كان عميقًا: التاريخ يصنعه المؤرخون؛ ولا توجد نسخة نهائية للتاريخ؛ والتاريخ نفسه عملية مستمرة.
شاهد ايضاً: تونس تعتقل سبعة نشطاء من أسطول غزة
نُشرت مقالات فيريت عن أصول الاهتمام البريطاني بفلسطين بعد وفاته في كتاب. ومع ذلك، فإن أعمال وليد، الذي لم يعلمني مباشرة ولم ألتق به شخصيًا، ستبقى معي على مر السنين.
لقد أصبح من المبتذل وصف القضية الفلسطينية بأنها أطول نضال تحرر وطني منذ ولادة الدولة الحديثة وظهور فكرة تقرير المصير.
كتابة التاريخ الفلسطيني: تحديات وروايات
وقد جعل هذا الأمر من تاريخ الصراع على فلسطين موضوعًا يحظى باهتمام كبير لدى مؤرخي العلاقات الدولية والتاريخ الحديث وتاريخ الشرق الأوسط، وكذلك لدى علماء السياسة في مختلف اللغات والتخصصات.
ومع ذلك، يحتل وليد مكانةً متميزة بينهم.
فقد وقف بمهارة وصبر وثبات ملحوظين وحيدًا في كثير من الأحيان في مواجهة الروايات السائدة عن فلسطين. من هم الفلسطينيون؟ ما الذي حلّ بفلسطين وشعبها؟
نشر وليد دراسته عن سقوط حيفا عام 1959. وبعد أربعة عقود، في عام 1999، عاد لدراسة مذبحة دير ياسين.
وما بينهما، في عام 1961، نشر مقالًا رئيسيًا عن الخطة داليت، وذلك قبل عدة سنوات من ظهور المجموعة التي عُرفت لاحقًا باسم المؤرخين الجدد.
ومع ذلك، لم تثر أعمال وليد، وهو الفلسطيني ابن عائلة مقدسية مرموقة، الضجيج نفسه الذي أثارته كتابات المؤرخين الجدد الإسرائيليين، إذ لم يكن من المفترض أن تكون هناك رواية فلسطينية للتاريخ.
وهذا، في الواقع، ما سعى وليد إلى فعله في أعماله الثلاثة هذه، وكذلك في أعمال أخرى ربما لا تقل أهمية: تقديم رواية فلسطينية لتاريخ ما حدث بالفعل، رواية مسلحة بأدوات المؤرخ وشكوكه المستمرة حول النموذج السائد.
شاهد ايضاً: السلفادور تحتجز بشكل تعسفي مواطنيها الذين تم ترحيلهم من الولايات المتحدة، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش
كتب تي إس إليوت في الرباعيات الأربع: "الطريق إلى الأمام هو طريق العودة". وفي خضم انشغال العالم بهذه القضية التي طال أمدها، لم يعد من السهل، أو الممكن، أو حتى المعقول، البحث عن مخرج دون العودة إلى الوراء.
لقد أصبح من الممكن اليوم مناقشة العنف المنهجي والتطهير العرقي المخطط له وواسع النطاق الذي مارسته الجماعات الصهيونية المسلحة، والذي رافق ومهد لظهور دولة إسرائيل. قبل عقود، لم تكن مثل هذه المناقشات محظورة ببساطة، بل كانت غائبة عن التاريخ المعترف به تمامًا.
استعادة الذاكرة الفلسطينية
فالتاريخ يصنعه المؤرخون، وقد أصبح وليد أحد الصانعين الرئيسيين لتاريخ تلك اللحظة التحويلية في فلسطين والعالم العربي: العام 1948.
لم يتوقف وليد عند النكبة وميلاد دولة إسرائيل. ففي دراسته عن شركة الأراضي اليهودية العثمانية، تتبع تاريخ أحد أوائل المشاريع الاستيطانية الاستعمارية اليهودية في فلسطين.
وفي عملين رئيسيين آخرين_، "قبل شتاتهم: تاريخ فوتوغرافي للفلسطينيين، 1876-1948_ (1987) و لئلا ننسى: القرى الفلسطينية التي دمرتها إسرائيل في عام 1948 وأسماء شهدائها (1997)_، وكلاهما من منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية، سعى إلى إعادة وجود الشعب الفلسطيني والمكان الفلسطيني إلى التاريخ.
وفي هذين العملين، تتجلى حرفة المؤرخ بوضوح: سرد متماسك ودقيق وقائم على الأدلة.
والأهم من ذلك، بالنسبة لأولئك الذين يدرسون فلسطين ولأولئك الذين ينتمون إليها، فإن مثل هذا العمل يسمح لنا، على حد تعبير WH Auden، "أن نشارك خبزنا مع أولئك الذين رحلوا".
قبل ثلاثة أرباع قرن من إعلان دولة إسرائيل، وقبل أكثر من 20 عامًا من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول، كان هناك شعب في هذه الأرض شعب من الفلاحين والنبلاء، وسكان الريف والمدن، والرجال والنساء والأطفال، والحرفيين والتجار.
نراهم في ملابسهم وحليهم، ونسمع أصواتهم وهم يخرجون من التحديث العثماني ويدخلون القرن العشرين، عندما يواجهون صدمة الاحتلال الأجنبي وأكبر اضطراب يمكن أن يواجهه شعب في العصر الحديث.
شاهد ايضاً: الأمير هاري وميغان ينتقدان مؤلف الكتاب الجديد عن العائلة المالكة بسبب "نظرية مؤامرة مجنونة"
نراهم مرة أخرى خارج أرضهم، ومقتلعين من قراهم، ومجردين من المكان والهوية. تكتسب القرى أسماء جديدة وتاريخًا جديدًا وسكانًا جددًا.
لقد أدرك وليد منذ البداية أن الصراع على فلسطين ليس مجرد صراع على قطعة أرض، بل هو صراع على المشرق العربي كله، وأنه يؤثر على حياة ومصير كل مجتمعات المنطقة.
لا شك في أن وليد كان يحمل قناعات قومية عربية، لكن ليس من الضروري البحث عن تلك القناعات لتفسير وعيه الدائم بالسياق العربي لقضية فلسطين. فالمؤرخ الذي عايش الصراع منذ عقوده الأولى لا يحتاج إلى أن يكون قومياً عربياً ليرى أبعاده العربية. وهذا ما دفعه إلى تكريس جزء كبير من حياته المهنية لمتابعة شؤون قضية فلسطين وتحولاتها كصراع عربي إسرائيلي.
الأبعاد الإقليمية للصراع الفلسطيني
شاهد ايضاً: رئيس كوبا يؤكد محادثات مع الولايات المتحدة مع تصاعد الأزمات الاقتصادية والطاقة في الجزيرة
ركّز وليد في مؤلفه الصادر عام 1974 على صعود القومية الفلسطينية. وبعد سنوات قليلة، أي في العام 1983، نشر كتابه عن الحرب الأهلية اللبنانية التي كانت في أحد جوانبها الرئيسية تجسيدًا لتداعيات القضية الفلسطينية.
في عام 1991، نشر دراسة ثاقبة عن حرب الخليج الأولى التي اندلعت بسبب غزو العراق للكويت من جهة، والمخاوف من احتمال اختلال توازن القوى الذي شمل إسرائيل من جهة أخرى.
في الواقع، بدأت مقاربة وليد للأبعاد العربية للصراع على فلسطين في وقت مبكر جدًا من حياته الأكاديمية، عندما اقترب من التجربة الناصرية واستكشف آفاقها.
ففي 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2012، وبينما كان العالم العربي يعجّ بالقوى الثورية، ألقى وليد خطابًا في معهد الشرق الأوسط في واشنطن تناول فيه الوضع الفلسطيني وأسهب في شرح ملاحظاته بشأن الحالة العربية.
ولعل المقطع التالي من الخطاب يلخص رؤيته للوضع العربي خلال نصف القرن الماضي أفضل تلخيص:
"منذ رحيل عبد الناصر، لم يعد هناك مركز ثقل أخلاقي أو سياسي في العالم العربي، ولم يعد هناك نجم موجه، ولا بوصلة، ولا دفة. كما أن الدولة العربية التي تمتلك طاقات روحية هائلة وأصيلة، بالإضافة إلى ثرواتها المادية الطافحة، لم ترتق، ولا يبدو أنها سترتفع إلى مستوى التحديات. أما في الهلال الخصيب، فإن منظومة الدول التي أنشأها نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى آخذة في الانهيار في حد ذاتها، ويحل محلها نكوص من المراكز الحضرية إلى المكونات الطائفية والعرقية لمجتمعات هذه الدول، بكل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر جسيمة."
"ولا يزال هذا المسار يتكشف في سوريا أمام أعيننا محفوفًا بالأهوال التي يحملها في طياته. وفي الوقت نفسه، هناك قادة عرب يفتقرون إلى أي إحساس بالمسؤولية، ويؤججون بلا هوادة نيران الصراع السني الشيعي المروع وغير المبرر على الإطلاق، والذي يشكل أكثر الانقسامات تفجراً وتدميراً في العالمين العربي والإسلامي."
"وبالتزامن مع هذا الوضع المتغير باستمرار، تبرز ظاهرتان إقليميتان: الأولى، التراجع المستمر للقومية العربية العلمانية، التي تقترب بسرعة، وربما وصلت بالفعل، إلى سكرات الموت؛ والثانية، الصعود المستمر والقوي للإسلام السياسي في أعقاب تراجع القومية العربية. أيها السيدات والسادة، لا يوجد معجبون بالقومية العربية في العالم الغربي بسبب عدائها لإسرائيل والاستعمار الغربي. ولكن ما يتناساه الغرب هو الدور الحاسم الذي لعبته القومية العربية العلمانية في مواجهة المد الشيوعي ومنع انتشاره في الشرق الأوسط، ومنه إلى أفريقيا. فالأنظمة العربية التي تعاملت مع الاتحاد السوفييتي، خاصة في مجال التسليح، سحقت الأحزاب الشيوعية في بلدانها بوحشية".
"ويمكن إرجاع فشل القومية العربية إلى عدة أسباب. أحد الأسباب، والذي أعتقد أننا لم نعطه الاهتمام الكافي، يكمن على المستوى النظري والتنظيمي. فعلى سبيل المثال، عندما انهارت الوحدة المصرية السورية عام 1961، لم تكن هناك أي كتابات أو دراسات جادة باللغة العربية تتناول موضوع الوحدة أو الفيدرالية لا شيء ولا حتى كتاب واحد. ما زلت أتذكر بوضوح كيف صدمنا عندما انهارت الوحدة، وكيف بدأنا نسأل أنفسنا: لماذا حدث هذا؟ وفجأة، أدركنا أنه لا يوجد في المكتبة العربية، في أي مكان، أي شيء يشبه ولو من بعيد كتاب "أوراق الفيدرالية"".
شاهد ايضاً: مقتل 200 شخص على الأقل في انهيار منجم كولتان في الكونغو، والسلطات تؤكد، بينما المتمردون يتنازعون على الحصيلة
كيف نفسر هذه النظرة التشاؤمية للعالم العربي، بعد عامين من اندلاع الربيع العربي؟ هل لا يزال المؤرخ ربما يشعر بالحنين إلى حقبة تبدو الآن أكثر يقينًا وطمأنينة في ظل الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي يشهدها العالم العربي؟ أم أن وليد يشعر بغربة معينة في بيئة عربية تشهد صعودًا سريعًا للإسلام السياسي؟
ربما كل هذا صحيح. فقد نشأ وليد في أسرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإصلاحيين العرب الإسلاميين الذين هيمنت رؤيتهم لعروبة شاملة وإسلام متوافق مع العالم الحديث على الثقافة العربية في فترة ما بين الحربين العالميتين.
وعلى الرغم من أن التجربة الناصرية، التي رأى فيها الخالدي قوة موحدة للعالم العربي، ولدت هي الأخرى من رحم الإصلاحية العربية الإسلامية، إلا أن الانقسامات الداخلية المصرية التي أعقبت ثورة يوليو 1952 أبعدت المشروع الناصري عن جذوره العربية الإصلاحية.
إلا أن عنصراً حاسماً ظل حياً وفاعلاً في السياسة والثقافة العربية طوال معظم القرن العشرين، وهو تصاعد مخاطر الصراع العربي الإسرائيلي وتوترات الحرب الباردة. وعلى غرار الإصلاحيين العرب الإسلاميين والعديد من الناصريين الآخرين، أدرك وليد الصلة الوثيقة بين انهيار الجامعة العثمانية وتجزئة المشرق العربي في ظل نظام سايكس بيكو وولادة القضية الفلسطينية. وكان يعتقد أن الجامعة العربية هي البديل الوحيد الممكن للجامعة العثمانية وطريق الخلاص للشعوب العربية والفلسطينيين على حد سواء.
لم يكن صعود الإسلاميين هو الذي هزم المشروع الناصري، لكن تراجعه مهّد الطريق لصعود الإسلاميين. وأعقب ذلك تراجع مطرد في قدرة الدولة الوطنية العربية على الاستجابة للتحديات الداخلية والخارجية. في نهاية المطاف، كان لا بد للقوتين الدولة المفككة والإسلام السياسي أن تتصادما، كما كان الحال منذ اندلاع الربيع العربي في ديسمبر 2010.
والسؤال الذي سعى وليد للإجابة عنه، والذي بدا العرب قريبين من الإجابة عليه في الخمسينيات والستينيات، هو ما إذا كان العرب ما بعد الثورة قادرين على إعادة بناء نظام عربي إقليمي قابل للحياة، وما إذا كان بإمكانهم احتواء الانفجارات العرقية والطائفية التي أثارها ضعف سلطة الدولة وصعود الإسلام السياسي.
في عام 1963، شارك وليد في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت أول مركز بحثي متخصص في الشؤون الفلسطينية، وربما الأول من نوعه في العالم العربي. وعلى الرغم من المحاولات اللاحقة في هذا المجال، لم يتمكن أي من المراكز التي أنشئت بعده من تجاوزه سواء من حيث نوعية أو كمية مخرجاته البحثية.
وسرعان ما توسع المعهد، الذي بدأ عمله باللغة العربية، إلى مركزين آخرين: أحدهما في واشنطن ينشر باللغة الإنجليزية، والآخر في باريس ينشر باللغة الفرنسية.
ولا يزال منشورها الرئيسي، مجلة الدراسات الفلسطينية، بطبعتيها الإنجليزية والعربية، إحدى أهم المجلات المتخصصة في الشؤون الفلسطينية في العالم.
وبعد مرور خمسة عقود، لا يزال المعهد شاهدًا على الصحوة الفكرية للشعب الفلسطيني وعلى تفاني وليد الأكاديمي الثابت. منذ البداية، كان الصراع على فلسطين صراعًا على التاريخ نفسه، ومثل وليد، انخرط المعهد في معركة التاريخ التي تستند إلى أكثر تقاليد البحث العلمي صرامة.
غير أن المثير للدهشة أن المعهد، على الرغم من تحوله إلى أحد أبرز معاقل الفكر الفلسطيني، لم يتمكن أو حتى حاول استكشاف آفاق استراتيجية بديلة للقضية الفلسطينية.
ففي عام 1988، نشر وليد مقاله "نحو السلام في الأرض المقدسة" (https://www.foreignaffairs.com/articles/israel/toward-peace-holy-land-palestine-khalidi) في مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، والذي خلص فيه إلى أن إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة منذ عام 1967 هي الرؤية الوحيدة الممكنة لتحقيق السلام، وأنه بدونها سيستمر الصراع إلى ما لا نهاية.
كان هذا بالطبع هو البرنامج الوطني الفلسطيني الرسمي برنامج عرفات إن صح التعبير الذي سحب به الراحل ياسر عرفات البساط من تحت أقدام جميع القوى الفلسطينية الأخرى التي عجزت عن تقديم رؤية عملية للنضال الوطني.
ولكن حتى لو لم يكن الأمر كذلك، فمن الواضح اليوم أن الشق الثاني من استنتاجات وليد هو الأكثر احتمالاً للتحقق الآن: الصراع المفتوح. وهذا يطرح السؤال المهم حول ما إذا كان هناك إطار استراتيجي آخر للنضال الفلسطيني.
لم يكن وليد أول مؤرخ فلسطيني في العصر الحديث، وبالتأكيد لم يكن الأخير. فمن بين أسلافه ومعاصريه جورج أنطونيوس (1891-1941)، وعارف العارف (1891-1973)، ومحمد عزت دروزة (1887-1984)، بالإضافة إلى متخصصين مثل عبد اللطيف الطيباوي (1910-1981) ونقولا زيادة (1907-2006).
غير أن أيًا منهم لم يضاهِ الخالدي في الجمع بين الصرامة المنهجية والمعرفة المتخصصة العميقة بالتاريخ الفلسطيني، والتفاني في خدمة هذا التاريخ طوال حياته. كان وليد ذلك المؤرخ، وهو بذلك الأب الشرعي لمدرسة التاريخ الفلسطيني.
وقد قرأت الغالبية العظمى من المؤرخين الفلسطينيين من الجيلين الثاني والثالث أعمال وليد واطلعوا على منهجيته البحثية، حتى لو لم تكن هذه الأعمال أساسية في مجالاتهم الخاصة. وعلى الرغم من تراجع الدراسات التاريخية في العالم العربي ومحدودية الفرص المتاحة في الأوساط الأكاديمية الغربية، إلا أن هناك الآن عددًا كبيرًا من المؤرخين الفلسطينيين الذين يدرسون ويبحثون في مجالات مختلفة في هذا المجال، ولكنهم جميعًا مدينون بطريقة أو بأخرى لوليد الخالدي.
فأعماله لا تبقى فقط كمنحة دراسية بل كمدخل مستمر في المعركة حول التاريخ نفسه.
أخبار ذات صلة

المدعون الأمريكيون يحققون فيما إذا كان الرئيس الكولومبي بيترو له علاقات مع تجار المخدرات

عنوان البيسبول يحرر السعادة التي احتفظ بها الفنزويليون لسنوات
