ابتكار خلايا شمسية تغذي أعماق البحار بكفاءة عالية
فريق صيني يطوّر خلايا شمسية من البيروفسكايت تولّد طاقة بكفاءة عالية تحت سطح البحر وتقاوم مياه البحر القاسية مما يفتح آفاقاً جديدة للطاقة المستدامة في الأعماق البحرية وتطبيقات البنية التحتية الذكية تحت الماء وورلد برس عربي

الطاقة الشمسية تحت الماء هل باتت ممكنة فعلاً؟
لطالما بدا توليد الكهرباء من ضوء الشمس في أعماق البحر ضرباً من الخيال العلمي، فالماء يبتلع الضوء قبل أن يصل إلى أي لوح شمسي. لكنّ فريقاً من باحثي جامعة يونان الصينية نجح في تجاوز هذه العقبة، وطوّر خلايا شمسية من نوع البيروفسكايت (Perovskite) قادرة على توليد الكهرباء تحت سطح البحر بكفاءة تفوق ما تُحقّقه الألواح السيليكونية التقليدية في الهواء الطلق. النتائج نُشرت عام 2026 في المجلة العلمية المرموقة Joule.
لماذا لا تعمل الألواح العادية تحت الماء؟
المشكلة ليست في الألواح الشمسية وحدها، بل في الماء نفسه. الماء يمتصّ أطوال الموجات الضوئية التي تعتمد عليها خلايا السيليكون لتوليد الكهرباء، فتصل إلى الأعماق أطوالٌ موجية مختلفة لا تستطيع تلك الخلايا استثمارها. هنا تبرز ميزة البيروفسكايت: يمكن ضبط تركيبته الكيميائية بدقة لاستيعاب أطوال موجية بعينها، بما فيها تلك التي تخترق الماء وتصل إلى الأعماق.
غير أنّ للبيروفسكايت عيباً شهيراً يجعل استخدامه تحت الماء تحدياً مضاعفاً: يتدهور بسرعة عند تعرّضه للرطوبة، وهو ما يجعل غمره في مياه البحر مغامرةً تبدو انتحارية للوهلة الأولى. الفريق بقيادة الباحثة Simin Ma أضاف إلى الخلايا مادةً كيميائية تُعرف بـ polyhexamethylene guanidine hydrochloride، تعمل على مستويين في آنٍ واحد: تُشكّل طبقةً طاردة للماء تحمي البنية الداخلية للخلية، وتُثبّت الشبكة البلّورية للبيروفسكايت فتحول دون انهياره. النتيجة: خلية شمسية مرنة وشفافة وقابلة للتصنيع بتكلفة منخفضة، وقادرة على الصمود في وجه البيئة البحرية القاسية.
الأرقام التي تقلب المعادلة
ما يجعل هذا البحث لافتاً ليس فكرته فحسب، بل أرقامه. في ظروف مختبرية تحاكي عمق 10 أمتار تحت سطح البحر، حوّلت الخلايا نحو 35% من الضوء الواصل إلى كهرباء وهي نسبة تتجاوز بمراحل كفاءة الألواح السيليكونية المعتادة التي تبلغ نحو 20%. وللتوضيح: هذه المقارنة تُقاس بمرجعية مختلفة في كلّ حالة، إذ يعمل البيروفسكايت بضوءٍ أضعف بكثير مما يصل إلى الألواح السطحية، لكنّ كفاءة استخلاص الطاقة من الضوء المتاح تظلّ متفوّقة.
في اختبار الصمود، غُمر اللوح في مياه البحر 40 يوماً متواصلاً تحت ضوءٍ مُصفّى يحاكي عمق 10 أمتار، فاحتفظ بـ 99.6% من كفاءته الأصلية. وتُشير التقديرات إلى أنّ العمر الافتراضي المفيد للخلية في مياه البحر يبلغ نحو 5.5 سنوات قبل أن تنخفض كفاءتها إلى ما دون عتبة الـ 80% المعتمدة معياراً في عالم الخلايا الشمسية.
من المختبر إلى بحر الصين الجنوبي
لم يكتفِ الفريق بالاختبارات المختبرية، بل نقل اللوح إلى ميدان حقيقي: ركّبه على مركبة في بحر الصين الجنوبي، واختبره على أعماق 2 و6 و10 أمتار. كشفت النتائج عن تحدٍّ عملي مهم: عند عمق مترين، تذبذب إنتاج الطاقة بشدّة بسبب تفاعل أمواج السطح مع الضوء الواصل. أمّا عند عمق 10 أمتار، فلم يتجاوز إنتاج الطاقة 25% مما كان عليه عند عمق مترين و هو انخفاض متوقّع نظراً لتراجع شدّة الضوء مع العمق، لكنّه يرسم بوضوح حدود ما يمكن توقّعه من هذه التقنية في مراحلها الراهنة.
ماذا يعني هذا للبنية التحتية البحرية؟
التطبيقات المحتملة هي ما يجعل هذا البحث يستحقّ المتابعة. يرى الباحثون أنّ هذه الخلايا قد تُمكّن من بناء «أنظمة طاقة بحرية ذاتية الاكتفاء وبنية تحتية لإنترنت الأشياء تحت الماء»، وهو ما يعني عملياً أجهزة استشعار بيئية وشبكات رصد محيطية ومركبات مستقلة يمكنها الاشتغال لأشهر دون الحاجة إلى كابلات طاقة أو بطاريات تُستبدل بصفة دورية.
تحفّظات لا يجب تجاهلها
قبل الانجراف نحو التفاؤل المطلق، ثمة ما يستوجب التوقّف عنده. التقنية لا تزال في مرحلة البحث، والاختبارات الميدانية جرت في ظروف محدودة. مسألة التدهور المتسارع للبيروفسكايت لم تُحلّ كلياً، بل خُفّفت بإضافة كيميائية واعدة والفارق بين الاثنين كبير. كذلك فإنّ إنتاج الطاقة عند الأعماق الأكبر يبقى منخفضاً بشكل ملحوظ، وهو قيدٌ فيزيائي لا مفرّ منه.
ما يُمثّله هذا البحث المنشور في Joule هو خطوة جدية نحو تقنية ظلّت حبيسة الورق لسنوات. الطريق من المختبر إلى النشر التجاري طويل، لكنّ الأرقام المُسجّلة لا سيما نسبة الكفاءة البالغة 35% وصمود اللوح 40 يوماً بخسارة تقلّ عن نصف بالمئة تجعل هذا المسار يبدو أقلّ استحالةً مما كان عليه قبل عام.
أخبار ذات صلة

الجيش الأميركي يعترف رسمياً: أسلحة في المدار الفضائي

شركة (Jet Charge) تساعد في تحول أساطيل المركبات إلى الطاقة الكهربائية

OpenAI تواجه دعوى ماسك بينما تجد Apple منفذاً للخروج
