وورلد برس عربي logo

التوازن الهش للعراق بين الرياض وطهران في مواجهة الضربات

الضربات الأمريكية السعودية المشتركة في العراق تكشف هشاشة التوازن بين بغداد وطهران وتضع الحكومة العراقية أمام خيارات صعبة بين تعزيز علاقاتها مع الرياض واحتواء الفصائل المسلحة المدعومة إيرانياً تابع وورلد برس عربي.

الضربات الأمريكية السعودية تختبر توازن العراق بين الرياض وطهران
Members of Iraq's Popular Mobilisation Forces (PMF) stand guard outside the Basra Operations Command headquarters, following US-Saudi air strikes in Basra, Iraq on 29 July 2026 (Reuters)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

الضربات الأمريكية-السعودية المشتركة التي استهدفت فصائل مسلّحة مرتبطة بإيران في العراق الأسبوع الماضي لم تُثِر فقط شبح الانتقام. بل كشفت عن هشاشة المعادلة التي يحاول العراق الحفاظ عليها منذ سنوات: تعميق العلاقات مع الرياض وواشنطن في الوقت ذاته الذي يحتوي فيه فصائل مسلّحة نافذة تدور في فلك طهران. وبات واضحاً أن بغداد قد تُجبَر على خيارات صعبة ظلّت تتحاشاها طويلاً.

في 29 يوليو، شنّت قوات أمريكية وسعودية ضربات مشتركة على قواعد تابعة لهيئة الحشد الشعبي في العراق، ما أسفر عن مقتل ما لا يقلّ عن 20 عنصراً من الحشد وأربعة مستشارين من الحرس الثوري الإيراني، وفق ما أفادت به وسائل إعلام عراقية وإيرانية. وتُمثّل هذه الضربات المرة الأولى التي تنضمّ فيها الرياض علناً إلى عمليات عسكرية مشتركة مع واشنطن، وجاءت رداً على هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية سعودية انطلاقاً من الأراضي العراقية.

غير أن الرياض لا تبدو في وارد الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. فقد وصف وزير الخارجية السعودي الضربات بأنها «دفاع عن النفس»، مع تحذير صريح بأن المملكة ستُكرّر ضرباتها إن استُؤنفت الهجمات على أراضيها. وفي السياق ذاته، تواجه الرياض تهديدات الحوثيين من اليمن التي تستهدف منشآتها النفطية وممرّاتها البحرية، ما يجعل فتح جبهة جديدة في العراق مكلفاً استراتيجياً.

الردع السعودي

تُشير مؤشّرات عديدة إلى أن الضربات استهدفت في جوهرها استعادة الردع في مواجهة طهران وحلفائها العراقيين، لا الانزلاق إلى مواجهة مستدامة.

وفي هذا الإطار، قال الدكتور هشام الغنام، الباحث في مركز Carnegie للشرق الأوسط المقيم في الرياض، إن «الضربات استهدفت مواقع ميليشيا بعينها مرتبطة مباشرة بهجمات الطائرات المسيّرة على المنشآت النفطية السعودية، بهدف ردع هذه الجماعات». وأضاف: «لكن مقتل المستشارين العسكريين الإيرانيين جنباً إلى جنب مع عناصر الميليشيا لم يكن مصادفة. كانت رسالة إلى طهران مفادها أن المملكة العربية السعودية تُحمّل إيران المسؤولية عمّا يُديره أفرادها من الأراضي العراقية، بصرف النظر عن الفصيل الذي يُنفّذ الهجوم».

في المقابل، أصدرت المقاومة الإسلامية في العراق وهو إطار يجمع فصائل مدعومة إيرانياً من بينها الحشد الشعبي بياناً عبر قناته على Telegram في 29 يوليو، أعلن فيه أن «الرد على العدو الأمريكي حتمي»، مع الإشارة إلى احتمال استهداف المملكة العربية السعودية «إن اقتضت الظروف ذلك». والملاحظ أن لهجة الفصائل تجاه الرياض جاءت أكثر تحفّظاً مقارنةً بموقفها من واشنطن.

رسالة سياسية أم تهديد عسكري؟

منح المقاومة الإسلامية في العراق بغداد مهلة حتى 7 أغسطس للردّ على الضربات الأمريكية-السعودية. بيد أن هذه المهلة وما رافقها من تهديدات بالتصعيد تبدو في جزء منها موجّهة نحو التأثير على السياسة الداخلية للحكومة العراقية، لا مجرّد إعلان نيّة عسكرية.

فبعض الفصائل المرتبطة بالمقاومة الإسلامية، من بينها حركة حزب الله النجباء وسرايا أولياء الدم، طالبت بغداد بقطع علاقاتها مع الرياض، وهو ما يكشف أن الضغط يستهدف توجيه الموقف السياسي العراقي بالدرجة الأولى.

وفي هذا السياق، أوضح مصطفى الصراي، مدير البحث في مركز البيان للدراسات والتخطيط، أن «هذه الفصائل لا تضع في العادة مهلاً للانتقام أو للهجمات، بل تشنّ هجمات مفاجئة. وحين تضع مهلاً كهذه، فإنها تسعى إلى إيصال رسالة وتحقيق هدف، ربما سياسي أو أمني». وأضاف الصراي احتمالاً آخر: «قد تنتظر هذه الجماعات تطوّرات الصراع الإيراني-الأمريكي قبل أن تُنسّق ردّها مع محور المقاومة الأوسع».

وقد أبدى الصراع الإيراني-الأمريكي مؤشّرات على التهدئة في الأيام الأخيرة؛ إذ أعلن الرئيس الأمريكي Donald Trump أن مفاوضات مباشرة مع طهران باتت جارية، محذّراً في الوقت ذاته من أن هذه الجولة هي «الفرصة الأخيرة» لإيران لإبرام اتفاق. غير أن أي تصعيد متجدّد قد يدفع هذه الفصائل إلى شنّ هجمات إضافية على المملكة العربية السعودية، وربما على الأردن أو دول خليجية أخرى.

اختبار الإصلاح الأمني

تضع هذه المستجدّات بغداد أمام امتحان مزدوج: هل تستطيع المضيّ قُدُماً في إصلاحاتها الأمنية المتعثّرة، وتصون في الوقت ذاته علاقاتها المتنامية مع الرياض؟

تسعى الحكومة العراقية إلى دمج الحشد الشعبي الذي يُعدّ رسمياً جزءاً من المنظومة الأمنية للدولة مع الإبقاء على سيطرة الدولة على الفصائل التي تحتفظ باستقلالية واسعة. وضمن هذا الإطار، حدّدت الحكومة الثلاثين من سبتمبر موعداً نهائياً للجماعات المسلّحة للامتثال لخطّة نزع الأسلحة. إلا أن الضربات الأخيرة على قواعد الحشد، وما بدا من عجز بغداد أو تحفّظها عن منعها، أسهمت في تصليب موقف بعض الفصائل الرافضة للنزع.

وقد أعلن أبو حسين الحامداوي، الأمين العام لكتائب حزب الله، أن الهجمات الأمريكية-السعودية على العراق «عزّزت التزام الجماعة بالاحتفاظ بأسلحتها وتطويرها». كما ربطت المقاومة الإسلامية في العراق صراحةً بين الضربات وخطّة نزع السلاح، متحدّيةً الحكومة التي «طالبت بنزع سلاح المقاومة» لإثبات قدرتها على الدفاع عن العراق.

على الصعيد الاقتصادي، زار رئيس الوزراء علي الزيدي واشنطن في منتصف يوليو ووقّع 48 اتفاقية وشراكة مع شركات أمريكية. بيد أن مسؤولين أمريكيين أشاروا إلى أن تعميق العلاقات الاقتصادية مشروط بقدرة بغداد على تقييد الميليشيات أو نزع سلاحها، لا سيّما تلك المتورّطة في هجمات على منشآت عسكرية ودبلوماسية أمريكية وهي هجمات أعلنت المقاومة الإسلامية مسؤوليتها عن عشرات منها خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.

وقد أعلن الزيدي أن بغداد تسعى إلى «شراكة اقتصادية مع المملكة العربية السعودية»، غير أن الفشل في ضبط هذه الفصائل قد يُقوّض آفاق الاستثمار السعودي في العراق.

وخلص الغنام إلى أن «الثلاثين من سبتمبر هو الاختبار الحقيقي. إن فشلت عملية نزع السلاح في اليوم ذاته المحدّد لانسحاب القوات الأمريكية من العراق فإن الرياض وحتى أبوظبي ستخلصان بهدوء إلى أن بغداد غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها، وستُعيد النظر في استعدادها للاستثمار في العراق».

أخبار ذات صلة

Loading...
مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يقف بجانب مركبة عسكرية في القامشلي، في سياق حل القوات واندماجها بالجيش السوري الرسمي.

الأكراد بين الأمل والحذر: حل قوات سوريا الديمقراطية والالتحاق بالجيش النظامي

في تحول تاريخي، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية حلّها واندماجها بالجيش الوطني، ما يفتح أفقاً جديداً لحقوق الأكراد ووحدة سوريا. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة الحاسمة وتأثيرها على مستقبل المنطقة. اقرأ المزيد الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
رجال يحملون جثمان الصحفي الفلسطيني أحمد وشاح مرتدياً سترة الصحافة وسط حزن في جنازة بغزة بعد اغتياله بغارة إسرائيلية.

الصحفيون الفلسطينيون بين الواقع والحياد: هل يبقى الصمت خياراً؟

في ظل تصاعد العنف في غزة، يستمر استهداف الصحفيين الفلسطينيين، حيث استشهد على يد إسرائيل أكثر من 220 صحفياً خلال أقل من عامين. اكتشف تفاصيل هذه المأساة الإنسانية وتأثيرها على حرية الصحافة. اقرأ المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
امرأة فلسطينية ترتدي عباءة تقف على شرفة منزل محاصر في قصرة مع طفلين، تعكس معاناة الحصار ونقص الغذاء في الضفة الغربية.

الفلسطينيون المحاصرون بالمستوطنين: «نحن نموت جوعاً»

في ظل حصار خانق على منازل فلسطينية في قصرة، يعاني السكان نقصاً حاداً في الغذاء وسط تضييقات الجيش والمستوطنين. اكتشف تفاصيل الحصار وتأثيره على العائلات الفلسطينية واستمر في القراءة لمعرفة المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
وزير الخارجية البريطاني يتحدث في اجتماع رسمي وسط حضور نسائي، في سياق إدانة تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي عن العنف في غزة.

الحكومة البريطانية تدين تصريحات بن غفير "المشينة" حول قتل الفلسطينيين

تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي Itamar Ben Gvir التي تدعو إلى قتل فلسطينيين في غزة أثارت ردود فعل غاضبة من الحكومة البريطانية التي وصفتها بالبشعة والمُهينة للإنسانية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على السلام في المنطقة.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية